شعراؤنا الرواد... هل طواهم النسيان فعلاً؟

السياسة تلقي بظلالها على الشعر وتغيّب وتبرز من تشاء

السيد العيسوي - سيد محمود - براء الشامي - فضل شبلول.
السيد العيسوي - سيد محمود - براء الشامي - فضل شبلول.
TT

شعراؤنا الرواد... هل طواهم النسيان فعلاً؟

السيد العيسوي - سيد محمود - براء الشامي - فضل شبلول.
السيد العيسوي - سيد محمود - براء الشامي - فضل شبلول.

نشرنا في الحلقتين، الأولى والثانية، آراء عدد من الشعراء والنقاد والأكاديميين العرب حول قضية خطيرة، يبدو أننا تقبلناها أو غضضنا الطرف عنها، وهي الغياب شبه الكامل لرواد الشعر العربي الحديث كبدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، وصلاح عبد الصبور، ونازك الملائكة، وفدوى طوقان في حياتنا الثقافية المعاصرة... فما الأسباب التي أدت إلى ذلك؟ ننشر في الحلقة الأخيرة، هذه، آراء عدد آخر من الكتاب والنقاد والأكاديميين العرب...
من مصر، يقول الشاعر والناقد سيد محمود، رئيس تحرير جريدة «القاهرة» الأسبق: «الشعر هو فن خاص جدا، وأصبح عاما مع الاستخدام السياسي له، فقد كان هو الوسيط الناقل للغة العربية. ولكن مع دخول وسائط أخرى وانتشار النثر منذ القرن التاسع عشر، بدأ الرواد من الشعراء يتحولون عنه عبر وسيط الصحافة، ومنهم العقاد وطه حسين والمازني، وفي الوقت ذاته ظهر الشعر المنثور ليستفيد من إمكانات النثر، ولا يخسر ميراث الشعر».
ويستكمل صاحب ديوان «تلاوة الظل»، «لكن مع ظهور حركات تتمرد على الشعر العمودي بدأت الرواية تصبح فن الطبقة الوسطى، ومع اتساع تلك الطبقة زاد انتشار فن الرواية على حساب الشعر باعتبارها فنا متعددا، وبالتالي تقلصت ظاهرة (الشاعر النجم). بالطبع هناك أسماء ارتبط بمعارك سياسية مثل: أمل دنقل، وصلاح عبد الصبور، وهناك من ارتبط بمعارك اجتماعية كنزار قباني، وتقلص الشاعر النجم وبدأت المعارك الشخصية تظهر بوضوح منذ التسعينات وحتى الآن»
يتفق محمود مع أن هناك أسماء طواها النسيان، ومع ذلك يرى أن الشعر حاضر بقوة، لكنه بات أكثر خصوصية، لافتا إلى أن التعليم لا يساعد على خلق ذائقة شعرية أو تنمية حس شعري،: «بحثت في المناهج الدراسية ووجدت أردأ النماذج الشعرية ونصوصا ضعيفة لأحمد شوقي ومطران، ناهيك عن عدم وجود شعراء معاصرين. في حين أن مناهج النثر بها تطور، وبها نصوص لإبراهيم أصلان مثلا».
وإلى جانب التعليم والسياسة، يُعدد سيد محمود أسباب خفوت نجم عدد من الشعراء، معتبرا أن أغلبها يعزى إلى تحولات فن الشعر نفسه، والطابع الهش للحياة المعاصرة، والصراعات على الجوائز، وعزوف بعض دور النشر عن نشر الشعر».
وهو يعتبر أن الأزمة الكبرى هي وجود «كسل نقدي»؛ فقد عجز النقاد عن تطوير مداخلهم لتناول الشعر ما زالت مرتبطة بموسيقى الشعر، قائلا: إن هناك نقادا لا يزالون يتناولون شعراء الستينات بالنقد، في حين أن هناك تجارب شعرية كثيرة ظهرت واستطاع عدد من الشعراء أن يحقق جماهيرية بحكم ارتباط أشعارهم بتجارب حياتية تمس الجانب الإنساني للمجتمع، مثل: إيمان مرسال وفاطمة قنديل وعماد أبو صالح. إن الشعر، كما يضيف، يحتاج إلى متابعة حقيقة... فجانب أن هناك أزمة في نشر الشعر في الصحف حتى الثقافية، فإن النقاد لا يقومون بدورهم في تتبع التجارب الشعرية أو يبذلون الجهد في تطوير أدواتهم النقدية».
* العيسوي: المنتفعون من صعود الرواية
ويتفق الناقد والشاعر السيد العيسوي، المسؤول عن الصالون الثقافي بمتحف أمير الشعراء أحمد شوقي، مع سيد محمود في أن التعليم من أحد العوامل التي تلعب دورا في تكريس أسماء شعراء بعينهم، ويقول: «للأسف هناك أسماء منزوع عنها ماء الشعر ويتم تدريسها للأطفال وحتى المراحل الجامعية يجب أن تنفتح مستويات التعلم والتذوق الشعري على شعراء معاصرين؛ لأن الشعر تجربة مشتركة بين الشاعر وبين المتلقي، والمعجم الشعري هو معجم لغوي حي يتغير بتغير الحقب الزمنية». ويعتب العيسوي على القائمين على اختيار النصوص في هيئات ودور النشر التي تنتقي نصوصا ضعيفة، وتبرز أسماء على حساب شعراء مبدعين.
ولكن العيسوي يعتقد أن الشعر العربي حاليا لا يمر بتدهور، بل بالعكس «هناك تجارب شعرية كثيرة في الدول العربية مبشرة، بل وهناك عودة للقصيدة العمودية وشعر الفصحى إلا أن السوشيال ميديا اليوم تعكس صورة مغلوطة بتدهور مستواه؛ لأن هناك الكثيرين ممن يطلقون على أنفسهم شعراء يكتبون خواطر أو كلمات في شكل أبيات شعر ترافقهم شلة من المنتفعين والمهللين باعتبارها أشعارا». ويرى العيسوي أن «الأزمة ليست فنية على الإطلاق، بل لها أبعاد مهنية، بل إن الأمر يتعلق بترسانة من المنتفعين من صعود الرواية؛ لأنها تتحول إلى عمل درامي وتدر عوائد مادية، سواء على المؤلف والناشر، وبالتالي كاتب السيناريو أو المخرج وغيرهم، ويصبح الأمر برمته عملية تجارية وعملية رواج وهمي يساهم فيه إيقاع الحياة الدرامي بعد أن كان إيقاعها شعريا، لكن يبقى الشعر والشعراء الحقيقيون محل دراسة ومحل تقدير وإجلال».

* شبلول: ليسوا شعراء مرحليين
ويقول الشاعر المصري أحمد فضل شبلول: «يبدو أن المشكلة ليست في خفوت حضور هؤلاء الشعراء فحسب، ولكن خفوت حضور الشعر بعامة في المشهد الثقافي العربي، لصالح صعود الرواية بقوة. وحضور أسماء الروائيين أكثر من الشعراء». ويشير شبلول، الذي صدرت له مؤخرا رواية «رئيس التحرير»: «تخيلي أن لي 13 ديوانا شعريا... ما كتب ونشر حتى الآن عن (رئيس التحرير) من أخبار ومقالات أكثر مما كتب عن الـ13 ديوانا مجتمعة».
لكن شبلول يعود ليؤكد أنه «على الرغم من ذلك، فهؤلاء الشعراء الرواد هم الأكثر حضورا في الكثير من الدراسات والمقالات والمقاربات العلمية عن غيرهم من الأجيال التالية، ولا أريد أن أذكر أسماء شعرية لأنها كثيرة جدا.
ويضيف: «ولا أعتقد أن هؤلاء الشعراء كانوا شعراء مرحليين، وإلا اعتبرنا المتنبي وأبا نواس والبحتري وأبا تمام وشوقي والجواهري وغيرهم أيضا شعراء مرحليين، وإنما هم شعراء أخلصوا للشعر وأوقفوا حياتهم عليه، ومنهم من مات بسببه أو بسبب موقفه تجاه بعض القضايا مثل صلاح عبد الصبور الذي يذكّرني رحيله برحيل المتنبي مع بعض الفارق في التفاصيل». ويرى شبلول أن «نزار قباني هو الأكثر حظا بين هؤلاء بسبب قصائده المغناة المنشورة على حناجر عبد الحليم حافظ ونجاة وكاظم الساهر وغيرهم. ومع ذلك فنحن دائما في حاجة إلى المزيد من إلقاء الضوء على كل الأعمال الشعرية الجادة، وليس فقط جيل الرواد».
* الشامي: أهداف سياسية
أما الشاعر السوري براء الشامي، مؤسس «نخبة شعراء العرب»، التي تسعى إلى استعادة مكانة الشعر والشعراء في العالم العربي، فيقول: «الشعر ديوان العرب باقٍ ببقائهم حتى يرث الله الأرض ومن عليها. يمر الشعر المعاصر بحالة مرضية أوجعته كثيراً في ظل غياب الوعي الفكري والاهتمام الثقافي غير أنه لا يموت. والأمة العربية هذه الأيام في محنة عصيبة تعصف بها من حروب مما شغلها عن الشعر والأدب... ولا أنكر أن هناك محاولات لطمس هذا الفن العريق لتحقيق أهداف سياسية، وما أجمل الشعر وهو متفرد على عرشه بعيداً عن السياسة والأطماع والمكاسب الشخصية. وإننا في (نخبة شعراء العرب) تعهدنا منذ اليوم الأول على حمل هذا اللواء لإحياء هذا الموروث العظيم وتوريثه على الشكل الذي يليق به».
ويضيف: «رغم ما ذكرته آنفاً من حملات تشويهية وحروب نرى العرب في كل مكان يرددون (صديقي من يقاسمني همومي ـ ويرمي بالعداوة من رماني) ونراهم يعظمون أمهاتهم ويقولون (الأم مدرسة إذا أعددتها ـ أعددت شعباً طيب الأعراق) وهل مات نزار وفي كل ركن من أركان دمشق يردد (وعليك عيني يا دمشق فمنك ينهمر الصباح) وما دام الصباح يشرق على أحياء وياسمين دمشق فإن نزار حي».
ويرى الشامي أن «ما يبعث في النفس الأمل أن هناك الكثير من وسائل الإعلام الراقية التي أخذت على عاتقها إحياء هذا الفن؛ فهي لا تكل ولا تمل من النشر بين الحين والآخر عنه، وتستقطب ناصريه وتعلي كلمتهم، وإن هذا الحوار مع صحيفتكم الموقرة لأكبر دليل على ذلك».
ويعتبر الشامي أن «أحد الأسباب الهدّامة للشعر هو (فيسبوك)، وهنا علينا التذكير أنه هدم وبنى.. فلقد أتاح لمن هب ودب ومن لا يعرف من الشعر سوى اسمه أن يستعرض أبياتاً على شكل شطور توحي بالشعر فأوهم، وهو في الحقيقة كلام مرصوف لا روح فيه ولا غاية هناك أيضاً المسابقات الشعرية الكبرى التي تقام على شاشات التلفاز وغيرها من المواقع أصبح البعض منها مستهلكاً لا طائل منه، ولا يخدم إلا المصالح الجغرافية والفردية. ونتمنى على الجهات المعنية أن تعيد ترتيب أوراقها وتسعى لما كانت تسعى إليه في بداية المرحلة».



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».