المستشرقة بارسونز : فوزي القاوقجي بطل عربي وليس جاسوساً

نكبة 1948 للمرة الأولى بالإنجليزية من مصادرها العربية الخالصة

المستشرقة بارسونز : فوزي القاوقجي بطل عربي وليس جاسوساً
TT

المستشرقة بارسونز : فوزي القاوقجي بطل عربي وليس جاسوساً

المستشرقة بارسونز : فوزي القاوقجي بطل عربي وليس جاسوساً

لا تزال فترات شديدة الحساسية من التاريخ العربي الحديث غامضة، والآراء حولها متناقضة. وشخصيات محورية صنعت هذا التاريخ موضع جدل كبير، من بينها فوزي القاوقجي الذي يعتبر بطلاً قومياً بالنسبة لكثيرين، فيما لا يزال البعض يسمه بالخيانة والجاسوسية. كتاب المستشرقة ليلى بارسونز، الصادر حديثاً بالإنجليزية وفي طبعتين، إحداهما عن دار «هيل أند وانغ» في نيويورك، والأخرى عن دار «الساقي» في لندن، يقطع الشك باليقين، فيما يتعلق بمسار هذا القائد العربي. وهو من الكتب النادرة، حول تلك الحقبة بلغة أجنبية اعتمدت المصادر والوثائق العربية بشكل رئيسي، وحاولت أن تقدم الرواية العربية في مواجهة رواية أخرى مختلفة تماماً هي تلك الغربية عن الرجل الذي خاض حروباً لم تتوقف ضد الاستعمار، ولعب أدوراً متناسلة منذ عام 1914 وحتى 1948، وكان أكثر تلك الأدوار شهرة، قيادة جيش الإنقاذ لتحرير فلسطين عام 1947. شخصية القاوقجي تفتح الباب على فهم فترة انهيار الدولة العثمانية، وما رافق اتفاقية «سايكس بيكو» من اضطرابات، وقيام الثورات العربية الكبرى ضد الاستعمار ومن ثم نكبة فلسطين التي كانت اللحظة القاصمة التي تغيرت بعدها المنطقة كلها، إلى غير رجعة.
الباحثة بارسونز بريطانية الجنسية، وهي أستاذة التاريخ والدراسات الإسلامية في «جامعة ماكجيل» الكندية حالياً. خريجة «أكسفورد»، عملت في جامعة «هارفارد» ومن بعدها جامعة «يال». وكتابها الأول كان حول «الدروز بين فلسطين وإسرائيل 1947 - 1949». أما الكتاب الجديد فيحمل اسم «القائد» يعلوه عنوان آخر هو «فوزي القاوقجي وحرب الاستقلال العربية 1914 - 1948».
في جلسة جمعتنا ببارسونز أثناء زيارة لها لبيروت وابن فوزي القاوقجي أسامة، شرحت الباحثة أن «المصادر الاستعمارية التي رجعت إليها، كانت معادية جداً للقاوقجي وتقدمه على أنه مجرم وعدو. لذلك قررت التركيز على المصادر العربية، «وكنت محظوظة بالتعرف على دوان حفيدة القاوقجي التي التقيتها صدفة في بوسطن ماساتشوستس، وتعرفت بعدها بوالدها أسامة الذي سمح لي أن أعود إلى أرشيف فوزي القاوقجي، وكان كريماً معي إلى أقصى حد، مما جعلني أصل إلى كتابة قصة هي أقرب إلى الحقيقة». ومن المصادر التي عادت إليها الباحثة وثائق وجدتها في «معهد الدراسات الفلسطينية»، ومراجع موجودة في «مركز الأبحاث التاريخية» في دمشق، حيث عثرت على ملف كبير عن فوزي القاوقجي ومذكرات القاوقجي التي جمعتها المؤرخة الفلسطينية خيرية القاسمية في السبعينات، إضافة إلى مذكرات آخرين عاصروه مثل سعيد العاص، والصحافي منير الريس وأقرب أصدقائه إليه، وكذلك مصادر بريطانية وإسرائيلية كانت حريصة على ألا تجعلها هي الأساس.
في رأي بارسونز «أن معظم الكتب التي تتحدث عن هذه المرحلة باللغة الإنجليزية تركز بشكل أساسي على الضباط الإسرائيليين والبريطانيين، في الوقت الذي توجد فيه كتب قليلة جداً تعنى بحكاية الضباط العرب». لذلك يأتي الكتاب الذي يتحدث عن واحد من أهم الضباط العرب في تلك المرحلة ليسد ثغرة مهمة في تلك الفترة الحرجة.
ولد فوزي القاوقجي في طرابلس في السنوات الأخيرة من عمر الإمبراطورية العثمانية، وتحديداً في 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1894، درس في الأكاديمية العسكرية في إسطنبول، وبعد تخرجه شارك بالقتال في الحرب العالمية الأولى كضابط في الجيش العثماني. ثم حارب في فلسطين في محاولة لوقف التقدم البريطاني. وبعد انتهاء الحرب وانهيار الإمبراطورية العثمانية واصل القاوقجي القتال ضد الاستعمار للأراضي العربية في سوريا وفلسطين والعراق. وتقول بارسونز «في الكتاب أنا أروي قصة هذه العمليات، وأحاول أن اكشف للقارئ عالم القاوقجي من خلال كتابة الأحداث التي عاشها من وجهة نظره. وتنتهي القصة بآخر حرب خاضها ضد الاستعمار، أي حرب فلسطين سنة 48، والتي قام فيها بقيادة قوة عربية من المتطوعين كانت ملتزمة بمنع إقامة دولة إسرائيل».
وحين نسأل إن كان الكتاب هو وجهة نظر القاوقجي أم محاولة لكشف حقيقة مساره؟ تجيب بارسونز: «الأمران معاً. بالطبع القاوقجي ارتكب أخطاء. فقد اعتقد أن الحرب ستكون أسهل مما هي عليه في مواجهة الإسرائيليين عام 48، وهذا كان انطباع الكثير من القادة العرب وقتها، معتمدين على حربهم مجتمعين لمواجهة الجيش المعادي». وتضيف: «من أخطائه أيضاً، أنه عام 1925 كان هو قائد ثورة حماة، ويبدو أنه استخدم استراتيجية قريبة للتي كان يتبعها الجيش العثماني، والمأخذ عليه أنه كان يجب أن يلجأ إلى تكتيكات أكثر ديناميكية».
البطل يصير عميلاً
تقرأ في الكتاب عن المكانة التي احتلها اسم فوزي القاوقجي عام 1936 حين حارب في فلسطين ضد الإنجليز، حيث كان ينشد له الناس أغنيات تتحدث عن بطولاته، وفدوى طوقان كتبت له شعراً يتغنى ببسالته ووصفته بأنه «بطل الأبطال» و«زهرة الشباب». لكن الباحثة تروي لنا إن النظرة للقاوقجي تغيرت بعد هزيمة 48. «وحين ذهبتُ إلى جامعة بيرزيت منذ سنة لأحاضر هناك، كان ثمة نقد كبير للقاوقجي».
انتقادات كثيرة وجهت لهذا القائد. علامات استفهام حول بعض سلوكياته، هناك من اتهمه بأنه جاسوس، ولا تزال المقالات تدبّج متهمة إياه بأنه كان عميلاً. بارسونز تجيب بشكل قاطع: «في كل الوثائق التي بحثت فيها، لم أعثر على أي دليل ولو صغير، يشير إلى أن القاوقجي لعب هذا الدور. بحثت في الأرشيف البريطاني، وفي الملفات البريطانية للمخابرات، ولم أجد ولو قصاصة واحدة يمكن أن تجعلنا نوجه له هذا الاتهام».
معلوم أن القاوقجي وبعد إصابته بجراح بالغة أثناء قتاله ضد الإنجليز عام 1941 نقل إلى برلين للعلاج، وبقي هناك ثم سجن عند دخول الروس، وهرب إلى فرنسا، وقرر العودة إلى بيروت عن طريق القاهرة. لكن لأسباب مفاجئة أعلم الركاب، وهم في الطريق، بأن الطائرة ستهبط في مطار اللد. هناك صعد رجال إلى الطائرة بحثاً عن القاوقجي لكنه بعينيه الزرقاوين وبفضل زوجته الألمانية التي تجلس إلى جانبه وكان يتحدث معها الألمانية لم يلق القبض عليه. ويقال بأنه استخدم اسماً مستعاراً خلال هذه السفرة ونجا بأعجوبة. وهنا تقول بارسونز إنها عثرت على ملف كامل في الأرشيف البريطاني موضوعه هذه الحادثة، وفيه وثائق تظهر غضباً بريطانياً من عدم اعتقال الرجل بسبب خطأ من الموظفين. مما يدل على أنه بالفعل أفلت بمحض الصدفة.
تعتقد بارسونز أن «السبب الرئيسي في تشويه صورة القاوقجي كان مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني لأنه كان يخشى دوره الكبير، ويتوجس منه». وخلافه معه يعود إلى عام 1936، حيث شجع الشباب على عدم الالتحاق بجماعته المقاتلة والذهاب مع جماعة أخرى. ويقول الكتاب إنه بلغ الأمر بالمفتي الذي تصادف وجودهما معاً في برلين أن كتب تقريراً للخارجية الألمانية يتهمه فيها بأنه جاسوس بريطاني.
بارسونز باحثة دقيقة، كتابها مذهل في بساطته وحرصه على التأكد من الوثائق بعد أن جالت في لبنان وسوريا وبريطانيا وحتى إسرائيل بحثاً عن المعلومة الصحيحة، وهي تقول: «أنا باحثة مستقلة، وما وجدته خصوصاً في الوثائق الإسرائيلية والبريطانية التي بحثت فيها أن القاوقجي كان بالنسبة لهم عدواً ومجرماً. وله ملفات في إسرائيل عن دوره في الحرب وكلها تتكلم عنه كإرهابي ومخرب. مما ينفي عنه تهمة التواطؤ معهم.
الرواية العربية مشوشة
الرواية العربية التاريخية حول هذا الفترة مشوشة. وباستثناء المذكرات التي نشرت لعدد من شخصيات تلك المرحلة، فإن الأبحاث غير كافية، يلزمها الكثير من التمحيص. تعزو بارسونز ذلك إلى «أن العرب يرونها فترة فشل وإحباط، ولا يريدون استعادتها أو التركيز عليها. وتضيف «علينا أن نتذكر أيضاً إلى جانب النكبة أن هناك شخصيات ناضلت وحاربت ودفعت أعمارها كلها، لتطرد الجيوش الاستعمارية، وحاولت تأسيس دولة. وهذه قصص تستحق أن تروى ويعرفها الناس».
من الأمور الملتبسة أيضاً في تلك الفترة مسألة غموض الهوية عند سكان المنطقة. فالقاوقجي، بدأ حياته العسكرية مدافعاً عن الدولة العثمانية، ثم أصبح مقاتلاً شرساً في الثورات العربية كمناضل قومي. وهو كان في البدء منسقاً بين الجيشين العثماني والألماني. تعتبر الباحثة أن الأمور كانت واضحة في ذهن القاوقجي. «كان مع وحدة الجيش العثماني. لكنه رأى ما حلّ بتركيا وكيف أنهم صدوا الاستعمار، فشعر أن على العرب أن يفعلوا الشيء نفسه، وقد انهارت الدولة العثمانية. أما اتهامه بتأييد النازية، فالعلاقة مع ألمانيا حينها لم تكن تحالفاً مع الفكر بقدر ما كانت بهدف المساعدة في صد الاستعمار وتحرير البلاد العربية من الإنجليز والفرنسيين».
الباعث الرئيسي الذي كان يحرك هذا المناضل على ما نفهم من براسونز، هو طرد الاستعمار. مشاعر القومية العربية ربما أنها بدأت بالظهور في تلك الفترة بسبب إحساس الضباط العرب بتعالي الضباط الأتراك عليهم، إلا أن الأولوية كانت الانتصار على الجيوش الأجنبية. وتلفت أيضاً إلى أن «الحدود كانت مفتوحة قبل عام 1936، والقاوقجي كما بقية الضباط العرب كانوا يجوبون المنطقة، وهو كان قد وصل في رحلاته حتى عمان، ومن ضمن مهامهم حث الناس على التطوع لتحرير فلسطين. ومن خلال هذا التسفار صار للقاوقجي معارف في كل المنطقة». لذلك نرى أنه قاتل في أماكن كثيرة مشاركاً في الثورات العربية في سوريا والعراق وفلسطين كما ذهب إلى السعودية وشارك في تدريب الجيش السعودي الذي كان في طور التأسيس.
تدريب الجيش السعودي
وتروي لنا الباحثة «أن القاوقجي ذهب إلى الحجاز مع زملاء له بينهم نبيه العظمة، لأن الحكومة الفرنسية كانت قد طردته وكان هناك أيضاً الحاج أمين الحسيني. ودرب الجيش الجديد الذي أنشأه الملك عبد العزيز بن سعود مع مساعدة من نبيه العظمة، وكان واحداً من القادة العرب أيضاً». تقول بارسونز إنها وجدت في الأرشيف البريطاني تقارير تتحدث عن هذا التدريب. ومن بينها تقرير يقول إن «فوزي القاوقجي وصل إلى السعودية لتدريب جيش ابن سعود وهو رجل يتمتع بمهارات جيدة». مما يعني أن البريطانيين كان يراقبون عن كثب حركته، كما تطورات الجيش السعودي الناشئ حينها. لكنه سرعان ما ترك السعودية والتحق بالمدرسة العسكرية البريطانية في بغداد عام 1932 حتى أكتوبر عام 1936. وهو التاريخ الذي سيظهر بعده القاوقجي في الأرشيف البريطاني عدواً يتم رصده ومتابعة أنشطته عن كثب.
تعتبر الباحثة أن كتاب إدوارد سعيد «الاستشراق» بدّل نظرة الدوائر الأكاديمية الغربية إلى العرب، فيما لا تزال المقالات الصحافية والمواقف السياسية على حالها، وكذلك الرأي العام للناس العاديين». من هنا تأتي أهمية هذا الكتاب عن فوزي القاوقجي، فهو رصد دقيق لمرحلة شديدة الحساسية من خلال سيرة هذا الرجل الاستثنائي، الذي تكاد لا تفهم كيف وجد عند كل مفترق خطر ومفصلي في المنطقة. المؤلف مكتوب بلغة سلسلة وبسيطة، يتوجه للقارئ الغربي العادي، الذي يريد أن يعرف تاريخ الشرق الأوسط في تلك الحقبة الحساسة. ليلى بارسونز ذات الشخصية الخفرة، المتواضعة، والتي تتحدث الفصحى بطلاقة وإتقان، سعيدة لأن رسائل كثيرة وصلتها من أناس عاديين يقولون «إنهم فهموا للمرة الأولى قصة الاستعمار للشرق الأوسط». يبقى أن ترجمة عربية لهذا الكتاب المهم هي أكثر من ملحة، ويبدو أن أي دار نشر لم تأخذ على عاتقها هذه المهمة بعد.



جائزة الشاعر حامد بدرخان لمحمد علي طه ومحمد شيخ عثمان

محمد علي طه
محمد علي طه
TT

جائزة الشاعر حامد بدرخان لمحمد علي طه ومحمد شيخ عثمان

محمد علي طه
محمد علي طه

تزامناً مع الذكرى الثلاثين لرحيله، التي تصادف 29 أبريل (نيسان) أعلنت اليوم لجنة جائزة الشاعر الكردي السوري حامد بدرخان عن أسماء الفائزين في دورتيها لعامي 2025 و2026.

وقد ارتأت اللجنة منح الجائزة في دورتها لعام 2025-2026 للشاعر محمد علي طه، «تقديراً لدوره الإبداعي في مجال الشعر، ولمواقفه الإنسانية إلى جانب حضوره الثقافي الفاعل»، كما منحت اللجنة الجائزة في دورتها لعام 2026 للشاعر محمد شيخ عثمان، «الذي عُرف بقربه من الشاعر الراحل ومرافقته له في مسيرته الأدبية حتى وفاته».

ويعد الشاعر حامد بدرخان (1945–1996) أحد أبرز الأصوات الشعرية في الأدب الكردي في سوريا، وقد كتب باللغات الكردية والتركية والعربية (إلى جانب إتقانه الفرنسية) وترك أثراً واضحاً في التجربة الشعرية الحديثة بصفة عامة.

تألفت لجنة الجائزة للدورتين الأخيرتين من كل من: د. هفال ميرو، والدكتور ولات محمد، والشاعر إبراهيم اليوسف.

ومحمد علي طه شاعر من مواليد دمشق 1937، عمل في التعليم منذ 1962، وبدأ كتابة الشعر مبكراً ونشره في الصحف، وشارك في أمسيات أدبية عديدة. أصدر ديوان قمر إلى فهد (1995) واليمامة (2013)، إضافة إلى كتب فكرية وسردية، وحافظ على حضور ثقافي وسياسي متواصل.

محمد شيخ عثمان

أما محمد شيخ عثمان فهو من مواليد 15 يناير (كانون الأول) 1946، نشأ في ظروف قاسية وانتقل إلى حلب حيث تابع دراسته وعمله، وعمل في جامعة حلب ابتداء من عام 1973. جمع في حياته بين العمل والدراسة، وشارك في النشاط الشعري، وأصدر مجموعته «ملهاة التجدد والأيام» عام 1996، وارتبط بعلاقة وثيقة مع حامد بدرخان منذ 1982 حتى وفاته.

وكانت جائزة حامد بدرخان للشعر قد أُطلقت في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2009 وتُعد واحدة من الجوائز التي يشرف عليها الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الكرد في سوريا، وقد مُنحت منذ تأسيسها لعدد من الشعراء السوريين والكرد، وهم، علي كنعان ومنذر مصري، ومها بكر، ورشيد عبد المجيد، ونازلي خليل، وصبحي حديدي، فرج بيرقدار، وفواز قادري 2016، محمد علاء الدين عبد المولى، وحسين حبش.


مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟
TT

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً وأكثرها حضوراً طوال القرن العشرين وما أعقبه. كان يريد، قبل كل شيء، أن يُثبِّت ما جرى، أن يُحصِّنه من النسيان الراضي ومن الإنكار القادم. لكن كتابه تجاوز وظيفة التوثيق، وطرح السؤال الذي لا يزال يُقلق الأدب والأخلاق معاً، ما الذي تستطيع الشهادة أن تفعله حين تعجز عنه الرواية؟ ومع صدور مذكرات الفرنسية جيزل بيليكو ضحية قضية «مازان» الشهيرة في فبراير (شباط) 2026، تحت العنوان الفرنسي «وبهجة العيش» (et la joie de vivre) وتجاوز مبيعاتها مائة ألف نسخة في أقل من ثلاثة أشهر مع ترجمتها إلى 22 لغة، وجد القراء أنفسهم مجدداً أمام هذا السؤال بكل حدته.

هذه المرأة التي صارت اسماً عالمياً بعد قضية «مازان» التي أدين فيها زوجها السابق مع 51 رجلاً بتهمة الاغتصاب الممنهج الذي امتد على مدى عقد كامل، لم تكتب لتُضيف ملحقاً إلى ملف قضائي مكتمل، بل لتُعيد طرح إشكال أعمق: كيف نكتب عن العنف دون أن نُحوِّله إلى فرجة، وكيف يمكن لشهادة الضحايا أن تصبح فعلاً سياسياً وأدبياً في آنٍ واحد.

وتُفصح مذكرات بيليكو، في صفحاتها الأولى، عن شيء أعمق من مجرد الرغبة في الكلام، إذ تكتب في بداية كتابها بالتعاون مع الإعلامية الكاتبة جوديت بيريغنون مايلي: «هذه الحكاية لم تعد ملكي وحدي. لقد أيقظت ألماً صامتاً عميقاً ضارباً في أعماق الزمن، وأثارت الذهول. كيف أفهم ما جرى لي؟ وما الذي أطلقته محنتي من بعدي؟ كان عليّ أن أمشي على حافة الهاوية، هاويتي أنا. كالمشاة على الحبل المشدود، لا بد لي من المضي قدماً. أريد بهذا الكتاب أن أضع كلمات على ما اجتزته. أن أقول إنني لم أعد أخشى الوحدة، وإنني استعدت بهجة العيش. أن أقول إنني ما زلت حية». ليس في هذه الكلمات مساحة للبكاء على الذات، ولا مطالبة بالشفقة. ثمة شيء آخر: إرادة استعادة حياة سُرقت، وإعلان رمزي في وجه من حاولوا طمس هذا الوجود. وهذه الإرادة تتجلى في الجملة التي صارت شعار الكتاب كله، التي رفعتها بيليكو في وجه أي قراءة تُختزلها في دور الضحية كاتبة: «لن يسرقوا حياتي مرة ثانية. أريد أن أنظر في عين الشمس دون أن أُطأطئ رأسي».

الكتاب لا يُخفي سرَّ قوته في الأحداث وحدها، بل في طريقة بنائها فجيزيل بيليكو لا تكتب مذكراتها بالترتيب الزمني، بل تُقيمها كما يُقيم المعمار جداره: طبقات من الصمت والتطبيع قبل أن يُسمَّى العنف، مما يجعل القارئ يسكن ببطء في ذلك الفضاء الخانق الذي عاشت فيه سنوات بدل أن يتلقاه جاهزاً من الخارج. إن ما يُميِّز أدب الشهادة عن السيرة الذاتية أو الرواية هو ما أسماه الناقد الفرنسي فيليب لوجون «الميثاق الرجعي» مع الواقع، أي ذلك العقد الضمني بين الكاتب والقارئ، الذي يقول ما معناه: ما تقرأه حدث، وأنا من عاشه... وأنت مسؤول الآن عما تعرف.

ولعل تاريخ الأدب حافل بشهادات غيَّرت مسارات الوعي الجمعي، فعلى الجانب الآخر من الأطلسي، أعادت مايا أنجيلو في «أعرف لماذا يُغنِّي الطائر في القفص» تعريف الهوية الأميركية من داخل الجرح، وفتحت أمام أجيال من الكاتبات أبواباً ظلَّت موصدة طويلاً. فقصيدتها السردية الصادرة عام 1969 لا تروي تجربة امرأة بمعزل عن سياقها، بل تنسج معاً جُرحَ التمييز العرقي والجنسي في أميركا إبان الخمسينات، لتُثبت أن الاعتداء الجنسي الذي تعرَّضت له في طفولتها لم يُبطِل صوتها بل أجَّله فقط.

وقد اكتسب الكتاب، بُعده الاستثنائي من حقيقة مؤلمة: أن أنجيلو فقدت النطق سنواتٍ كاملة في أعقاب الاعتداء ثم استردَّت لغتها عبر الأدب والكتابة فصارت مسيرتها استعارةً حيَّةً عن قدرة الكتابة الشهادية على ردِّ الصوت إلى من سُرق منهم. وفي الفضاء العربي، شكَّلت مذكرات نوال السعداوي نموذجاً فريداً لكاتبة تجرَّأت على رواية ما يُسكِت عنه الآخرون: جسد المرأة في مجتمع ذكوري.

أما في الفضاء الفرنسي تحديداً فقد أشعلت كاميل كوشنر بكتابها «لا فاميليا غراندي» (العائلة الكبيرة) عام 2021 حركة «ميتو لاغتصاب المحارم»، وفتحت نقاشاً تشريعياً حول إدراج الاعتداء الجنسي على الأطفال ضمن الجرائم غير القابلة للتقادم، وما يجعل هذا الكتاب استثنائياً أن صاحبته لا تروي عنفاً وقع عليها مباشرة، بل عنف شهدته وصمتت عنه سنوات طويلة، حتى تحوَّل الصمت نفسه إلى شكل من أشكال الاشتراك. لهذا فإن الكتاب يبدأ بإهداء قوي لأمها: «تذكَّري يا أمي: كنا أطفالك...» وجهتها إلى أمها التي رحلت وهي رافضة الاعتراف بجرائم زوجها، ولا تكتفي كوشنر بتوجيه خطابها إلى أمها وحدها، بل تُوجِّهه إلى كل دوائر السكوت المحيطة بها، تلك التي سمَّتها «العائلة الكبيرة» القائمة على التعقل الزائف والحرية المدَّعاة. وفي أكثر فقرات الكتاب توتراً وشفافية تكتب: «أين كنتم؟ وماذا كنتم تفعلون حين كنا نغرق أمام أعينكم؟ أنتم الذين أحببتهم كثيراً... ماذا فعلتم منذ أن علمتم؟».

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟

والسؤال الذي يطرحه هذا الجنس الأدبي على الكُتَّاب ليس فقط: ماذا أروي؟ بل: كيف أروي؟ وهنا تكمن المفارقة الجمالية الكبرى. فأدب الشهادة، حين يكون في أوجه، لا يتزيَّن أمام المأساة، بل يختار لغة مستقيمة، جافَّةً أحياناً، تنحاز إلى التحديد على حساب الإيحاء. وهذا ليس فقراً أسلوبياً، بل هو خيار أخلاقي صريح: أن تُوقف اللغة عن أداء نفسها لتُؤدِّي التجربة. وهو ما فعلته آني إيرنو في «السنوات» حين انتقلت من مذكرات الأنا إلى مذكرات جيل كامل رافضةً تحويل الألم الشخصي إلى زينة أدبية. وجيزيل بيليكو، في هذا السياق، تنتمي إلى الخط ذاته حين ترفض أن تطلب من قارئها الشفقة، مُؤثِرةً أن تُفرض عليه المسؤولية.

بيد أن ثمة توتراً مزمناً لا يمكن إغفاله، فحين تتحول الشاهدة (ضحية العنف) إلى رمز، حين يُحمِّلها الجمهور من الدلالات أكثر مما تحتمل يصبح الكتاب أسير التوقع الاجتماعي، فالمجتمع يريد امرأة قوية، كاملة الشجاعة وناجيةً لا تهتز، لكن هذا التوقع ذاته قد يصبح شكلاً جديداً من الضغط إذ يُحوِّل الضحية إلى نموذج مثالي ويُثقل كاهلها بآلام أوسع من حدودها الفردية. كما أن هذا الجنس الأدبي يفرض على وسائل الإعلام إعادة النظر في طريقة تناولها لقضايا العنف.

فحين يصبح الحدث مادةً استهلاكيةً تضيع التفاصيل الأهم: البنية الاجتماعية للعنف، وأثره الطويل على الجسد والذاكرة، والأسئلة القانونية والأخلاقية التي يثيرها. لكن مذكرات الضحايا بما تحمله من هدوء ومنظور ذاتي، تُعيد توجيه الانتباه من فضول المتلقي إلى مسؤولية المجتمع. وهذا ما فعلته شهادات إيفا توماس عن الاعتداء داخل الأسرة والتي صدرت تحت عنوان «كسر الصمت»، إضافة إلى مذكرات إيزابيل أوبري في «المرة الأولى كان عمري ست سنوات» التي نشرت في بداية حقبة الثمانينات ودفعت المشرِّعين الفرنسيين إلى التفكير في جرائم لم يكن القانون يرى وجودها أصلاً.

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة. فهو لا يُقدِّم عزاءً سهلاً ولا خاتمةً مطمئنة، بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟ وهل الكلام، فعلاً، يُشفي كل شيء؟ منذ برونو ليفي حتى جيزيل بيليكو، يبقى الجواب مُوجِعاً ومُلزِماً في آنٍ واحد، فالشهادة لا تُغلق الجراح، لكنها تحول دون أن تُغلقها الذاكرةُ الانتهازية التي تميل دوماً إلى التسامح مع ما كان يجب ألا يكون.


فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة
TT

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية». في هذا الكتاب تختلط فتنة القراءة بفتنة الكتابة التي حرَّضت المؤلف على محاورة أعمال إبداعية وفكرية ونقدية وفلسفية أحبَّها، وأراد أن ينقل هذه المحبة إلى القارئ.

يضم الكتاب أكثر من أربعين فصلاً، تتفاوت طولاً وقصراً حسب ما تذهب إلى روح المحاورة، بين المؤلف والكتب موضع الحفاوة. وعلى غير العادة يبدأ الكتاب بمقدمتين، وإن شئنا الدقة بمقدمة في مديح الكتابة الجميلة، وتمهيد عن مهابة الكتابة، وأنها لو صدقت لكبحت هوس البعض بحمل لقب «روائي»، عبر ثرثرات تجد متحمسين لنشرها.

يعنى سعد القرش بالإشارة إلى ما تمتاز به الكتاب المختارة من نباهة تميز مؤلفيها. وعلى سبيل المثال يذهب فصل «حداثة ابن حزم» ـ وقد مرَّ ألف عام على كتابه الأشهر «طوق الحمامة» ـ إلى بصيرة ابن حزم وعبقريته، «وقدرة النص على التجدد، وعبور الأزمنة والجغرافيا والثقافات». لكنه لا يستعرض كتاباً حظي بدراسات غزيرة عبر أكثر من مائة عام، وإنما يتوقف أمام «الحداثة» المبكرة لهذا الإمام الأندلسي، وكان له فضل السبق إلى استعمال بعض الكلمات للمرة الأولى. كما ينبه إلى خلط المؤلفين والوعاظ، إلى اليوم، بين إبليس والشيطان. «الأول نسخة سماوية سبقت خلق آدم، والثاني نسخة صحبت آدم منذ الوسوسة الأرضية الأولى، إلى يوم يبعثون. وقلما يفرقون بين الاثنين... أما ابن حزم فقد وعى هذا الفرق، بقوله في (الطوق): إبليس كان في الجنة مع الملائكة المقربين، فلمعصية واحدة وقعت منه استحق لعنة الأبد، وعذاب الخلد، وصيّر شيطاناً رجيماً، وأُبعد عن رفيع المكان».

يضيف سعد القرش: «سوف يمرُّ نحو ألف سنة، حتى يتوقف الباحث الأميركي ويتني س. بودمان أمام آيات قرآنية تفرق بين إبليس والشيطان، على خلاف ما استقر عليهم الفكر الإسلامي باعتبارهما شخصية واحدة. ففي كتاب (شعرية إبليس.. اللاهوت السردي في القرآن)، الذي ترجمه رفعت السيد علي، يرصد بودمان قصة إبليس الواردة في سبع سور قرآنية، وتبدأ بإبلاغ الله للملائكة بخلق بشر من طين. ثم يتوقف أمام ثنائية إبليس والشيطان، فالأول (شخصية شديدة التعقيد... لا يشير القرآن إلى إبليس على أنه ممثل للشر... على الإطلاق)، أما الشيطان فلم يكن (أبداً في القرآن مصدر قصة مثل قصة إبليس. لا يوجد مصدر يفكّ التباس العلاقة بين إبليس والشيطان). ويجد بودمان مخرجاً بالقول إن إبليس حينما طرد من الجنة، (أصبح بطريقة ما الشيطان). وفي القرآن اختفى أي ذكر لإبليس (في الحياة الدنيا للبشر)، ولكنه استمر في النصوص الإسلامية. أغلب الظن أن بودمان لم يقرأ (طوق الحمامة). كان ابن حزم سيجعله يتردد في استسهال إطلاق هذا التعميم».

ويلقي كتاب «فتنة القراءة» أضواء على أعمال منها: «تاريخ عِلم الأدب» للفلسطيني روحي الخالدي، «فكّاكون يهود وأسرى مسلمون في أوروبا في العصور الوسطى» للمستعرب الهولندي الراحل شورد فان كونينجسفيلد، و«الهولوكوست الليبي المنسي»، «مختارات من الشعر الإيراني» لمريم حيدري، «في مديح الشيخوخة» للخطيب الروماني شيشرون، سيرة جرَّاح القلب مجدي يعقوب. ومن الأعمال الإبداعية رواية «الشطرنج» لشتيفان تسفايج، «عاصفة الأوراق» الرواية الأولى لغارسيا ماركيز، «ثلاثية» النرويجي الفائز بجائزة نوبل يون فوسه. إضافة إلى قصص وروايات لمؤلفين منهم: الفلسطينية عدنية شبلي، الجزائريتان راضية تومي وإنعام بيوض، السوري الفارس الذهبي، العراقية إنعام كجه جي، الفرنسية آني إرنو، القطرية هدى النعيمي. ومن المصريين ألبير قصيري، أحمد الخميسي، اعتدال عثمان، سمير عبد الباقي، ميرال الطحاوي، محمد أبو قمر، بسمة عبد العزيز، أحمد المرسي.

في «فتنة القراءة» أيضاً فصول عن كتب نقدية وتاريخية وفلسفية لكل من: أحمد عبد الحليم عطية، خالد المطاوع، محمد الشحات، عفاف السيد زيدان، صلاح فضل، أحمد موسى بدوي، محسن عبد العزيز، ممدوح فرّاج النابي، فيروز كراوية، صلاح سالم، حنان عقيل، صدوق نور الدين، محمد عبلة، صفاء الليثي، نورا ناجي، عمرو دوارة، وزاهي حواس. ويقع الكتاب في 340 صفحة.

وكان المؤلف قد حاز «جائزة التميز» من اتحاد كتاب مصر عام 2025. وله سبع روايات: «حديث الجنود» (1996)، «باب السفينة»، «المايسترو»، «2067»، و«ثلاثية أوزير» (أول النهار، ليل أوزير، وشم وحيد). ونالت «أول النهار» المركز الأول لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي (الدورة الأولى 2011)، كما فازت «ليل أوزير» بجائزة اتحاد الكتاب (2009). وبلغت «2067» القائمة القصيرة لجائزة غسان كنفاني للرواية (2024).

ومن كتبه الأخرى: «مصر التي...»، «الثورة الآن»، «في مديح الكتابة»، «فتنة الأطياف»، «شاعر الدنيا الحديثة... نجيب محفوظ من الموهبة إلى العبقرية»، «سبع سماوات» الفائز بجائزة ابن بطوطة (2009).