الأحد - 2 شهر رمضان 1438 هـ - 28 مايو 2017 مـ - رقم العدد14061
نسخة اليوم
نسخة اليوم 2017/05/28
loading..

هل تمر الرواية الغربية بحالة موت سريري؟

هل تمر الرواية الغربية بحالة موت سريري؟

بعد سقوط الأفكار الكبرى التي طرحتها الحداثة بداية القرن العشرين
الاثنين - 11 شعبان 1438 هـ - 08 مايو 2017 مـ رقم العدد [14041]
نسخة للطباعة Send by email
لندن: ندى حطيط
يَلحظ مؤرخو الأدب أنه لا يكاد يمر عقدٌ من السنوات، منذ بداية القرن العشرين إلى اليوم، دون تواتر ادعاءات متجددة بموت الرّواية، وانتفاء قيمتها كشكلٍ أدبي. وهم في ذلك لا يعنون بالطبع توقف الرّوايات عن الصدور، أو حتى توقف إعادة إحياء القديم منها، لكنهم يشيرون إلى حالة من فقدان الغاية والمعنى الكلّي، وتحول الأعمال الجديدة منها إلى «مجرد اجترار مكرور داخل نظام مغلق من المرجعيّات الثقافيّة»، دون أن تضيف أي جديد.

بالطبع، فإن عرّافي موت الرّواية هؤلاء لم يكونوا سوى قرّاء مداومين على الأعمال الروائيّة، أو الروائيين أنفسهم، أو نقاد يعتاشون بنحو أو آخر من وراء اشتغالهم بتفكيك الروايات، ولذا فإن توقع سوء نيّة منهم تجاه هذا الشكل الأدبي ليس من الحكمة في شيء.

لا شك أن هنالك شيئاً ما قد حدث للرواية - أو كان في طور الحدوث - بدءاً من أربعينات القرن الماضي، على نحو جعلها تفقد شيئاً من روحها ودورها في الحياة الاجتماعية والثقافيّة، لتصل اليوم إلى ما يصفه بعض النقادِ بحالة أشبه بموتٍ سريري، وأن تكرر الإعلانات عن نهاية الرواية في كل عقد كان مجرد إشارة إلى تمكن بعض الأفراد الفطناء من التقاط تحولاتٍ ثقافيّة واجتماعية فاعلة، قبل أن يراها الجميع بوقت قصير.

تنطلق هذه الرؤية من تصورٍ إيجابي لدورِ الرّواية - والآداب عموماً - في تحقيق المستوى الحضاري الذي وصلت إليه البشريّة اليوم، وأنها وراء تهذيب غرائز البشر، وبناء التعاطف بينهم، خلال 250 عاماً من تاريخها، مقارنة أقلّه بوقت كانت فيه كل المجموعات العرقيّة والثقافيّة تتقبل العبوديّة والمذابح الجماعيّة والإعدامات كأمر طبيعي: الرئيس الأميركي توماس جيفرسون مثلاً كان يدافع بحرارة عن إبادة الأميركيين الأصليين، بينما كان دور رواية مثل «كوخ العم توم» محورياً في دعم حركة تحرير العبيد الأميركيين.

لكن أجيال «عرّافي» موت الرواية هؤلاء رأت عبر العقود الأخيرة عدة تغييرات أساسيّة في الحياة المجتمعيّة المعاصرة أفقدت الرواية دورها، لا شك في مقدّمها التقدّم التكنولوجي الحاسم الذي غيّر كل أشكال التعلم والترفيه على نحو كلّي أو كاد، بحيث لم تعد فكرة البشر الأساسيّة عن الترفيه قراءة رواية جادة في مئات أو آلاف الصفحات زمن انتشار الإنترنت والهواتف الجوالة ومواقع التواصل الاجتماعي، وحتى ثقافة ارتياد المقاهي والمجمّعات التجاريّة التي تتنافس مجتمعة على «وقت» المستهلكين. ويرتبط بذلك على نحو ما النظريّة القائلة إن الرّواية في حقيقتها منتج برجوازي بحت، رافق فترة صعود البرجوازيّة إبان مرحلة الثورة الصناعيّة، وتطور الرأسماليّة في شكلها الحديث خلال القرن الثامن عشر، وإن التركيبة الطبقيّة للمجتمعات اليوم غيّرت من شكل تلك الطبقة على نحو حاسم، جعل من ذلك الشكل الأدبي غير ذي صلة بقيم وثقافة مجتمعها، وخارج سياق تطوره الفكري والعاطفي. ووصف آخرون عقماً إبداعياً أصاب هيكليّة الرواية، بعد سقوط تجربة الحداثة في النصف الثاني من القرن العشرين، بحيث لم تعد قادرة على إعادة طرح ذاتها بأشكال جديدة توافق مزاجات جمهور المتلقّين المعاصرين في مرحلة «ما بعد» الحداثة.

لكن أكاديميين معنيّين بتقصي تاريخ الرّواية الحديثة يجعلون من أزمتها مجرد عَرَضٍ لمناخ تأزّم ثقافي شامل تواجهه الحياة المعاصرة، بعد سقوط كل الطموحات والأفكار الكبرى التي طرحتها الحداثة بداية القرن العشرين، وحالة الإنهاك والتردي الثقافي التي تعيشها في أجواء التّلفيق العام الذي سمّاه البعض ما بعد الحداثة، أو الحداثة السائلة، أو حتى اللاّ - ما بعد الحداثة – كنايةً عن التّناقضات والتّخبطات وانعدام الجديد، فكأنه «عالم مات قديمُهُ، ولمّا يولد جديده بعد»، على حد وصف غرامشي.

بيتر بوكسآل وبريان تشايتي، محررا موسوعة أكسفورد لتاريخ الرّواية الإنجليزيّة (والآيرلنديّة)، في المقابل، وآخرون معهما، يقفان على نقيض من ذلك كلّه، معتبرين أن الرّواية ما زالت رغم كل شيء أهم أدوات البشر لاستطلاع التحولات الثقافيّة والمجتمعيّة، وأن البشر بحاجة دوماً إلى تخيّل المستقبل كي يُمْكِنهم تشكيله، ولا شك عندهما أنه هنالك في صفحات ما، في رواية ما، يولد الآن ذلك «الجديد» الذي طال انتظاره، والذي سيملأ الفراغ الذي تركه موت الحداثة.

لكن بوكسآل نفسه يعترف، في كتاب آخر له، بنوع من فقدان حيويّة الرّواية في مرحلة ما بعد الحداثة، ويفسّر ذلك بأن «النقّاد الأدبيين، الذين يعوّل عليهم دوماً في خلق توتر إيجابي، يتحدى الشكل الأدبي ويطوره، خرجوا من التيار العام، وأصبحوا أكاديميين منعزلين داخل أسوار الجامعات والكتب المتخصصة»، مستقيلين هم وجامعاتهم من مهمتهم التاريخيّة، تاركين السّاحة لنقاد مزيفين وأشباه روائيين (وأشباه روائيّات أيضاً) يفسدون علينا - بسوء ذوقهم - الحياة والثقافة والقراءة والرّواية معاً، دون أن يكون لدى الناس غير المتخصصين مرجعيات يقيسون بها الغثّ من الثمين. فتولى تجار الكتب - لا غيرهم - مسألة تشكيل الذّائقة الأدبيّة العامّة، موظِّفين في ذلك تقنيّات التسويق الحديث وأساليب الترويج التجاري للمنتجات، دون كبير اهتمام بقيمة المحتوى الأدبي.

ولعل ذلك يفسّر - على نحو ما - غياب الألق من روح الرّواية، وتنبؤات العرّافين المتشائمة بموتها القريب، رغم المفارقة في أن ذلك يحدث في وقت تكاثرت فيه أعداد العناوين الصادرة - على افتراض أنها روايات - وتضخّم أرقام المبيع منها.

وجهة نظر بوكسآل أن الرّواية، منذ تشكلها المعاصر في ظل الرأسماليّة، قدّمت للبشر أفضل أداة سيكولوجيّة على الإطلاق للتعاطي مع التغيير شبه الدائم والمتسارع الذي تعيشه المجتمعات بسبب من النظام الرأسمالي ذاته، فهي تعمل كمنطقة عازلة في الحّد الفاصل بين العالم الموجود والعالم الممكن، بين ما نعرفه ونفهمه، وما لا ندرك كنهه بعد، ولذا فإن الرّواية - بشكل أو بآخر - باقيةٌ ما بقي التغيير.

لكن دفاع بوكسآل المستميت هذا يضع يده على موضع جرح الرّواية تماماً. ففي مزاج مرحلة «ما بعد الحقيقة»، التي أوصلتنا إليها مؤسسات الإعلام الجماهيري المعاصر، ومنتجو «الحقيقة» الزائفة في هوليوود و«فيسبوك» و«سي إن إن» و«نيتفليكس»، عندما أصبحت غالبية المُستهلكين قانعة بتقبل الكذب وكأنه حقائق سرمديّة، ما دام متوائماً مع ما اعتادوا على استهلاكه من سرديّات موجهة أساساً لخدمة المنظومة الرأسماليّة المهيمنة، تقلّصت تلك المسافة الفاصلة بين الواقعي والمتخيّل، وبين العالم الحقيقي وذاك المفترض، تلك المساحة التي كانت دوماً فضاء «الرّواية» ومساحتها وملعبها.

لم يعد المستهلك اليوم بعد «ما بعد حقيقتهم» هذه بحاجة لإعمال خياله في تصوّر عوالم أخرى ممكنة، فتجار الآيديولوجيا قاموا بالمهمّة الإبداعيّة بالنيابة عنه، وقدّموا له سرديّات متقاطعة يُسند بعضها بعضاً، ولذا هو يفتح قناة التلفزيون فقط كي يربت المذيع على كتفه طمأنة أن ما قرأه على الإنترنت أو في صحيفته - إذا كان هنالك من لا يزال يقرأ الصحف - هو «الحقيقة» التي شربها دوماً، وأنه لا بأس بالعودة إلى النوم من جديد، وهو أمر لا شك مريح، إذ إن البحث عن الحقائق الموضوعيّة أمر شاق، يعجز معظمنا عن دفع فاتورته. ولذا تحول العمل الروائي إلى مجرد ثرثرة طويلة لا تكاد تختلف عن «تغريدة» فارغة على «توتير» إلا بعدد الأحرف، تكرّس الأوهام ذاتها التي يعيشها المستهلك مسبقاً.

كما قتل لنا رولان بارت المؤلّف جاعلاً للنص حياة مستقلّة عن مبدعها، يأتي تجار «ما بعد الحقيقة» اليوم ليقتلوا لنا النص الروائي أيضاً. يا صديقي دون كيشوت، أي ريح شؤم تلك التي شبت علينا من الغرب؟