فضائح «فساد» تطغى على آخر المناظرات الرئاسية الإيرانية

روحاني يتهم رئيسي بإصدار أحكام ضد رجال الدين

المناظرة التلفزيونية الثالثة بين المرشحين للانتخابات الرئاسية الإيرانية ركزت على قضايا الاقتصاد (إيرنا)
المناظرة التلفزيونية الثالثة بين المرشحين للانتخابات الرئاسية الإيرانية ركزت على قضايا الاقتصاد (إيرنا)
TT

فضائح «فساد» تطغى على آخر المناظرات الرئاسية الإيرانية

المناظرة التلفزيونية الثالثة بين المرشحين للانتخابات الرئاسية الإيرانية ركزت على قضايا الاقتصاد (إيرنا)
المناظرة التلفزيونية الثالثة بين المرشحين للانتخابات الرئاسية الإيرانية ركزت على قضايا الاقتصاد (إيرنا)

هيمنت ملفات الفساد على آخر المناظرات التلفزيونية بين المرشحين في الانتخابات الرئاسية الإيرانية، ففي الأمس واجه الرئيس المنتهية ولايته حسن روحاني ونائبه إسحاق جهانغيري اتهامهما بتورط في الفساد الاقتصادي وتجاوزات إدارية كبيرة برد الاتهامات إلى مرشحي التيار المحافظ المدعي العام السابق إبراهيم رئيسي وعمدة طهران محمد باقر قاليباف. واتهم روحاني منافسه المدعي العام في محكمة رجال الدين بالتسبب في أذى رجال الدين. وأضاف أن قاليباف يدين له بالبقاء في المشهد السياسي لمنعه تفعيل ملف فساد ضده قبل دخوله انتخابات الرئاسة في 2005، وفي المقابل اتهم كل من قاليباف ورئيسي الرئيس الحالي بالتستر على ملفات فساد وتجاوزات مالية لأقاربه.
وتركت تحذيرات المرشد الإيراني علي خامنئي الأربعاء خلال لقائه بقادة الحرس الثوري تأثيرها الواضح على مداخلات روحاني وجهانغيري في بداية المناظرة التي تمحورت حول الوضع الاقتصادي وخطط المرشحين، لكن اتهامات رئيسي وقاليباف للحكومة بالتسبب في تدهور الاقتصاد وملفات الفساد سرعان ما أنهى البداية الحذرة، وركز الجانبان في الرد على الأسئلة المطروحة بتوجيه التهم للمنافسين قبل أن تنقلب الطاولة كلياً في نصف الساعة الأخير من المناظرة، ويتبادل المرشحان أشد العبارات في آخر محاولة للتأثير على مسار عملية التصويت المقررة 19 مايو (أيار) المقبل.
وكانت أسبوعية «خط حزب الله» الصادرة من مكتب خامنئي عنونت في عددها الأسبوعي أمس تحذيره للمرشحين بعدم التسبب في إثارة اضطرابات في الشارع الإيراني. وقبل المناظرة بساعة وجهت حملة روحاني بياناً تطالب فيها مراكز حملة روحاني بتوخي الحذر عقب انتهاء المناظرة التلفزيونية وعدم الانجرار لأي تحرك محتمل عقب انتهاء المناظرات التلفزيونية.
وفي المناظرتين السابقتين، تراشق ثنائي روحاني وجهانغيري اتهامات وشتائم مع المرشحين المحافظين الثلاثة. وأثار روحاني الجدل في المناظرة الثانية عندما اتهم الحرس الثوري بالسعي وراء نسف الاتفاق النووي عبر استعراض الصواريخ، كما انتقد بشدة تدخل الحرس الثوري في الاقتصاد.
وبدأت المناظرة التلفزيونية حول برامج المرشحين لمواجهة تهريب السلع في إطار «الاقتصاد المقاوم» بكلمات نائب الرئيس الإيراني إسحاق جهانغيري بأن إدارة روحاني تمكنت من السيطرة على تهريب السلع بعد تقليصه من 25 مليار دولار سنوياً إلى 12 مليار سنوياً. وتابع أن «قضايا البلد في الوقت الحاضر اتجهت لتردد الشعارات وهو تسبب في زيادة نسبة التهريب والفساد وانهيار اقتصاد إيران، ونرى اليوم ممثلين من هذا التفكير في الانتخابات».
و«الاقتصاد المقاوم» شعار إيران للعام الثاني على التوالي بأوامر من خامنئي، وهو يعني اعتماد إيران على الموارد الداخلية مقابل الحد من التوجهات الأجنبية لتحسين الوضع الاقتصادي، وهو ما من شأنه يعرقل جهود إدارة روحاني لتحسين الوضع الاقتصادي.
ودعا جهانغيري منافسيه إلى عدم الخوف من سجل أعمالهم في قوات الشرطة والقضاء والتحدث عن الخطوات التي اتخذوها من أجل مواجهة التهريب. ورفض جهانغيري اتهامات قاليباف بالتورط في الفساد الاقتصادي، ودعا خصمه إلى مراعاة الأخلاق، وقال إن «الشعب أذنه امتلأت بالشعارات، لكن تقديم البرنامج صعب».
لكن المرشح المحافظ وعمدة طهران محمد باقر قاليباف جدد موقفه من سيطرة 4 في المائة من الإيرانيين على موارد البلد. ولمح في رده إلى فضيحة الرواتب الفلكية، وقال إن أعضاء الحكومة وكبار المسؤولين حصلوا على مكافآت مالية كبيرة، في حين يعاني العمال من المشكلات المعيشية. كما أشار قاليباف إلى تورط وزير التعليم فخر الدين اشتياني في شحنة تهريب السلع.
وفي جزء آخر، تساءل قاليباف عن أسباب وجود أقارب روحاني في الحكومة، ولماذا لم يتصدَّ للتجاوزات، متهماً روحاني بالحصول على مكاسب من الفساد الاقتصادي.
وقال قاليباف إن إيران تعاني من أزمة بطالة قوامها 6 ملايين عاطل عن العمل، ويضاف سنوياً مليون على نسبة العاطلين. ورداً على روحاني، قال قاليباف: «في قضية العقارات الفلكية وجهت رسالة إلى المدعي العام للتحقيق في القضية، لكنه قال إنه لم ترتكب تجاوزات، لكن لأن الفساد في الرواتب الفلكية اتضح للجميع قررت مواصلة ذلك»، متهماً روحاني بتطبيق وصية مستشار محمد علي نجفي لإثارة «العقارات الفلكية» ضد الرواتب الفلكية.
كما اتهم جهانغيري بعدم التحقيق في تجاوزات شقيقه صاحب بنك «السياحة» قال إن «جهانغيري مثل روحاني يقف أمام الشعب ويكذب»، مضيفاً أن جهانغيري استخدم امتيازات حكومية للحصول على عقارات في شمال طهران. قاليباف رفض التهم الموجهة إليه في العقارات الفلكية، وصرح بأن «البرلمان رفض لأنها مسيسة».
من جهة، استغل الرئيس المنتهية ولايته حسن روحاني فرصته للتعليق على قضية التهريب لإثارة تدخل الأجهزة التي تتمتع بدعم عسكري وأمني في الاقتصاد وتبعاته على القطاع الخاص. ودعا روحاني إلى الشفافية ورفع القيود عن وسائل الإعلام، مشيراً إلى اعتقال ياشار سلطاني مدير موقع «معماري نيوز» الذي فجر فضيحة العقارات الفلكية من دون الإشارة إلى اسمه.
واعتبر روحاني تعزيز مكانة البنوك وتشجيع استثمار البنوك الدولية إحدى الطرق لتحسين الأوضاع المعيشية.
ووجه روحاني أمس ضربة قاضية لقاليباف، وقال روحاني إنه خالف نشر ملفات تجاوزات قاليباف قبل انتخابات الرئاسة 2005، وكان روحاني حينذاك أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني. وقال: «لو لم أتصرف برجولة حينذاك لم تكن هنا اليوم».
وخاطب روحاني، قاليباف، بنفاق قبل أن يتطرق ثانية إلى قمع الحركة الطلابية، لكن بعبارات مختلفة من المرات السابقة. وقال لقاليباف: «مشروعك كان استخدام أنابيب (المياه). كلما كنت تأتي لأمانة المجلس الأمن القومي كنت تطالب بأن تتعامل مع الطلاب بالأنابيب خلال ساعتين. لو لم أعارضك لكانت جامعات إيران مليئة بالأنابيب».
وكان روحاني قد كشف في مناظرات 2013 أن قاليباف طالب مواجهة الحركة الطلابية صيف 2003 باستخدام أسلوب «الكماشة»، وهو أسلوب عسكري يسمح للخصم بالتقدم للعمق قبل تشديد الحصار عليه.
من جانب آخر، اتهم روحاني رئيسي بتوظيف أموال مؤسسة «الإمام الرضا» الوقفية في الحملات الانتخابية، وقال: «بإمكانك قول أي شيء، وجه أي تهمة تشاء على أي حال، أنت مدعي عام محكمة رجال الدين، وبإمكانك أن تعتقل جميع العلماء. يجب أن نتساءل كم عانى منك العلماء (رجال الدين)، لكن نطالبك بشيء واحد، أرجوك اترك الإمام الرضا للشعب ولا تحوله إلى حزبي وفئوي، لكن اترك الإمام الرضا للناس، بإمكانك إرسال القماش والحلويات بعد الانتخابات».
بدوره وجه المرشح رئيسي أصابع الاتهام إلى الحكومة في التورط بالتهريب، وقال إن التهريب يتجاوز حالياً 18 مليار دولار، متهماً إدارة روحاني بعدم التصدي لتهريب السلع، ورهن رئيسي التصدي لتهريب السلع بخلق مليون فرصة عمل والسيطرة على منافذ دخول السلع. وتابع رئيسي أنه لا توجد نيات في الحكومة لمتابعة المتهربين من الضرائب، لكنها في المقابل تسببت في تعطل المصانع الصغيرة لارتفاع الضرائب.
وفي إشارة إلى ما تردد عن تورط شقيق روحاني، حسين فريدون، في ملفات فساد، قال المرشح إبراهيم رئيسي: «لا فرق في مكافحة الفساد، سواء كان تحت عمامتي أو عمامة روحاني أو سترة جهانغيري أو قاليباف».
وتعهد رئيسي بملاحقة الفارين عن دفع الضرائب لمحاربة الفساد «بصرامة»، وقال إنه سيمنع «بعض الأيدي الخاصة» من الذخائر البنكية، وقال مخاطباً روحاني: «المدعي العام والمساعد الأول لرئيس القضاء أبلغوك في مكتبك بأن بحوزة القضاء وثائق تثبت تورط أقرب الناس إليك».



مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.


وزير الدفاع الإسرائيلي: «قد نضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
TT

وزير الدفاع الإسرائيلي: «قد نضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)

قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الخميس، إن الدولة العبرية «قد تضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران لضمان ألا تهدد طهران بلاده.

ورأى كاتس، في بيانٍ أصدره مكتبه، أن «الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بالتنسيق مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يقود الجهود لتحقيق أهداف الحملة، لضمان أن إيران لن تُشكّل مجدداً في المستقبل تهديداً لإسرائيل والولايات المتحدة والعالم الحُر».

وتابع، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نحن نُدعم هذا الجهد ونقدم الدعم اللازم، لكن من الممكن أن نضطر قريباً للتحرك مجدداً لضمان تحقيق هذه الأهداف».