الأسهم المنتقاة أم أذون الخزانة... معضلة المستثمرين الدائمة

الاستثمار الفردي يشبه ورقة اليانصيب... والمحفظة المتنوعة نصيحة الخبراء

متعاملون في بورصة نيويورك يتابعون حركة الأسهم (رويترز)
متعاملون في بورصة نيويورك يتابعون حركة الأسهم (رويترز)
TT

الأسهم المنتقاة أم أذون الخزانة... معضلة المستثمرين الدائمة

متعاملون في بورصة نيويورك يتابعون حركة الأسهم (رويترز)
متعاملون في بورصة نيويورك يتابعون حركة الأسهم (رويترز)

قد تمثل «الأسهم المفردة» خطراً على سلامتك المالية، ربما لا ترغب في سماع هذا الأمر الآن في ظل ما تشهده سوق الأسهم من مستويات ارتفاع جديدة منتظمة، حيث سجل مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» للأسهم رقماً قياسياً جديداً، الأسبوع الماضي، بعد تحقيقه ارتفاعاً جديداً مع افتتاح الأسبوع. وقد سجل رقماً قياسياً في يومين من أيام الأسبوع الماضي أيضاً. بحساب العائد على الأسهم، سجل عائد أكبر من 6 في المائة خلال العام الحالي، وأكثر من 15 في المائة خلال الاثني عشر شهراً الأخيرة.
إلى جانب ذلك، تحقق الرهانات الضخمة على الأسهم الصاعدة أرباحا هائلة، فحتى هذه اللحظة في 2017، على سبيل المثال، حققت كل من الشركتين المدرجتين على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، وهما شركة «فيرتيكس فارماكوتيكالز» للتكنولوجيا الحيوية، وشركة «أكتيفيجن بليزارد» لتطوير ألعاب الفيديو، عائداً يزيد على 50 في المائة منحته لحاملي الأسهم المحظوظين بكلتا الشركتين.
ما من شك في أنك إذا اخترت السهم المنطلق في الوقت المناسب يمكن أن تصبح ثرياً، وقد أبلى بعض منتقي الأسهم بلاءً جيداً على مدى فترة طويلة، لكن قبل أن تنطلق نحو اختيار السهم، ربما ينبغي عليك التفكير في الاحتمالات... ليس الأمر أن الأسهم على غرار الأمثلة المذكورة ستنتهي، بل المشكلة هي أنه في الوقت الذي تشهد فيه سوق الأسهم بالكامل انتعاشاً على المدى الطويل، فقد لا تشهد الأسهم المفردة مثل هذا الانتعاش.
وتوضح دراسة جديدة أجراها هندريك بسمبايندر، أستاذ المالية في جامعة ولاية أريزونا، بشكل مقنع أنه في الوقت الذي يعد فيه الاستثمار في سوق الأسهم ككل أمراً منطقياً وعقلانياً، يواجه منتقدو الأسهم المفردة عقبات هائلة... فيما تقل المخاطرة مع الاستثمار لدى صناديق تحوط منخفضة التكلفة متنوعة.
في ورقة بحثية تحمل عنوان «هل تتفوق الأسهم على أذون الخزانة؟»، وجد الأستاذ بسمبايندر أن الأسهم المفردة تشبه تذاكر اليانصيب، حيث تحقق نسبة ضئيلة من الأسهم الفائزة نجاحاً مذهلاً، لكن حين تُمنى بأرباح وخسائر طوال فترة نشاطها، تكون النتيجة هي عدم تحقيق أكثر الأسهم أي أرباح إطلاقاً.
كذلك اكتشف أن 58 في المائة من الأسهم المفردة قد فشلت منذ عام 1926 في التفوق على أذون الخزانة، التي تبلغ مدتها شهر، طوال فترة نشاطها. وتعد هذه نسبة منخفضة بالنظر إلى العائدات الضعيفة على أذون الخزانة، التي تبلغ مدتها شهراً، التي تحقق حالياً عائداً أقل من واحد في المائة.
ورأى الأستاذ بسمبايندر أن صافي عائدات السوق منذ 1926 حتى 2015 قد بلغ نحو 4 في المائة من الأسهم في السوق بالكامل بقيادة شركة «إيكسون موبيل»، تليها «آبل»، و«جنرال إلكتريك»، و«مايكروسوفت»، و«آي بي إم». على العكس من ذلك، بلغ العائد الأكثر شيوعاً للأسهم المفردة طوال تلك الفترة نحو سالب مائة في المائة، أي خسارة كاملة تقريباً.
ربما تبدو هذه الصورة القاتمة للأسهم المفردة معارضة للحدس وغير متوقعة، لكن في النهاية كثيراً ما يقال إن أداء الأسهم يتفوق على أداء السندات على المدى الطويل. لهذا السبب عادة ما يتلقى مستثمرو المدى الطويل نصيحة بالتمسك بالأسهم في محافظهم الاستثمارية.
مع ذلك تتمثل المشكلة في أن الاحتمالات الوردية طويلة المدى بالنسبة للأسهم، مقابل السندات، تستند بشكل تام على الصورة الكبيرة.. وحين تلقي نظرة عن كثب ربما تكون التفاصيل مربكة.
فحص الأستاذ بسمبايندر باستخدام قاعدة بيانات جامعة شيكاغو التي تعرف باسم «مركز أبحاث أسعار الأوراق المالية»، تقريباً كل سهم مدرج في السوق الأميركية منذ يوليو (تموز) 1926، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2015. وقارن بين عائدات تلك الأسهم وبين عائدات أذون الخزانة، التي تبلغ مدتها شهراً، خلال مدة قصيرة تصل إلى شهر، وكذلك طوال المدة الكاملة.
ووجد الأستاذ بسمبايندر أن أداء السهم لم يتفوق على أداء أذون الخزانة كوحدة مفردة. مع ذلك عند النظر إلى الأمر بشكل شامل، وجد أن سوق الأسهم ككل تتفوق على السندات، وأذون الخزانة، بفارق كبير.
توضح البيانات، التي نشرها أسواث داموداران، أستاذ المالية في جامعة نيويورك، على سبيل المثال أنه منذ عام 1928 حققت الأسهم عائداً قدره 9.5 في المائة تقريباً سنوياً، في مقابل عائد قدره 4.9 في المائة حققته أذون خزانة مدتها عشر سنوات، وعائد قدره 3.5 في المائة حققته أذون خزانة مدتها ثلاث سنوات. فازت الأسهم في هذا السباق وتخطتهما بمقدار ميل.
وقال داموداران في مقابلة: «توضح دراسات كثيرة أن أداء الأسهم يتفوق على أداء السندات بشكل عام، وليس لدي شك في صحة تلك البيانات إطلاقا».
كيف يكون هذان الأمران، وهما تراجع أداء السهم في العادة، وتفوق أداء سوق الأسهم ككل، صحيحين في الوقت ذاته. السبب في ذلك هو أن حفنة من الأسهم تميل إلى التفوق على الأسهم كبيرة العدد. وهناك تفسير فني لهذا الأمر أيضاً، وبلغة الإحصاء، تنحرف سوق الأسهم إيجاباً بوجه عام، بمعنى أن عدداً صغيراً نسبياً من النماذج الاستثنائية مثل شركتي «إيكسون»، و«آبل»، قد حقق عائدات هائلة أدت إلى ارتفاع السهم المتوسط، ذي النشاط العادي. يمكن القول بعبارة أخرى إن العائد المتوسط أكبر من الوسيط، أو العائد المعتاد.
ما الذي يعنيه كل هذا للمستثمرين؟ لا يعني هذا ضمناً أن انتقاء الأسهم لا يمكن أن يحقق نجاحاً، أو أنه سيضرّ الذين يقومون بالأمر بكامل وعيهم وإرادتهم. يقول الأستاذ بسمبايندر: «يمكن أن يحصل بعض الذين يختارون الأسهم الصحيحة على عائدات تشبه جائزة اليانصيب، لكنهم قد يرغبون في المخاطرة والقيام بهذا الأمر». مع ذلك يشير هذا ضمناً إلى أن أكثر الذين ينتقون أسهم بعينها لن يحافظوا على النجاح لفترة طويلة.
وقال الأستاذ بسمبايندر في معرض رده على أحد الأسئلة إنه شخصياً يفضل الاستثمار في صناديق التحوط منخفضة التكلفة المدرجة على المؤشر، التي يمكن من خلالها الاحتفاظ بمحفظة استثمارية متنوعة تشمل أسهماً وسندات.
وتمثل هذه استراتيجية قدراً أقل من المخاطرة، رغم أن الاستثمار في الأسهم دائماً ما يتضمن مخاطر، خصوصاً في أوقات مثل تلك التي نمر بها الآن حيث تشهد الأسهم صعوداً لفترة طويلة. ولا يعد هذا نهجاً ثورياً بأي وجه من الأوجه، حيث لن يحقق العائدات المرتفعة التي تكون ممكنة إذا نجحت في اختيار السهم الذي سيتفوق بأدائه على كل الأسهم الأخرى على مدى العقود المقبلة. ويوضح الأستاذ بسمبايندر قائلا: «هناك احتمال كبير بأن يكون ذلك السهم هو سهم لم نسمع به من قبل».
لذا، إن كنت واثقاً من قدرتك على معرفة واختيار ذلك السهم، فهذا سيكون أمراً جيداً بالنسبة إليك، لكنني أتمسك بصناديق التحوط المتنوعة التقليدية، لأني أعلم أنني لا أستطيع القيام بذلك.

* خدمة «نيويورك تايمز»



لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.