الانتخابات الإيرانية... زوايا وآفاق

كيف ترتسم ديناميكيات تصادم قطبي المشهد السياسي أمام خلفية دور المرشد؟

الانتخابات الإيرانية... زوايا وآفاق
TT

الانتخابات الإيرانية... زوايا وآفاق

الانتخابات الإيرانية... زوايا وآفاق

بدأ «ماراثون» انتخابات الرئاسة في إيران قبل موعد تسجيل المرشحين بأشهر تحت تأثير انقسامات سياسية تشهدها البلاد، وذلك وسط تصادم قطبين أساسيين یرفض أي منهما التخلي عن موقعه للآخر في خضم التنافس على الصلاحيات ومؤسسات الدولة والمصالح. لكن هل تعني الانتخابات الإيرانية أن البلاد تعيش حالة ديمقراطية صحية؟
للإجابة عن السؤال لا بد من رؤية الانتخابات الإيرانية من أبعاد غير مألوفة، خصوصاً للقارئ العربي. إذ يتطلب فهم العملية المعقّدة من إيران فك «شفراتها» بتتبّع مسار العملية الانتخابية الإيرانية وعقليتها وطبيعة وظروف انتخابات رئيس أعلى سلطة تنفيذية في الحكومة هذا العام، والآليات المؤثرة في عملية الانتخابات... بما في ذلك دور المرشد الإيراني باعتباره المسؤول الأول في النظام بصلاحيات غير محدودة.
تجرى الانتخابات الرئاسية في إيران هذا العام بالتزامن مع انتخابات المجالس البلدية في خطوة تطبقها السلطات لرفع نسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسية. وكان «مجلس تشخيص مصلحة النظام» قد بدأ دراسة مشروع «تجميع الانتخابات» منذ عام 2002، إثر تراجع ملحوظ في معدلات الإقبال على الاقتراع. ومع تفاقم المشكلة دخل المشروع مراحل أكثر جدية أدت إلى خلافات بين البرلمان و«لجنة صيانة الدستور»، مما تطلب تدخل «مجلس تشخيص مصلحة النظام» قبل إرجاع المشروع إلى المرشد علي خامنئي عام 2006.
راهناً، تشهد إيران كل 4 سنوات انتخابات لاختيار رئيس الجمهورية ونواب البرلمان وأعضاء المجالس البلدية، بينما تُجرى كل 8 سنوات انتخاب «مجلس خبراء القيادة». وتُعد انتخابات الرئاسة و«مجلس خبراء القيادة» انتخابات وطنية، بينما تُعد الانتخابات المخصّصة لمجالس البلدية والبرلمان محلية وتسجّل نسبة كبيرة في المشاركة، وفق الإحصائيات السابقة.
يُذكر أنه في أبريل (نيسان) 2007 رفض البرلمان الإيراني مشروع إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمان بالتزامن، لكنه أقر جمع انتخابات الرئاسة وانتخابات المجالس البلدية، وكذلك أقر انتخابات البرلمان مع انتخابات «مجلس خبراء القيادة». ووافقت «لجنة صيانة الدستور» على تطبيق القانون في يوليو (تموز) 2010. وجاء تطبيق المشروع إثر نسبة المشاركة في العاصمة طهران من نحو 56 في المائة في انتخابات البرلمان الخامس إلى نحو 30 في المائة في انتخاب البرلمان السابع. وأثار تراجع النسبة في الانتخابات التي كانت تجرى منفصلة مخاوف عميقة في السلطة الإيرانية. غير أن تطبيق سياسة الانتخابات المتزامنة عاد فرفع النسبة إلى نحو 50 في المائة بين الناخبين المتمتّعين بشروط الاقتراع. ووفق إحصائية لوزارة الداخلية الإيرانية، فإن 55 مليوناً من أصل 80 مليون ناخب يحق لهم راهناً الاقتراع، بينهم مليون و200 ألف يصوّتون لأول مرة.
من ناحية ثانية، وجهت انتقادات لفكرة تجميع الانتخابات الإيرانية أبرزها تسهيلها أمام السلطات فرص تزوير نسبة المشاركة و«هندسة» العملية الانتخابية وفق مزاجها. وللعلم، هذه هي المرة الثانية التي تجرى فيها انتخابات الرئاسة بالتزامن مع انتخابات البلدية، مع الإشارة إلى أن هذه الأخيرة التي تشمل القرى والمدن هي الانتخابات الأعلى مشاركة، لاعتبارات كثيرة؛ منها التنافس الحزبي والفئوي والقبلي والمناطقي، حسب طبيعة المناطق المختلفة في إيران. وهي الأعلى جذباً لأصوات القوميات التي تستنكف عادة عن الانتخابات التي تجرى على المستوى الوطني.
ومع أن السلطات ترد بأن سياسة التجميع تهدف لتقليص النفقات، فإن تراجع معدلات الإقبال في الانتخابات الوطنية أظهر أن الهاجس الأساسي هو أن تُنشط الانتخابات المحلية الإقبال على الانتخابات الرئاسية.

الإشراف الاستصوابي
تنقسم صلاحيات إجراء الانتخابات بين جهازين؛ الأول هو هيئة الانتخابات الإيرانية التي تتشكل قبل أي استحقاق انتخابي من قبل وزير الداخلية وبموافقة الرئيس وبحضور ممثلين من الأجهزة الأمنية والقضاء. والثاني هو «لجنة صيانة الدستور» التي تعد أقوى أذرع المرشد علي خامنئي للإشراف على الانتخابات.
والجدير بالذكر، أن الدستور الإيراني يضع 6 شروط أساسية لمن يريد الجلوس على كرسي الرجل الثاني في النظام، ويكلف «لجنة صيانة الدستور» بالتأكد من توافر الشروط التالية:
1: إيراني الأصل.
2: رجل سياسي وديني.
3: مدير ومدبّر.
4: حسن السوابق وأمين.
5: يحمل الجنسية الإيرانية.
6: مؤمن بمبادئ النظام والمذهب الرسمي (التشيّع).
في الواقع، فإن دور «لجنة صيانة الدستور» - خصوصاً عبر تطبيق آلية «الإشراف الاستصوابي» - هو الأكثر إثارة للجدل في الانتخابات الإيرانية، وكانت هذه القضية محل نقاش وجدل على مدى 3 عقود ماضية.
وبحسب المادة 99 من الدستور، فإن «اللجنة» مكلفة بالإشراف على انتخابات «مجلس خبراء القيادة» والرئاسة والبرلمان والاستفتاءات العامة. لكن القانون لم يتحدث صراحة عن «الإشراف الاستصوابي».
وتضم «لجنة صيانة الدستور» - التي يحق لها إبطال الانتخابات - 12 عضواً، يختار منهم خامنئي 6 من رجال الدين مباشرة، أما الستة الآخرون فيختارهم رئيس القضاء الذي يعينه بدوره خامنئي. وتملك هذه «اللجنة» صلاحيات رقابية واسعة على تنفيذ كل مراحل الانتخابات الرئاسية ورفض تأييد نزاهة أي مرحلة يعني بطلانها. وحسب الدستور، فإنه على «اللجنة» تطبيق سياسة «الإشراف الاستصوابي» التي تعني التدقيق في شروط الترشح، وبالأخص، إبعاد من لا يؤمنون بولاية الفقيه وأركان النظام عن تولي مناصب كبيرة. ويشكل «الإشراف الاستصوابي»، عملياً، أكبر إشكالية في الانتخابات لأنه يناقض روح الاختيار الحر ويعطل حرية الترشح، مما يعزز تهمة «هندسة الانتخابات» ونتائجها.
والحقيقة أن «الإشراف الاستصوابي» من القضايا الشائكة التي تطوّرت بعد وصول خامنئي إلى منصب المرشد الأعلى في سياق تحوّل ولاية الفقيه إلى ولاية الفقيه المطلقة. ومنذ ذلك الحين، أخذت منحى جديداً منذ انتخابات البرلمان الرابع 1991. فمذاك، بدا الانقسام في المؤسسات بين ما اصطلح على تسميته بـ«اليسار» (الإصلاحيون) واليمين (المحافظون) في النظام.
بعد معرفة هوية المرشحين، بدأ العد العكسي للانتخابات الإيرانية، وحقاً، لم تأتِ القائمة بمفاجآت على صعيد المرشحين. إذ ترك موقف خامنئي السلبي من ترشح الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد أثره البالغ على الطلب الذي تقدم به، لكن «لجنة صيانة الدستور» لم تتردد في إشهار البطاقة الحمراء لخروجه من أوسع أبواب المعركة.

ظاهرة «التصويت السلبي»
من ناحية ثانية، أدى تحكُّم «لجنة صيانة الدستور» بقوائم المرشحين بالاستحقاقات الانتخابية الأخيرة إلى تنامي ظاهرة «التصويت السلبي» (أو التكتيكي)، أو ما يُعرف بـ«سيناريو» الاضطرار لتفضيل «السيئ على الأسوأ» (أهون الشرّين). ولقد نجحت جمعيات المجتمع المدني وجهات سياسية مقرّبة من التيار الإصلاحي بشكل غير مباشر في إقناع الشارع الإيراني بجدوى هذا الخيار بدلاً من المقاطعة الشاملة. ويُذكر أن الرئيس الحالي حسن روحاني نجح في الانتخابات الأخيرة بتخطي منافسيه سعيد جليلي ممثل المرشد في مجلس الأمن القومي، ومحمد باقر قاليباف عمدة طهران. وكان الشعار، يومذاك، هو منع فوز مرشحين قد يسيرون على خطى الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.
وتكررت الظاهرة في العام الماضي مع انتخابات «مجلس خبراء القيادة»، عندما انتشرت حملة في مواقع التواصل الاجتماعي لإبعاد 3 من رجال الدين المتشددين من أعلى مجلس يضم رجال الدين. ودعمت تلك الحملة قائمة الرئيس السابق علي أكبر هاشمي رفسنجاني ضد 3 مرشحين؛ هم مصباح يزدي - أهم الوجوه المحافظة في البلاد -، ورئيس المجلس سابقاً محمد يزدي، ورئيس «لجنة صيانة الدستور» أحمد جنتي. ونجحت الحملة في إقصاء مصباح ومحمد يزدي، بينما تمكّن جنتي من دخول المجلس والجلوس على كرسي الرئاسة مع أنه حل في المرتبة الأخيرة في دائرة طهران الانتخابية. والواضح الآن أن خيار «التصويت السلبي» سيكون مطروحاً أمام الإيرانيين مرة أخرى لإبعاد المرشحين الأكثر ولاءً لخطط النظام على الصعيدين الداخلي والخارجي.

الأطياف السياسية المؤثرة
في هذه الأثناء، رغم وجود تيارات تعرف بتسميات كالمحافظين والإصلاحيين والمعتدلين، ما زالت الانتماءات الحزبية غائبة عن القائمة الانتخابية التي مرّت من ثقوب غربال «مجلس صيانة الدستور». وليس بين المرشحين الستة سوى مرشح واحد يرتبط اسمه بحزب سياسي، وهو المرشح المحافظ مصطفى ميرسليم عضو اللجنة المركزية في «حزب مؤتلفة الإسلامي».
قبل تدشين المعركة الانتخابية رسمياً، حذّر خامنئي من انقسام إيران إلى قطبين، وكانت المخاوف من تعميق الخلافات الداخلية حجته لإغلاق الباب بوجه أحمدي نجاد قبل أشهر من الانتخابات. ولقد قال خامنئي في خطاب له إن همه منع التلاعب بالنتائج والتصدي للجهة التي تريد انحراف مسار الانتخابات. لكن دخول البلاد الأجواء الانتخابية وتقدم طلبات المرشحين أكد وجود الانقسام، خصوصاً، بعد قبول «لجنة صيانة الدستور» ترشيحات 3 من «المحافظين» ومثلهم من «الإصلاحيين». وخلال فترة الإعداد، حاول التياران استغلال الأزمات الآخذة بالاتساع على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، ولعب كل منهما دور المدافع عن حقوق الشعب ضد تخبط الطرف الآخر في الإدارة. وهذا وسط تحذيرات من مخاطر الرهان على الأزمات الاجتماعية في التنافس السياسي.

روحاني وجهانغيري
ينتظر الرئيس الحالي حسن روحاني موعد الانتخابات بفارغ الصبر، ممنياً نفسه بأن تترجم توقعات الإصلاحيين على أرض الواقع، فتمتد فترة بقائه لأكثر من الشهر المتبقي من فترة رئاسته الأولى. وتحظى برامج روحاني بتأييد تحالف المصالح المشتركة بين «المعتدلين» و«الإصلاحيين» في سياق التعافي من سنوات النكبة التي بدأت منذ فوز أحمدي نجاد بفترة رئاسية ثانية.
المحللون يرجّحون ألا يمانع خامنئي باستمرار الرئيس الحالي في منصبه لأربع سنوات مقبلة، ولكن شرط أن يكون في موقف ضعيف. وهذا الانطباع له ما يسنده على أرض الواقع إذا ما ألقينا نظرة سريعة على خطابات المرشد عقب توقيع الاتفاق النووي في يوليو 2015 ودخوله حيّز التنفيذ عام 2016. ورغم الحرب الكلامية والطعنات غير المباشرة التي وجهها روحاني إلى المرشد، فإن العلاقة بينهما لم تتدهور إلى حد تهديد روحاني بطرح الثقة في البرلمان، كما حصل للرئيس السابق أحمدي نجاد عقب حادثة إقالة وزير الاستخبارات حيدر مصلحي الشهيرة... التي أبطلها خامنئي بتدخله المباشر. ومن جانب آخر، يقول البعض إن لعبة روحاني في هذه الانتخابات مكشوفة، وربما كانت آخر محاولة له في اليوم الأخير من تسجيل المرشحين للانتخابات الرئاسية كانت دخول نائبه إسحاق جهانغيري قائمة المرشحين. وأظهرت المناظرة الأولى التي أجريت يوم الجمعة 28 أبريل الماضي بين المرشحين الستة صواب قرار إقحام جهانغيري إلى جانب روحاني، إذ كان جهانغيري نجم المناظرة الأولى بلا منازع.
حالياً يحظى كل من روحاني وجهانغيري بتأييد «اللجنة العليا لتعيين سياسات التيار الإصلاحي» التي تعد خيمة أهم الأحزاب الإصلاحية. ولقد تشكلت هذه اللجنة قبل 5 أشهر من انتخابات البرلمان في فبراير (شباط) 2016. ويوم الأربعاء، أعلن الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي دعمه ترشح روحاني لفترة رئاسية ثانية. ومع أن بيان خاتمي لا يحمل جديداً، فإن من شأنه منح دفعة لـ«الإصلاحيين»، وخصوصاً أولئك الذين يفكرون بمقاطعة الانتخابات. وفي الوقت نفسه، يبدد الشكوك حول ميل قيادات ضمن الإصلاحيين إلى التصويت لجهانغيري.
ويتطلع روحاني لمواصلة ما بدأه في الحكومة الحالية، وهو أن يخفف التوتر مع المجتمع الدولي من أجل بناء علاقات تجارية تساعد في تطوير الاقتصاد الإيراني وتحسين الأوضاع الداخلية المتأزمة، غير أن تطلعاته قد تصطدم بنيات المرشد وسلوك «الحرس الثوري» في تجربة الصواريخ وسياسة «تصدير الثورة» عبر التدخلات الإقليمية... وهو ما يشكل عامل ضغط على الجهاز الدبلوماسي في الجمع بين تطلعات «الإصلاحيين» و«المعتدلين» من أجل التنمية والشعارات الثورية التي يردّدها «المحافظون».

«المحافظون المعتدلون»
من جهة أخرى، على غرار السنوات الأربع الماضية، قرر ما يسمى طيف «المحافظين المعتدلين» أن يعطي ظهره للمعسكر المحافظ ويختار الوقوف مع الرئيس المنتهية ولايته حسن روحاني. هذا الطيف يملك أكبر رصيد تحت قبة البرلمان الحالي، ويدين بالولاء لرئيس البرلمان علي لاريجاني الذي يجيد جمع المستقلين في قائمة واحدة تابعة له. والشخص الثاني المهم هنا هو رئيس البرلمان الأسبق علي أكبر ناطق نوري، حليف علي أكبر هاشمي رفسنجاني في سنواته الأخيرة. ومن شأن هذا التأييد أن يزعج معسكر «المحافظين» الذين كانوا يراهنون على صمت لاريجاني وناطق نوري.
إزاء هذا الواقع، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلنت أبرز التيارات المحافظة تشكيلها «الجبهة الشعبية للقوى الثورية» (جمنا). وأبرز أهداف هذا التجمع الجديد عودة «المحافظين» إلى تشكيل الحكومة بتوجهات راديكالية. وتضم «جمنا» اليوم في اللجنة المركزية 30 شخصية بارزة من «المحافظين» من القادة السابقين في «الحرس الثوري» محسن رضايي ومحمد باقر ذو القدر. ومن الشعارات الأساسية التي ردّدتها «جمنا» محاربة الفساد، وهو الشعار الرئيسي للمرشحين المحافظين محمد باقر قاليباف وإبراهيم رئيسي. ويقول متابعون إن «جمنا» من مشاريع «المحافظين» الأساسية لفرض سياسات «العسكرة» وتطبيق نموذج «الحرس الثوري» في كل مؤسسات الدولة الإيرانية، بما فيها الحكومة. وفي ظل إصرار خامنئي على تطبيق وجهات نظره تحت عنوان «الاقتصاد المقاوم» تغدو «عسكرة» الاقتصاد تحت رئاسة المحافظين أمراً وارداً.
وفي السياق ذاته، فإن وجود قادة من «الحرس الثوري» في اللجنة المركزية لـ«جمنا» التي انطلقت قبل أشهر قليلة من الانتخابات أثار مخاوف المعسكر الآخر من «هندستها» بتدخل من «الحرس الثوري». وبالفعل، دعا روحاني المسؤولين في خطاب له أمام مؤتمر الهيئات التنفيذية للانتخابات خلال فبراير الماضي إلى فضح تدخل أي جهاز عسكري في العملية الانتخابية. ذلك الخطاب دفع قائد «الحرس الثوري» محمد جعفري لتوجيه أوامر تمنع أياً من منتسبي «الحرس» والإمكانيات التابعة له من توظيفها لصالح حملة مرشح خاص. كما أعلن «الحرس» في بيان أن محمد باقر ذو القدر استقال من عضويته قبل سنوات.
بعد ذلك، في أعقاب مؤتمرين، أعلنت «جمنا» ترشيحها 5 لانتخابات الرئاسة، ولكن استقر العدد لاحقاً على 3؛ هم عمدة طهران محمد باقر قاليباف وإبراهيم رئيسي والنائب علي رضا زاكاني الذي رفضت «لجنة صيانة الدستور» ترشحه. وراهناً تعد جبهة «بايداري» أبرز مؤيدي «جمنا»، وإن أوحى الاختلاف حول ترشح سعيد جليلي بوجود خلاف بينهما. وكانت جبهة «بايداري» قد فرضت سيطرتها كاملة على أعلى مستويات السلطة إبان رئاسة أحمدي نجاد. وخرج من تحت عباءة محمد تقي مصباح يزدي، «الأب الروحي» لـ«بايداري» وأبرز رجال الدين المحافظين، شخصيات مثل محمود أحمدي نجاد وسعيد جليلي في السنوات الأخيرة. ولكن «بايداري» لم تظهر ميولاً واضحة بعد اختفاء جليلي من قائمة المرشحين إلا تغيير بوصلتها نحو رئيسي، إذ حاولت التقرب من رئيسي بعد إغلاق باب المحافظين على جليلي «الابن البار» لمصباح يزدي. وبعكس ذلك انقلبت «بايداري» على أحمدي نجاد وعارضت دخوله للانتخابات ضد إرادة خامنئي. والمعتقد الآن أنها تراهن على أن المستقبل يحمل رئيسي إلى خلافة خامنئي. ثم يوم الأربعاء الماضي أصدرت «بايداري» بياناً دعت فيه إلى «انسحاب الصالح من أجل الأصلح، ومن لم يفعل ذلك فإنه خائن». وكانت هذه الرسالة تستهدف قاليباف، بدليل أنه خلال الأيام الأخيرة نشط موقع «رجا نيوز» بشدة لإظهار رئيسي على أنه الشخصية المفضلة للتيار المحافظ.

حزب جماعة مؤتلفة الإسلامي
تبقى أخيراً، الإشارة إلى حزب جماعة مؤتلفة الإسلامي، وهو من أقدم الأحزاب الإيرانية المحافظة، إذ يعود تأسيسه لعام 1963. ويجمع الحزب ضمن صفوفه تحالف رجال الدين وكبار التجار في سوق (بازار) طهران، ولقد عاد الحزب مرة أخرى إلى نشاطه القديم بعد ترشح عضو لجنته المركزية مصطفى ميرسليم.
ما يستحق الذكر أن دور هذا الحزب تراجع عام 2013 بعد وفاة حبيب الله عسكر أولادي مسلمان، أكبر تجار إيران، وهو ابن تاجر يهودي تحوّل إلى الإسلام. وبقى الحزب على هامش القوى المحافظة، لكنه لعب دوراً أساسياً في قيادة هذا التيار وشغل أعضاؤه مناصب وزارية بحكم نفوذه في أوساط التجار. وعلى الصعيد السياسي، أعلن الحزب تأييده لأحمدي نجاد، وكان أبرز داعميه خلال 8 سنوات بحكم ما يتردد عن قرابة الدم بين أحمدي نجاد والإخوة عسكر أولادي. وبعدما رشح عسكر أولادي مرتين من قبل، يشغل شقيق عسكر أولادي، أسد الله عسكر أولادي اليوم رئاسة الغرفة التجارية الإيرانية - الصينية، وهو من أبرز تجار إيران حالياً.



الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.