هاكان فيدال.. كاتم أسرار أردوغان

رئيس الاستخبارات التركية.. «الشاويش» المتدين متهم بدعم المنظمات الراديكالية في سوريا

هاكان فيدال.. كاتم أسرار أردوغان
TT

هاكان فيدال.. كاتم أسرار أردوغان

هاكان فيدال.. كاتم أسرار أردوغان

خلال الأسبوعين الماضيين، حفلت الصحافة الغربية بسلسلة مقالات ذات طابع سلبي عن الدور التركي في المنطقة، كان قاسمها المشترك واحدا، وهو رئيس الاستخبارات التركية هاكان فيدان، الذي اتُّهم بدعم المنظمات الراديكالية في سوريا وتنمية نفوذها، وصولا إلى تسليم جواسيس إسرائيليين لإيران.. لكن تركيا تصرفت على أساس أن هذه الانتقادات تتخطى فيدان ودوره لتطال رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان.
المعروف عن فيدان أنه قريب جدا من أردوغان إلى درجة أن البعض حار في توصيفه على أنه الرجل الثاني بعد أردوغان، أو الثالث في تركيا بعد أردوغان والرئيس عبد الله غل.
الوصف الذي اختاره له أردوغان كان.. «إنه حافظ أسراري. إنه حافظ أسرار الدولة»، بينما يقول الكاتب التركي المعروف جنكيز قاندار إنه بمثابة «كعب أخيل» لأردوغان، في إشارة إلى أن استهدافه غربيا هو استهداف لدور أردوغان.
يشير قاندار إلى الأهمية التي تعاملت فيها تركيا مع هذه الأخبار التي وردت في مقالات متعددة في صحيفة «وول ستريت جورنال» في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث تحدثت الصحيفة عن الدور المهم لفيدان في دعم المنظمات الراديكالية في سوريا، ثم في صحيفة «واشنطن بوست» في 16 أكتوبر التي تحدث تقريرها عن تسليم فيدان 10 جواسيس إسرائيليين لإيران، تلاه في 18 من الشهر ذاته تقرير لـ«نيويورك تايمز» يتحدث عن تراجع التعاون التركي - الإسرائيلي بسبب مخاوف من تسريب فيدان المعلومات إلى الاستخبارات الإيرانية وإلى المجاهدين في سوريا.
وعلى الرغم من أن تركيا كانت عند نشر التقارير في عطلة عيد الأضحى، فإن الردود انهمرت من كل حدب وصوب، فتحدث نائب رئيس الوزراء بشير بوزداغ دفاعا عن فيدان، مؤكدا أن ولاء ووطنية رئيس الاستخبارات التركية «هاكان فيدان» ليست موضوعا للنقاش. وقال بوزداغ: «على الجميع أن يعي هذه الحقيقة، وأن حكومة حزب العدالة والتنمية هي من وضعت فيدان على رأس عمله، ولن تعزله ولن تسمح لأحد بعزله».
أما وزير الخارجية أحمد داود أوغلو فقال إن «هذه المعلومة الخاطئة تظهر مدى امتياز العمل الذي يؤديه فيدان»، منددا بهذا «الافتراء» الهادف إلى تلطيخ «السمعة المحترمة»، التي تحظى بها تركيا.
وبينما تبارت الصحف الحكومية، أو تلك القريبة منها، في الرد على الاتهامات، مذكرة - كصحيفة «صباح» - بالأصول الأرمينية للكاتب الأميركي ديفيد إغناتيوس، وصف مسؤولون في أنقرة تقرير الصحيفة بأنه جزء من محاولة لتشويه سمعة تركيا من جانب قوى خارجية لا تشعر بالارتياح لتنامي نفوذ تركيا في الشرق الأوسط.
ويرى البار بيردال رئيس تحرير جريدة «صول» المعارضة، أن الحملة التي تشن الآن من أميركا وإسرائيل على فيدان هي «نتاج لبداية توسيع الهوة في وجهة النظر بين أميركا وتركيا حيال ما يجري في الشرق الأوسط».
ويقول بيردال لـ«الشرق الأوسط»: «لو نظرنا إلى الفترة التي بدأت بها الحملة لرأينا أنها أتت مباشرة بعد الادعاءات باستخدام سوريا السلاح الكيماوي، ومن ثم الاتفاق بين روسيا وأميركا على حل الأزمة السورية بالطرق السلمية، مما أدى إلى وقوع فراغ كبير وخيبة أمل من قبل حزب العدالة والتنمية، الذي كان يعد العدة للحرب على سوريا وابتلاعها، ولهذا بدأ أردوغان الانتقاد اللاذع للولايات المتحدة، وبدأ الخلاف يظهر على الساحة». ويستنتج أن «الولايات المتحدة التي بدأت تشعر بالقلق من تصرفات وتصريحات أردوغان اختارت هاكان فيدان، ليكون عنوانا لتوجيه انتقاداتها وهجومها لأردوغان».
وإذ يعترف بيردال بوجود «خلاف بين الحكومة والجماعات الدينية (في تركيا) حول اقتسام المناصب»، فهو يشير إلى أن «جماعة فتح الله غولان تعمل بأوامر من واشنطن، ولهذا لا أستغرب أن تكون الجماعة شنت الحملة على فيدان، ولكن لا أعتقد أن هناك تعاونا أو تنسيقا بين الجماعة ومخابرات دول أخرى»، مشددا على أن الولايات المتحدة «تريد أن توصل رسالة إلى أردوغان وطاقمه مباشرة، وسنرى تأثيراتها في الانتخابات المقبلة».
أما الكاتب إمري أوصلو من جريدة «طرف»، فيرى أن فيدان يعتبر الرجل الثاني في تركيا بعد أردوغان، في إدارة العمليات العسكرية والاستراتيجية، ومن الطبيعي أن يهتم الإعلام والشارع بهذا الرجل الغامض الذي يدير أهم العمليات في تركيا، ولا يظهر للإعلام مباشرة، مثل رئيس الوزراء أو الوزراء الذي نشاهدهم كل يوم، كما أن هذا الشخص هو المسؤول عن أهم العمليات التي تقوم بها تركيا في منطقة الشرق الأوسط، كما أنه هو الشخص الأكثر تأثيرا على أردوغان، وهو الذي يوجه في أغلب الأمور، خاصة فيما يتعلق بالشرق الأوسط، سواء كانت هذه المعلومات أو هذا التوجيه على صواب أم على خطأ».
وإذ يستبعد أوصلو وجود حملة غربية ضد فيدان، يقر بوجود حملة إسرائيلية يضعها في إطار «الصراع بين الاستخبارات التركية والموساد»، ملاحظا أن «بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية تعدت حدود المتعارف عليه إعلاميا، وهددت بتفجير سيارته».
تزامن بروز فيدان على الساحة التركية مع سياسة «العودة إلى الجذور» التي اتبعها رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان وعرابها وزير الخارجية أحمد داود أوغلو، صاحب نظرية «العمق الاستراتيجي» وسياسة «صفر مشكلات» مع دول الجوار، التي تُرجمت بعودة تركيا إلى العالم العربي، بعد انقطاع طويل فرضته سياسة التتريك، التي أطلقها مؤسس الجمهورية مصطفى كمال وسياسة الاتجاه غربا التي عمل عليها.
لم يكن فيدان بعيدا عن داود أوغلو؛ فهو من المقربين منه، وكذلك من أردوغان الذي احتضن «ضابط الصف» المتدين الذي لم يكن لأحد أن يتوقع له هذا البروز، باعتبار أن «الشاويش» لا مستقبل عسكريا له.
ولد هاكان فيدان في العاصمة أنقرة عام 1968. درس وتخرج في مدرسة قوات المشاة المحاربة عام 1986، ومن ثم درس في مدرسة اللغات التابعة للقوات المشاة. كذلك فإن لديه خبرة عملية في ميدان الاستخبارات، وعمل بين عامي 1986 و2001، في «وحدة التدخل السريع» التابعة للحلف الأطلسي، وعمل في صفوف فرع جمع المعلومات السريعة في ألمانيا. وفي تلك الفترة نال إجازة في العلوم السياسية من جامعة ميريلاند الأميركية، قبل أن ينجز الماجستير والدكتوراه في جامعة بيلكنت في أنقرة، مسقط رأسه. ويلقي أوصلوا بمجموعة من علامات الاستفهام حول دور فيدان، الذي كان «شاويشا»، وهو منصب لا مستقبل له في الجيش التركي، لأنه لن يترفع كثيرا من خلاله مهما طالت مدة خدمته، مشيرا في هذا الإطار أيضا إلى أن فيدان ذهب للخدمة في قواعد «الناتو» لمدة أربع سنوات، وكان يُعرف عن هاكان فيدان أنه متدين، ولكن في تلك الفترة كان المتدينين يطردون من الجيش التركي، فكيف يكافئ متدينا ويرسل للعمل في أهم مؤسسات «الناتو»؟ وهنا تكثر الشبهات حول فيدان، لأن الفترة التي أرسل بها هاكان إلى ألمانيا كانت تركيا تعيش فترة انقلاب 28 فبراير (شباط)، ولهذا بالنسبة لي يبقى إرساله على أساس أنه متدين إلى ألمانيا محلا للسؤال والشك!
ويضيف: «ولكن الذي يثير اهتمامي أن هاكان فيدان بعد الاستقالة مباشرة بدأ العمل في السفارة النمساوية في أنقرة كمستشار سياسي. واللافت للنظر هو أن هناك شخصين مهمين الآن في تركيا أيضا كانا قد عملا مستشارين للسفارة النمساوية في أنقرة، أحدهما وزير المالية محمد شمشيك، والآخر سعاد كينيكلي أوغلو، وهو عضو في اللجنة المركزية للعدالة والتنمية وعضو برلمان عن الحزب وأيضا من أصول عسكرية».
وتابع: «السؤال الذي يطرح نفسه هل الجهات التي فتحت لمحمد شمشيك وسعاد كينيكلي أبواب السفارة النمساوية هي التي فتحت أبواب السفارة لهكان فيدان؟».
وبعد أن أنهى فيدان فترة خدمة استمرت 15 عاما في صفوف القوات المسلحة استقال عام 2001 وهو برتبة ضابط صف، والتحق مباشرة بوزارة الخارجية مستشارا سياسيا واقتصاديا، ومن ثم عُيّن رئيسا لإدارة مؤسسة التعاون والتنمية التابعة لرئاسة الوزراء، وفي الوقت نفسه مساعدا لمستشار لرئاسة الوزراء، ومن ثم عين مستشارا للمسؤول عن السياسة الخارجية والأمن الدولي، ومن ثم عمل موفدا خاصا لرئاسة الوزراء.
وفي تلك الفترة، كان يرافق مستشار رئاسة الوزراء للسياسة الخارجية أحمد داود أوغلو في رحلاته الإقليمية، كما كان يعمل عن قرب ويرافق نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية آنذاك عبد الله غل في رحلاته الخارجية، كما كان يشارك في كثير من الوفود التي ترافق أردوغان في زياراته لخارج تركيا، أو عند استقباله للضيوف الأجانب من رؤساء ومسؤولين.
وبعد أن اعتلى غل منصب رئاسة الجمهورية، كان فيدان من بين المرشحين لرئاسة السكرتارية في القصر، لكنه عين في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2008 لعضوية وكالة الطاقة الدولية. كما كان عضوا في منتدى التعاون والتنمية بين الشعوب التابع للأمم المتحدة، وعضو في هيئة إدارة جامعة أحمد يوسفس التركية في كازاخستان، وعضو في هيئة إدارة جمعية يونس أمري. عمل كثيرا من الأبحاث والدراسات في الأمن الدولي وفي التنمية الدولية والسياسة الخارجية التركية، كما قام بتدريس مادة العلاقات الدولية في جامعة حجة تبا وبلكنت.
ولم تكن الاستخبارات بعيدة عن طموحات فيدان، الذي كانت أطروحته لنيل الدكتوراه تحمل عنوان: «دراسة مقارَنة بين أنماط عمل أجهزة الاستخبارات الأميركية والبريطانية والتركية»، ومن ثم عين مساعد لمستشار المخابرات التركية.
وقبل تعيينه في 27/ 5/ 2010 مستشارا للمخابرات التركية، حصلت حادثة أظهرت النفوذ الذي يتمتع به فيدان. فقد استدعى قاضي التحقيق في قضية التنظيم السري لحزب العمال الكردستاني المحظور (بي كي كي) فيدان للتحقيق معه كمشتبه به مع أربعة من قيادات جهاز المخابرات، بعد الاشتباه في تقديمه الدعم للحزب الكردستاني المحظور، أو غض بصره عن معلومات مسبقة عن عمليات مسلحة وهجمات نفذها الحزب ضد رجال الأمن في تركيا، لكن حكومة أردوغان عمدت فورا إلى إرسال قانون يعطي الحصانة لرجال المخابرات من الإدلاء بأقوالهم أمام المحاكم الجنائية. وواجه القانون، الذي جرى إقراره خلال 48 ساعة فقط، انتقادا شديدا من المعارضة.
وفيدان هو المستشار الثاني الذي يعتلي ذلك المنصب من خارج المؤسسة الاستخباراتية، حيث كان تبتان جوسال هو المستشار الأول الذي عُيّن من خارج المؤسسة عام 1992. المعترض الأول على تعيينه كان «الموساد» الإسرائيلي؛ فحينها نشرت صحيفة «هآرتس» تقريرها عنه، ونقلت فيه مخاوف «الموساد» إزاء تعيينه، وذلك بسبب دوره في تنظيم «أسطول الحرية»، وبسبب قربه اللصيق من رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان وحزبه الحاكم («العدالة والتنمية»)، ولدفاعه عن المصالح النووية الإيرانية.
لكن أردوغان كان يريد (وفق الصحف التركية) من تعيين الرجل المقرب منه المزيد من تحديث «وكالة الاستخبارات الوطنية» ومأسستها، وإبعادها عن سطوة العسكر، بما أنه لا يزال 50 في المائة من موظفيها من سلك الجيش. فعمل فيدان على تقسيم الاستخبارات إلى جهازين، أحدهما للداخل، والآخر للخارج، على غرار مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة المخابرات المركزية، لتعزيز حضور الاستخبارات التركية في المناطق الساخنة، ولتلبية حاجات دور تركيا المتنامي، بدءا من الشرق الأوسط وجيرانها الروس والقوقاز وآسيا وأفريقيا وحتى الأميركيتين وأوروبا وإسرائيل.
بعد دوره البارز في كثير من الملفات، تصاعدت أصوات في تركيا توحي بوجود «دور مستقبلي» لفيدان في السياسة التركية الداخلية، لكن بيردال يستبعد أن يكون الأمر عبارة عن «تلميع» لصورة فيدان لإعداده لمنصب رئيس الوزراء أو وزير الخارجية في المستقبل، كما تردد في بعض الأروقة التركية. ويقول: «المتابع للسياسة التركية يرى أن الأمور لا تسير بهذا الشكل؛ فأردوغان يحكم قبضة على الحزب بكل قوة، وفيدان هو فقط رجل من رجال طيب أردوغان الذين يعتمد عليهم ويثق بهم، والدليل على هذا أن استخرج من أجله قوانين تحميه من ملاحقة القضاء له»، معتبرا أن «ما يجري الآن في كواليس السياسة هو مستقبل أردوغان، وليس مستقبل فيدان».
وإذ يدحض أوصلو «نظريات المؤامرة»، التي تتحدث عن تحضير فيدان لدور سياسي قد يكون رئاسة الوزراء، يشير إلى أن فيدان نفسه قد يعمل من أجل هذا من تلقاء نفسه. ويربط أوصلو مصير فيدان بمصير مرحلة الحل مع الأكراد، مشيرا إلى أنه إذا «نجحت الحكومة في إنجاح مرحلة الحل، فإن جميع الإيجابيات ستُسجل في خانة فيدان، وسيقوم الجميع بتقديره، وإذا عمّ السلام في الجنوب التركي فإن فيدان من الأوفر حظا للترشيح لرئاسة الوزراء لأن نجاحاته ستكون هي الدافع له، ولكن إذا عاد حزب العمال الكردستاني لحمل السلاح، وفشلت مرحلة الحل، إلى جانب الفشل الذريع الذي نالته الحكومة في سوريا وعلاقة الحكومة مع مصر التي لا تبشر بالتفاؤل، وبما أن فيدان لعب دورها في الثلاثة محاور، فإن الفاتورة سيدفعها فيدان، أي هو الآن على كف عفريت».



العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
TT

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً، بل ربما سأثير هلع الكثيرين من أصدقائي الطيبين، لكنني أعتقد أن علينا أن نربط مصيرنا مع العرب في إسرائيل». هذه الكلمات نُشرت يوم 16 يونيو (حزيران) 2019، بقلم شخص يدعى نتان إيشل، المعروف كأقرب المستشارين إلى بنيامين نتنياهو. وجاء نشرها في اليوم نفسه، في صحيفتين على طرفي نقيض، «هآرتس» التي تعد اليسار الراديكالي في نظر اليمين، و«مكور ريشون»، صحيفة اليمين الاستيطاني التي يعدها اليسار منبراً للتيار اليميني الفاشي. كل من يعرف أسرار السياسة الإسرائيلية يفهم أن هذا المقال يعبّر عن وجهة نظر نتنياهو نفسه، وأن الرسالة التي تحملها كانت موجّهة من اليمين الحاكم، إلى الجمهور العام في إسرائيل، من أقصى اليمين، إلى أقصى اليسار، عبر الوسط الليبرالي. ومفادها أن اليمين يملك الشجاعة لتغيير السياسة الرسمية تجاه المواطنين العرب، التي اتّسمت طيلة سنوات الدولة العبرية، بالتمييز العنصري وقمع الحريات.

شكّل المقال أعلاه صدمة، يومها. ففي حينه، كانت إسرائيل تعيش أزمة دستورية تاريخية؛ إذ إنها عبرت 5 معارك انتخابية خلال سنتين ونصف السنة. وبدا أن «العرب ليسوا مشكلة، بل هم الحل»، كما كتب إيشل في المقال نفسه. فما الذي جرى خلال 7 سنوات، حتى يتراجع نتنياهو عن هذا الطريق، ويتخذ موقفاً مناقضاً، يملؤه العداء والكراهية؟

وليس نتنياهو وحده، فإسرائيل تقرّر، اليوم، عبر لجنة الانتخابات المركزية فيها، التي يُفترض أنها نموذج في النزاهة، تعمل على حرمان مواطنيها العرب من حقّهم الأوّلي في الترشح للكنيست (البرلمان)، فتصوّت بأكثريتها الساحقة لشطب جميع قوائم المرشحين العربية؟

قراءة معمقة في التطورات، تبين أن غالبية الأحزاب الإسرائيلية غارقة في مستنقع عنصري موحل. وبما أن العرب في إسرائيل أقلية، تتعامل الأحزاب معهم بتعالٍ وفوقية، تماماً كما كان الآريّون في أوروبا يتعاملون مع اليهود، فيشطبونهم ويدوسون حقوقهم، ويعملون كل ما من شأنه أن يقلل من شأنهم.

ونعود إلى السؤال: ما الذي دفع نتنياهو لإنصاف العرب ثم يقرّر التراجع، لدرجة أنه بات يرى في العرب «جبهة ثامنة» في حروب إسرائيل، إلى جانب إيران و«حزب الله» اللبناني و«حزب الله» العراقي و«حماس» في غزة والسلطة الفلسطينية في الضفة والحوثيين في اليمن؟

منصور عباس (أ.ف.ب)

بداية انعطافة

هناك من يرى بداية الانعطاف عام 2016، عندما قرر المستشار القضائي للحكومة، أبيحاي مندلبليت، إعداد لائحة اتهام في 3 قضايا فساد خطيرة. هؤلاء المحلّلون يحسبون أن نتنياهو، عندما قرر التقارب مع المواطنين العرب، يُقدِم على إجراء ديمقراطي طبيعي، ويبغي إنصاف المواطنين العرب بعد عشرات السنين من التمييز العنصري ضدهم، ليثبت أن اليمين تحديداً هو الذي يحقق لهم مساراً للمساواة، خصوصاً أنه صادق على «الخطة 922» التي تخصّص لهم ميزانية تسدّ بعضاً من هوة التمييز بقيمة 5 مليارات دولار. وهي الخطة التي أُعدت بالتعاون مع «القائمة العربية المشتركة» بقيادة النائب أيمن عودة واللجنة القطرية لرؤساء البلديات العربية بقيادة مازن غنايم.

لكن فريق مساعدي نتنياهو كان يتعاطى مع الموضوع بطريقة أخرى، فهو يخطط لتشكيل تحالف من أحزاب اليمين يكون ضمانة لمواجهة جهاز القضاء، الذي يحاكمه بثلاث لوائح اتهام بالفساد. وتلك الأحزاب كانت مشتتة. اليمين المتطرف فيها، يخشى من حكومات نتنياهو التي تضم دائماً حزباً أو أكثر من الوسط، فعرض عليهم صفقة: «حلف دائم معه، في السراء والضراء، ولا يتفسخ في أي ظروف. ويسانده في المحكمة»، لكنه عندما وجد أن قادة اليمين المتطرف يتبجّحون عليه، ويحاولون فرض شروط، لجأ لحيلة التحالف مع إحدى القوائم العربية.

يومها، كانت الأحزاب العربية قد توحّدت جميعاً تحت لواء «القائمة المشتركة». ونتنياهو يعرف أن السبيل لتفسيخها هو ضم أحدها إلى الائتلاف. وبذا يضرب 3 عصافير بحجر: يفتت الوحدة كعادته في التعامل مع كل خصومه، ويضمن أكثرية لتشكيل حكومة، ويكسب احتراماً في الغرب على أنه ينهي سياسة نبذ العرب والتمييز ضدهم.

إلا أن اليمين المتطرف العميق اشترط ألا يعقد تحالفاً مع العرب. وهكذا أجهضت الفرصة، لكن خصوم نتنياهو في اليمين الوسط، بقيادة نفتالي بنيت ويائير لبيد، استغلوا الوضع، وأقاموا ائتلافاً مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس عام 2021، وتمكّنوا من تشكيل حكومة بفضل هذا التحالف.

صمدت هذه الحكومة سنة ونصف السنة، من دون تحقيق تغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية في مدة قصيرة كهذه، لكنها أكسبت الأحزاب العربية شرعية في الساحة السياسية، وحققت للعرب العديد من الإنجازات، في مقدمتها «الخطة 555» التي توفر للعرب ميزانية تقدر بعشرة مليارات دولار.

البداية مع رابين

لم يكن تحالف عباس مع حكومة بنيت – لبيد الأول الذي يضم العرب، فعام 1993، انسحب حزب «شاس» لليهود الشرقيين المتدينين (حريدي) من حكومة إسحاق رابين، لتغدو حكومة أقلية، فلجأ رابين إلى العرب، الذين كانوا ممثلين بحزبين هما «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة النائب توفيق زياد (3 نواب) والحزب الديمقراطي العربي بقيادة النائب عبد الوهاب دراوشة (نائبان)، فشكلوا ما سُمّي «الجسم المانع»، أي الذي يمنع اليمين من إسقاط الحكومة.

وحقاً أظهر رابين نية خالصة في هذا التحالف، ووافق على شرطين: بدء عملية لتحقيق المساواة التامة لمواطني إسرائيل العرب، والاعتراف بـ«منظمة التحرير الفلسطينية». وكان هذا التحالف ناجحاً وناجعاً، في الموضوعين. وجاءت «اتفاقيات أوسلو» ثمرةً له، لكن كما هو معروف، اغتال اليمين الإسرائيلي رابين. وجاء إلى الحكم نتنياهو في حقبته الأولى (1996 - 1999).

هكذا نُسِف المسار. وعاد «استثناء» العرب ومحاولة إبقائهم على هامش الحياة السياسية، ورجعت الأحزاب العربية إلى موقعها الكفاحي من الصفوف الخلفية للمعارضة في الكنيست، والمظاهرات في الشوارع، والضغوط الدولية، عبر مؤسسات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي... وغيرها. وعاد نتنياهو ليستغلها «غولا» يخيف به اليهود.

التحريض قديم

ليس صحيحاً الانطباع بأن نتنياهو يستغل هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لتأجيج الكراهية للعرب في إسرائيل، فالتحريض عليهم كان قائماً قبل ذلك بكثير وهو نفسه أدّى به دوراً حاسماً.

ومن دلائل نجاح تحريضه على العرب ما جاء في نتائج استطلاع رأي أجراه «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية» قبل أسبوع من دعوة نتنياهو ضم العرب إلى الائتلاف في يونيو (حزيران) 2019، أن 81 في المائة من الجمهور اليهودي لا يرغبون في مشاركة الأحزاب العربية فيها، فيما قال 13 في المائة من اليهود إنهم يرغبون بذلك.

لكن هجوم «حماس» المذكور تحوّل إلى معيار للسياسة الإسرائيلية، وعقدة مجتمع كامل، وفي صلبه الكراهية للفلسطينيين، كل الفلسطينيين، بمن في ذلك أطفال غزة وتأييد إعدامهم مع أمهاتهم وبناتهم وشيوخهم. وحتى الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل وضعوا في إطار عدائي.

لماذا؟ هل شاركوا في هجوم «حماس» أو وافقوا عليه؟

جميع السياسيين والعسكريين الإسرائيليين يعرفون أن المواطنين العرب هم النقيض التام لحركة «حماس» وموقفهم كان معارضاً كلياً لهجومها، بل إن العديد من هؤلاء العرب قتلوا أو جرحوا خلال الهجوم.

العرب ضد الهجوم

لقد كان العرب في النقب طليعة متلقّي صواريخ «حماس» في ذلك الهجوم، وقتل منهم 6 أشخاص، كذلك قتل المهاجمون امرأة فلسطينية محجّبة؛ لمحاولتها ثنيهم عن قتل مدنيين، وقالت لهم إن فعلهم لا يلائم القيم الإسلامية، فأطلقوا عليها الرصاص. وأطلقوا على مُسعف عربي من بلدة أكسال قرب الناصرة، يعمل في منظمة نجمة داود الحمراء، وهو يسعف أحد المصابين اليهود. وحتى «الحركة الإسلامية»، التي يقودها النائب منصور عباس، أدانت هجوم 7 أكتوبر بوصفه «مجزرة وعملاً غير إنساني وغير مبرّر لا يعكس قيم الشعب الفلسطيني». ومثله فعل تقريباً كل السياسيين العرب في إسرائيل.

لذا، فالقول إنه «بعد 7 أكتوبر لا يجوز تشكيل حكومة تستند إلى الأحزاب العربية»، نوع من التجنّي يقوم على الكذب ونكران الجميل، ويخفي في الحقيقة قيم العنصرية العمياء. ومن شدة خطورة هذه السياسة على مستقبل إسرائيل، يشتعل صراع بين اليهود أنفسهم حول كيفية التعاطي معه.

الغالبية، بما في ذلك قوى الوسط الليبرالي بقيادة غادي آيزنكوت ونفتالي بنيت ويائير لبيد، يتبنّى هذا الموقف العنصري بلا خجل ولا وجل. وهؤلاء رغم خوضهم تجربة جيدة في التحالف مع منصور عباس، خنعوا أمام حملة نتنياهو، وتنصّلوا من هذا التحالف، وتعهدوا برفض أي حكومة تستند إلى أي حزب عربي. وآيزنكوت تحديداً، حاول تخفيف هذه المعارضة وقال، خلال لقاء مع ناخبين في القدس، يوم الجمعة الماضي: «منذ الصباح، ينشغل طاقمي بالوعد الذي قيل إنه أعطي لهم، وهو أن منصور عباس سيكون في الحكومة. كل من يعرفني يعرف أنني لا أقدّم الوعود». ولكن جوابه ما زال يترك له مخرجاً؛ فحسب قوله، يجب على كل شريك أن يوافق على 3 مبادئ أساسية هي: أن دولة إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية – ليبرالية، وأن يوافق على قيم وثيقة الاستقلال، وأن يوافق على واجب الخدمة العسكرية أو الوطنية». ويوم الثلاثاء الأخير قال، خلال لقاء إذاعي مع «إف إم 103»، إنه قرر إضافة شرط رابع هو أن من يريد أن ينضم إلى حكومته أن يؤيد تصفية «حماس».

في المقابل، هناك تيار ليبرالي ويساري يرفض هذا التوجه العنصري، ويقول إن الشعب اليهودي الذي تعرض للتمييز العنصري بأبشع أشكاله في الماضي، يمارسه اليوم بوضوح وصراحة وبشكل رسمي وعلني. وبحسب يائير جولان، رئيس حزب الديمقراطيين فإن «دمج الأحزاب والمجتمع العربي في أي ائتلاف حكومي قادم ضرورة استراتيجية لإنقاذ إسرائيل، ولإلحاق هزيمة باليمين، الذي يدمر إسرائيل». لكن جولان هذا انضم إلى أحزاب اليمين العنصري في شطب سامي أبو شحادة، رئيس حزب «التجمع».

يائير لبيد (أ.ف.ب)

اليهود الذين تعرّضوا للتمييز العنصري

في الماضي يمارسونه اليوم بشكل رسمي وعلني

معركة عربية حذرة

في هذه الأثناء، تدير الأحزاب العربية معركتها بحذر، كي لا تعطي اليمين سلاحاً ضدها في أي ساحة. واليمين يضع محاربة هذه الأحزاب هدفاً أساسياً في حملته، خصوصاً وهو يرى كيف يقع خصومه في حبائل مؤامرته. وهو يخوض معركة قضائية لشطب جميع الأحزاب العربية، ومنعها من المشاركة في الانتخابات، بحجة أنها تؤيد الإرهاب، ولا تعترف بإسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية.

قادة الأحزاب العربية أدركوا خطورة المعركة الانتخابية على مستقبل مجتمعهم، فسلكوا أسلم الدروب لزيادة وزنهم في الحلبة السياسية. وكانت الخطوة الأولى منع إضاعة أي أصوات عربية، فبنوا تحالفاً يضم الأحزاب العربية الثلاثة: «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة البروفسور يوسف جبارين، و«الحركة العربية للتغيير» بقيادة النائب أحمد الطيبي و«التجمع الوطني» بقيادة سامي أبو شحادة، وارتبطوا مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس باتفاق فائض أصوات.

والخطوة الثانية، توقيع «ميثاق شرف» يضمن معركة انتخابية نزيهة ونظيفة بين القائمتين العربيتين، واتفاق قادتهما على التعاون أيضاً بعد الانتخابات في الكنيست، كي يحظوا معاً بأفضل مواقع قيادية برلمانية.

والثالثة، ضمّ عباس نائباً يهودياً إلى القائمة، هو اللواء السابق في الشرطة، يوآف سيغالوفتس، ومنحه المكان الثاني في لائحته الانتخابية. وسيغالوفتش ذو رصيد غني في مكافحة الإجرام المنظم، الذي يعد اليوم أخطر آفة تواجه العرب في إسرائيل، ووجوده في قائمة عربية يقطع الطريق على من يعدها غير شرعية.

شطب أبو شحادة

والرابعة، توسيع دائرة المعركة مع اليمين، وإدخال جهات دولية من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض القوى في الولايات المتحدة، لمنع الحملة العنصرية ضدهم. وسامي أبو شحادة، الذي شُطب في لجنة الانتخابات بسبب مقال كتبه يوم 8 أكتوبر 2023، غداة هجوم «حماس» على إسرائيل يمجِّد فيه الهجوم ويعده هجوم مقاومة ناجحاً، ومتوقعاً وفقاً لقوانين الفيزياء، «لكل فعل رد فعل»، تراجع عن مضمون مقاله، وقال أمام اللجنة، الأربعاء، إنه كتب المقال في حينه قبل أن يعرف ما تضمنه هجوم «حماس» من ممارسات بشعة. وأضاف أنه يعد كتابة المقال خطأً، ولو كان سيكتبه اليوم لكتبه بطريقة أخرى، وأكد أنه يرفض العنف ضد أي جهة كانت، دولة أو بشراً، وأن تاريخه السياسي حافل في تأييد السلام العادل؛ ولذلك فإن الاقتراح لشطبه غير عادل.

لكن هذا التراجع لم يسعفه، لا بل تقرر شطب حتى القائمة التي يقودها عباس وتبدي استعداداً لدخول الحكومة، وانضمت المحكمة العليا إلى هذا الموقف، وأبلغته أنها ستشطبه إذا استمر في المحكمة، لكنها تنصحه بأن ينسحب ويُبطِل هو ترشحه. وهكذا كان. وانضم سلوكه هذا إلى الإجراءات السابقة، التي عُدَّت جزءاً من الجهود العاقلة لسحب البساط من تحت أقدام اليمين.

البداية بالأحزاب... وبعدها المواطنة

اليوم، يرى العرب أن معركتهم جذرية ومصيرية، فمن يريد شطب أحزابهم، يمهّد عملياً للتخلص منهم كمواطنين، وهم يقرؤون جيداً كيف تؤثر الآراء الوحشية كآراء وزير المالية بتسلئيل سموتريتش على جهات يهودية كثيرة، بدءاً بالميليشيات المسلحة التي تهدد وجودهم، وحتى البروفسور الإرهابي من جامعة بار إيلان، الذي وضع خطة لإقامة تنظيم إرهابي يهودي يقتل مئات منهم لغرض حملهم على الرحيل من الوطن.


إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
TT

إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع

البعض لقبها بـ«أخطر امرأة في ألمانيا»، وآخرون وصفوها بـ«ممداني الألماني» نسبة إلى عمدة نيويورك زهران ممداني، أما الصحافة التركية فأطلقت عليها تسمية «ممداني التركي»... كل هذه تسميات تلاحق إيليف إيرالب، المحامية الألمانية - التركية التي تأمل بأن تصبح عمدة برلين بعد فوز حزبها «دي لينكا»، حزب أقصى اليسار، بالانتخابات المحلية في العاصمة الألمانية. الذين يتكلّمون عن «خطرها» يشيرون إلى تعهّداتها بتأميم شركات السكن الكبرى في العاصمة ضمن خطط لتخفيض أسعار الإيجارات. والذين يشبّهونها بعمدة نيويورك الشاب، يقصدون خلفيتها المهاجرة و«الكاريزما» التي تتمتّع بها وقربها من «البرلينيين» وحضورها القوي على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الصفات لعبت دوراً أساسياً في تحقيق حزبها فوزاً غير مسبوق في برلين؛ إذ حصل على ما يقارب الـ26 في المائة من نسبة الأصوات، متقدماً بـ6 نقاط على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم بزعامة المستشار فريدريش ميرتس، وهو يحكم حتى برلين حالياً.

إذا نجحت إيليف إيرالب البالغة من العمر 45 سنة، بتشكيل حكومة في ولاية - مدينة برلين، فستصبح أول سيدة ومن أصول مهاجرة تحكم العاصمة الألمانية. ويأتي هذا الحدث بينما يتأهب حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف ليبدأ بحكم أول ولاية ألمانية يكسبها هي سكسونيا آنهالت حيث فاز بنسبة 44 في المائة؛ إذ بدأ مرشح الحزب لترؤس الحكومة أولريش زيغموند مشاوراته لتشكيل حكومة الولاية خلال الأسابيع المقبلة.

في الحقيقة، كثيرون ربطوا بين فوز أولريش، أو حزب «البديل من أجل ألمانيا» بشكل عام، وفوز إيرالب وحزبها، واعتبروا ما أنجزته إيرالب رد فعل من الناخبين الرافضين لاتجاه البلاد أكثر نحو أقصى اليمين. وقد يكون جزءاً من ذلك صحيح إضافة إلى عوامل أخرى. ولكن في أي حال، أصبحت إيرالب حديث الصحافة الألمانية اليومي منذ فوزها قبل ثلاثة أسابيع.

«أمثالي لا ينبغي أن يشغلوا منصب العمدة في هذا البلد»!بهذه الجملة أعلاه افتتحت إيليف إيرالب كلمتها المسجلة والتي توجّهت فيها للناخبين مع إطلاق حملتها الانتخابية. ولاحقاً شرحت ما تقصده بذلك.

إذ قالت في مقابلة مع صحيفة «تاغس شبيغل» البرلينية: «على عكس كثرة من الساسة، أنا لا أنتمي إلى حزب سياسي منذ عقود ولست جزءاً من المؤسسة السياسية. أنا ابنة لاجئين جاؤوا إلى ألمانيا من تركيا قبل فترة قصيرة من ولادتي». وحقاً كان هذا أن خلفيتها المهاجرة ستلعب دوراً محورياً في حملتها الانتخابية.

ولدت إيليف إيرالب في يناير (كانون الثاني) 1981 في مدينة ميونيخ الألمانية بعد أشهر قليلة من وصول والديها من تركيا هرباً من الانقلاب العسكري وما تبعه من عنف وقمع.

وبعكس معظم الأتراك الذين جاؤوا إلى ألمانيا عمالاً، فإن والديها كانا متعلمَين، ووصلا طالبين للجوء في ألمانيا الغربية في سبتمبر (أيلول) 1980. وهما يتحدّران من بلدة بانلي قرب مدينة قيصري، وكانا ناشطين سياسيين نقابيين سجناً بعد الانقلاب العسكري. الوالد كان طبيباً والوالدة ناشطة نسوية في الحزب العمالي الاشتراكي، سجنت بعد الانقلاب ولم يطلق سراحها إلا بسبب تقدّم حملها بشكل واضح عندما كانت حاملاً بإيرالب. وبالنتيجة، تمكنا من الهرب إلى ألمانيا حيث قدّما طلب لجوء في ميونخ. ولكن عمل والدها دفع بالعائلة لاحقاً إلى الانتقال إلى مدينة دورتموند، حيث كبرت إيرالب قبل أن تنتقل مرة أخرى إلى مدينة هامبورغ في سن الثامنة حيث أنهت المدرسة.

دراسة القانون في هامبورغ

بعد المدرسة، درست إيرالب القانون في جامعة هامبورغ وتخرّجت محامية، وأسهم في اختيارها تخصصها، وفق تصريح لها، المعاملة المختلفة والعنصرية التي تعرضت لهما عائلتها في ألمانيا.

لقد تطرقت إيرالب مراراً لتجربة عائلتها لدى وصولها إلى ألمانيا، وعملية اللجوء المعقدة والطويلة التي واجهوها، ومما قالته: «لقد عشت تجربة ما الذي يعنيه عندما تتّخذ السلطات قرارات غير مفهومة، وقد شعرت كذلك بالعنصرية والتمييز... لقد عاصرت عائلات عوملت معاملة مختلفة مثل عائلتنا، ولهذا درست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع».

وقبل إكمال تخصّصها في القانون الجزائي في جامعة هامبورغ، أمضت إيرالب فصلاً في مدينة أليكانتي في إسبانيا. وهو ما مكّنها من تعلّم الإسبانية، لتضاف إلى لغاتها الألمانية والتركية والإنجليزية.

وبعد تخرّجها عام 2007، انتقلت عام 2010 إلى برلين لتعمل مستشارة قانونية لكتلة حزب «دي لينكا» البرلمانية من دون أن تنضمّ للحزب اليساري آنذاك؛ إذ إنها لم تصبح عضواً في الحزب إلا عام 2017. بل، برّرت إيرالب قرارها الانضمام إلى الحزب المنتمي لأقصى اليسار بأنه جاء كرد مباشر على دخول حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف إلى البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى آنذاك. ومعلوم، أن الحزب اليميني المتطرف استغل من موجة اللاجئين السوريين التي وصلت إلى ألمانيا عام 2015 لتوسيع قاعدته الشعبية، بانياً حملته الانتخابية ضد اللاجئين والمسلمين.

العيش في بيئة مهاجرين

منذ انتقالها إلى برلين، تعيش إيرالب في منطقة كرويتزبيرغ، المعروفة بـ«إسطنبول الصغيرة»، وقال عنها المستشار الألماني فريدريش ميرتس - قبل أن يصبح مستشاراً - إنها «لا تمثل ألمانيا». وهي تعيش حياة بسيطة، في شقة تستأجرها مع زوجها وولديها اللذين يرتادان مدرسة عامة في الحي. وكانت قد حرصت خلال حملتها الانتخابية على عكس هذه الصورة، بأنها واحدة من سكان المدينة وأنها تشبههم، وأن الأمر لا يتعلق فقط بأصولها المهاجرة.

لقد قالت عن ذلك: «الحملة لا تتعلق بأصولي المهاجرة بل بواقع أنني مثل الجميع هنا. أعرف مشاكل المدينة، الإيجارات المرتفعة والمدارس المتهالكة ونظام التنقل المتردي». وتابعت: «أنا لا أعيش في فيلا في غرونافالد، وأولادي لا يرتادون مدارس خاصة بل مدرسة عادية». وبالمناسبة، غرونافالد منطقة راقية في غرب برلين مليئة بالفلل الفخمة ومحاطة بمدارس خاصة.

أزمة السكن

أزمة السكن في برلين شكلت بالفعل محور حملة إيليف إيرالب الانتخابية. وكانت قد ذكرت في إحدى المقابلات أنها هي نفسها تبحث عن شقة منذ 7 سنوات من دون توفيق. وفي الحقيقة، تعاني برلين من أزمة سكن كبيرة وارتفاع إيجارات مستمر رغم وجود قوانين تحد من رفعها. ويعيش معظم سكان برلين (قرابة 85 في المائة منهم) في شقق مستأجرة في بلد ما زالت فيه ثقافة امتلاك المنزل غير شعبية. وخلال السنوات العشر الأخيرة، ارتفعت أسعار الإيجارات بنسبة 70 في المائة مع تزايد عدد القادمين للعيش في المدينة. وعلى الرغم من وجود قانون يحد رفع الأسعار منذ عام 2015، فإن مالكي الشقق وشركات التأجير تستغل ثغرات في القانون لرفع الإيجارات بشكل دوري.

من جانبها، طرحت إيرالب أفكاراً راديكالية للتعامل مع أزمة السكن، منها الاستحواذ على الشقق المملوكة من كبرى الشركات العقارية الخاصة، بشرائها من ميزانية ولاية برلين بسعر محدد (أقل من سعر السوق الحالي) ثم تحويلها لكي تدار من قبل هيئة غير ربحية.

الخطط تشبه تأميم الشركات، ولكن علامات استفهام كثيرة تحيط بها، من قانونيتها إلى المخاطر التي قد تحملها على ميزانية الولاية التي قد لا تكون قادرة على تحملها. ولقد أثارت هذه الخطط مخاوف كبيرة لدى الشركات المالكة للشقق مثل «فينوفيا» التي تهوي أسهمها منذ فوز إيرالب. وحتى المستشار ميرتس الذي يرفض حزبه التحالف مع «دي لينكا»، تعهد بعد فوز إيرالب وحزبها في برلين، بإدخال قوانين سريعاً تمنع الاستحواذ على شركات العقارات وتحبط خطط الاستيلاء عليها.

أصداء كبيرة

مع هذا، فإن تركيز إيرالب على مواجهة أزمة السكن لقيت صدى كبيراً لدى سكان العاصمة الذين ذكروا في استفتاءات سابقة بأن أزمة السكن هي الموضوع الأول الذي يهتمون به في الانتخابات المحلية. وبينما لم تطرح الأحزاب الأخرى الرئيسة أي أفكار جديدة لمواجهة أزمة السكن، بدت أفكار «دي لينكا» جديدة وجذابة للناخبين. وقال كثيرون من الذين صوّتوا للحزب، إنهم لا يوافقونه في كل السياسات ولكن خطط حل أزمة السكن شكلت عاملاً رئيساً في التصويت لهم. وهكذا، نجح الحزب بمضاعفة أصواته عن الانتخابات السابقة. وما يذكر، أن «دي لينكا» استعان كذلك بفريق عمدة نيويورك ممداني، إذ قدم إلى برلين أحد مستشاريه في حملته الانتخابية ليقدم النصح لفريق إيرالب.

من جهة ثانية، رغم أن أزمة السكن كانت محور حملة إيرالب الانتخابية، فإن أصولها المهاجرة ونضالها في مواجهة التمييز العنصري ظَهَرا أيضاً بشكل محوري في لقاءاتها مع الناخبين. وكان لافتاً أنها استخدمت اللغة التركية في جزء كبير من حملتها في منطقة تعد القلب النابض للجالية التركية. والواقع أن إيرالب أمضت عدة سنوات ناشطة حقوقية أكثر منها سياسية. وحتى عندما انضمت إلى «دي لينكا»، أسست داخل الحزب جناحاً ضم من هم من أصول مهاجرة للترويج للألمان بخلفيات مختلفة وتسليط الضوء على قضايا تمييز يتعرض لها لاجئون ومهاجرون.

وبخلاف الأحزاب الألمانية الأخرى، لا يخشى «دي لينكا»، ولا إيرالب، إظهار التضامن مع القضية الفلسطينية، وهو ما جذب عدداً كبيراً من الناخبين من أصول عربية لهم. وإن كان تسبّب أيضاً بجدل أحاط بالحزب، خاصة، بعد ظهور صور لمشاركة ناشطين فلسطينيين في الحفلة التي أقامها الحزب ليلة صدور النتائج؛ إذ اتهمت الصحافة اليمينية إيرالب، وأيضاً اتهمها بعض الساسة منهم وزير الداخلية، بـ«معاداة السامية». ورد مكتب إيرالب بأنها ستتقدم بدعوى تشهير ضد وزير الداخلية.

الحملات المعادية

هذا، وتشن الصحافة الألمانية حملة لا تتوقف على إيرالب منذ فوزها. وفي المقابل، تكرر إيرالب مراراً بأنها تريد لبرلين أن تكون مكاناً لكل السكان من بينهم أتباع الديانة اليهودية، كما أنها تريد للحوار أن يكون أساسياً بين المجتمعات المسلمة واليهودية في برلين. أيضاً، تتهم الصحافة الألمانية «دي لينكا» بعلاقات مع الجريمة المنظمة، بعد انتشار صورة أيضاً لأحد «زعماء» العشائر العربية - كما تسميهم الصحافة الألمانية - موجود في حفل الحزب ليلة الفوز. لكن الحزب برر لاحقاً بأن الحفل كان مفتوحاً للعامة ولم يكن بالدعوات فقط.

ومن القصص السلبية الأخرى التي تنشرها الصحافة الألمانية يومياً عن إيرالب، قصة عن انتمائها لمجموعة يسارية راديكالية تعرف بـ«المساعدة الحمراء»، وهي مراقبة من المخابرات الداخلية. ولكن إيرالب لم تخف يوماً انتماءها للمجموعة، وأعلنت أعلنت أنها تركتها العام الماضي بسبب اختلاف حول قضايا أساسية.


«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
TT

«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)

نشطت المشاورات لتشكيل حكومة ائتلافية محلية في ولاية برلين، بعد أيام على صدور نتائج الانتخابات. ويقود المفاوضات حزب «دي لينكا» الفائز بالانتخابات بنسبة قاربت الـ26 في المائة، مع حزب «الخضر» الذي حصل على 14 في المائة من نسبة الأصوات والحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) الذي حصل على 12 في المائة منها.

الحزبان الأخيران حددا شروطاً أساسية قبل انطلاق المفاوضات؛ إذ طالب حزب «الخضر» حزب «دي لينكا» باتخاذ موقف واضح من «معاداة السامية»، ومن الاتهامات المرتبطة بذلك التي تلاحق أفراداً في الحزب. وقالت كاتارينا دروغه، زعيمة الكتلة البرلمانية لحزب «الخضر» في ولاية برلين، إن على «دي لينكا» اتخاذ «موقف أقوى ضد معاداة السامية في صفوفه، فنحن لا نتكلّم عن حوادث معزولة بل عن مشاكل هيكلية». وأضافت أنه إذا «لم يحدد (دي لينكا) بشكل واضح الخطوات الصارمة التي سيصار إلى اتخاذها للتعامل مع هذه المشكلة، فلن يمكن إجراء مشاورات لتشكيل حكومة معهم».

أما الحزب الديمقراطي الاجتماعي فقال إنه يتوقع «تفسيراً» من إيرالب حول انتمائها لمجموعة «المساعدة الحمراء» المتطرفة والتي تخضع لمراقبة المخابرات الداخلية. وقال شتيفان كراخ، زعيم الكتلة البرلمانية للحزب في برلمان برلين، إن المشاورات لن تبدأ قبل الحصول على تفسير حول عضويتها تلك، وأيضاً بعد مناقشة ارتباط الحزب بمعاداة السامية والجريمة المنظمة.

أما فيما يخص حزب «دي لينكا»، فهو حزب من أقصى اليسار، شكّل عام 2007 من مجموعة أحزاب يسارية وشيوعية من بينها حزب «الوحدة العمالية» الألماني، وهو حزب ماركس لينيني أسس عام 1946 في مناطق شرق ألمانيا التي كانت تحت حكم الاتحاد السوفياتي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

ولدى الحزب تجربة بحكم محلي في ولاية ثورينجيا (الشرقية سابقاً) التي حكمها طوال 10 سنوات، وكان رئيس حكومة الولاية فيها هو بودو راميلو الذي تمتع بشعبية كبيرة طوال فترة حكمه. ويستعين فرع الحزب في برلين من تجربة «دي لينكا» في تورينجيا في الحكم، لإجراء المشاورات الحكومية ووضع برنامج الحكومة في حال نجحت المشاورات.