إيمانويل ماكرون... «سوبر ستار» فرنسي

لمن تقرع أجراس باريس مساء غد؟

إيمانويل ماكرون... «سوبر ستار» فرنسي
TT

إيمانويل ماكرون... «سوبر ستار» فرنسي

إيمانويل ماكرون... «سوبر ستار» فرنسي

في الساعة الثامنة تماماً من مساء غد (الأحد)، ستظهر على شاشات التلفزة الفرنسية صورة الرئيس (أو الرئيسة) المقبل لفرنسا الذي سيتسلم من الرئيس المنتهية ولايته فرنسوا هولاند مقدرات البلاد لخمس سنوات، قابلة للتجديد مرة واحدة. وبما أن الأخير أعلن أكثر من مرة أنه سيمارس صلاحياته الرئاسية حتى آخر لحظة من عهده، فمن المنتظر أن تجري عملية التسلم والتسليم في قصر الإليزيه يوم الأحد 14 مايو (أيار)، وهو تاريخ انتهاء ولاية هولاند. وإذا ما تم العمل بهذا السيناريو، فإنها ستكون المرة الأولى التي تحصل فيها هذه العملية يوم أحد منذ 110 سنوات. ذلك أنه خلال 170 سنة من عمر الجمهورية الفرنسية، فقد جرت مرة واحدة يوم الأحد 18 فبراير (شباط) في عام 1906 مع تسلم الرئيس آرمان فاليير مهامه الرئاسية.
حتى طباعة هذه السطور، كانت المؤشرات كلها تدل على أن مرشح الوسط إيمانويل ماكرون سيحقق حلمه ليصبح بعد ساعات الرئيس الثامن لـ«الجمهورية الخامسة» في فرنسا؛ إذ إن استطلاعات الرأي تجمع على أنه سيكون الفائز في هذه المبارزة الانتخابية بفارق مريح (60 في المائة مقابل 40 في المائة لمنافسته مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان) يتجاوز هامش الخطأ في هذا النوع من الاستطلاعات (ما بين 2.5 و3 نقاط في المائة).
ما يرسخ قناعة مناصري ماكرون بأن «المبارزة» التلفزيونية التي تواجه فيها مع لوبان مساء الأربعاء الماضي حسمت لصالحه. ومقابل عنف منافسته وإقدامها منذ اللحظات الأولى من المناظرة على كيل سيل من الاتهامات، لا بل الشتائم، نجح ماكرون في المحافظة على هدوئه من غير ضعف وبدأ دوماً ساعياً لشرح برنامجه الانتخابي والتدابير التي ينوي اعتمادها لإخراج فرنسا من محنتها.
لقد بدأ المرشح الشاب متمكنا من ملفاته الاقتصادية والاجتماعية، بينما اكتفت لوبان بتكرار مواقف عامة وعناوين حرص ماكرون على تفنيدها. والأسوأ من ذلك بالنسبة لمرشحة اليمين المتطرف أنها بدت متأرجحة وغير واثقة مما تقوله في موضوع أوروبا والعملة الموحّدة. وفي ملفات الإرهاب والأمن والهجرة والإسلام، التي كانت لوبان تعوّل عليها لسد الفجوة التي ما زالت تفصلها عن ماكرون، نجح الأخير إلى حد كبير في الرّد عليها. كذلك، لم تنفع اتهاماتها له بأنه «مرشح النخبة والبورصات وأسواق المال»، وبأنه «منبطح» أمام المستشارة الألمانية، ولا يعرف هموم الشعب وأنه مرشح هولاند... وآخر ما تفتق به ذهنها الإيحاء، خلال المناظرة التلفزيونية، بأن ماكرون يملك حسابات «أوف شور» سرية في جزر الباهاما.

«لمسات» موسكو؟
وجاءت اتهامات «آخر لحظة» على خلفيات أخبار وكتابات وردت في مواقع إلكترونية أميركية. وكان رد ماكرون قاطعاً؛ إذ نفى بقوة امتلاكه أي حساب في الخارج، وفي اليوم التالي للمناظرة، وبعدما شهد يوم الخميس انتشاراً واسعاً لهذه الشائعات، تقدم ماكرون بشكوى إلى القضاء الفرنسي الذي بادر فوراً إلى فتح تحقيق بالنظر إلى خطورة الاتهامات، وما يمكن أن تفضي إليه من تأثير على الناخبين الفرنسيين. وبحسب معلومات للفريق الإلكتروني العامل مع ماكرون، فإن أولى الشائعات انطلقت من الولايات المتحدة عبر مواقع عملت لصالح دونالد ترمب في انتخابات الرئاسة الأميركية. أما في فرنسا، فقد تلقفتها مواقع قريبة من الدوائر الروسية الرسمية التي اعتادت أن تنشر تقارير وكالة «سبوتنيك» أو مجموعة «روسيا اليوم» الروسيتين.
الواضح أن فريق لوبان لعب في الساعات الماضية ورقته «الأخيرة» لوقف تقدم ماكرون نحو قصر الإليزيه. بيد أن المراقبين يستبعدون أن تنجح خطته في تغيير مسار الأحداث بنهاية معركة انتخابية ربما تكون الوحيدة من نوعها في تاريخ الرئاسيات الفرنسية. ونجاح ماكرون - إذا تحول إلى واقع - ووصل إلى رئاسة الجمهورية، سيكون مثالاً يُدرّس في معاهد العلوم السياسية. كذلك، فإن مجريات الحملة الانتخابية وتطوراتها بمجملها كانت أشبه بمسرحية كثيرة المفاجآت، ومن تداعياتها إعادة تشكيل المشهد السياسي في فرنسا، وستظهر مؤشراته الأولى بدءا من مساء الأحد؛ لأن الانتخابات التشريعية (البرلمانية) ستجرى في يونيو (حزيران) المقبل ومصيرها سيكون له تأثير بالغ على مسار العهد الجديد. ذلك أن ماكرون سيكون في حاجة إلى أكثرية برلمانية ليحكم. والسؤال المطروح: ممن ستتشكل هذه الأكثرية، خصوصاً أن كثيرين ممن سيقترعون له غداً، وسيمكنونه من الرئاسة، سيكونون فعلوا ذلك ليس من باب تبني برنامجه... بل لقطع الطريق على لوبان.

قصة نجاح
في شهر أبريل (نيسان) من العام الماضي، أطلق إيمانويل ماكرون - وزير الاقتصاد حينذاك - حركة سياسية فرنسية جديدة سماها «إلى الأمام». عندها بدأ المعلقون السياسيون يتحدثون عن الطموحات الرئاسية للشاب البالغ من العمر 38 سنة.
وشيئاً فشيئاً، حمي وطيس الجدل بين فريق يقول إنه «لن يجرؤ» على الترشح ضد الرئيس هولاند لأنه «صنيعته». ذلك أن الرئيس الاشتراكي هو من أخرجه من المجهول أولاً، عندما عيّنه مستشاراً اقتصاديا له بناءً على نصيحة من جاك أتالي، المستشار الخاص للرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا ميتران. وبعدما فاز هولاند بالرئاسة، انتقل ماكرون - خريج المعهد الوطني للإدارة - معه إلى الإليزيه ليكون نائب مدير عام الرئاسة، مع الاستمرار في عمله مستشارا اقتصاديا. أما الخطوة اللاحقة، فقد تمّت عندما كلفه بتولّي حقيبة وزارة الاقتصاد في حكومة مانويل فالس ليغدو أصغر وزير فيها. لمجموع هذه الأسباب، لم يكن متوقعاً أن ينافس ماكرون ولي نعمته، ولا سيما، أن رؤساء الجمهورية في فرنسا، يميناً ويساراً، دأبوا على الترشح لولاية ثانية يتيحها الدستور. فالجنرال شارل ديغول، أول رئيس لـ«الجمهورية الخامسة»، حكم لولايتين، لكنه لم يكمل الثانية بسبب «الثورة الطلابية» وأحداث مايو 1968، ومن ثم وخسارته للاستفتاء الخاص بإدخال إصلاحات سياسية وإدارية ففضّل الاستقالة. وحل بعد ديغول في قصر الإليزيه، رئيس حكومته جورج بومبيدو. إلا أن مرض السرطان لم يمكنه من إكمال ولايته الأولى فتوفي إبان رئاسته. ولكن في عهد بومبيدو لمع اسم وزير الاقتصاد والمال وسليل عائلة أرستقراطية من وسط فرنسا هو فاليري جيسكار ديستان الذي فاز بالرئاسة عام 1974 على منافسه الاشتراكي فرنسوا ميتران. لكن جيسكار - كما يسميه الفرنسيون - أخفق في عام 1981 في الفوز بولاية ثانية. وكانت النتيجة وصول غريمه الاشتراكي ميتران إلى القصر الرئاسي لولاية من سبع سنوات، أعقبها فوزه بولاية ثانية انتهت عام 1995. ومثل ميتران، نجح «الديغولي» جاك شيراك في أن يحكم فرنسا لولايتين، ولقد فاز بالثانية عام 2002 بنسبة 80 في المائة وكان منافسه يومذاك جان ماري لوبان، زعيم «الجبهة الوطنية» اليمينية المتطرفة ووالد المرشحة الحالية مارين لوبان. ومن ثم، انتقلت الرئاسة من شيراك إلى يميني آخر هو نيكولا ساركوزي. لكن الأخير أخفق عام 2012 في الحصول على ثقة الفرنسيين مرة ثانية، فخسر الانتخابات لتذهب الرئاسة إلى الاشتراكي فرنسوا هولاند.

ماكرون «الظاهرة»
يجمع المحللون السياسيون على أن هولاند كان ينوي السير على خطى مَن سبقه في الترشح لولاية ثانية. إلا أن ضعفه السياسي، قبل عام من الاستحقاق الانتخابي بسبب غياب النتائج الاقتصادية والاجتماعية الإيجابية، واتباعه سياسة ليبرالية مخالفة لوعوده الانتخابية، وأخطاءه الشخصية، قلّصت حظوظه في الترشح والفوز. لكن الشعرة التي قصمت ظهر البعير جاءت عندما أعلن «ربيبه» ماكرون في أغسطس (آب) الماضي ترشحه للرئاسة بغض النظر عما سيقرّره هولاند. وعمد وزير الاقتصاد السابق إلى الاستقالة من منصبه الوزاري ليتفرّغ لمعركة ترشحه. ثم رئيس الحكومة الشاب برر طموحاته باعتباره أن ضعف هولاند سياسيا يفتح له - أي ماكرون - الباب واسعاً للترشح. وخسارته الانتخابات الداخلية بوجه منافسه بونوا هامون، ممثل التيار اليساري في الحزب الاشتراكي، أزاحته من المنافسة حقاً... وأوجدت المساحة السياسية التي يحتاج إليها ماكرون. وهذا، الأخير، في هذه الأثناء، أراد تخطي الاصطفافات التقليدية بين اليمين واليسار، وعلى جانبيهما اليمين المتطرف واليسار المتشدد. مع هذا، رأى كثيرون أن ماكرون مجرد «فقاعة إعلامية» أو «مرشح افتراضي» أو حتى «صنيعة مؤسسات استطلاع الرأي». وبناءً عليه؛ لن يصمد في السباق الانتخابي لأنه سيعجز عن إثبات وجوده في وجه أحزاب متجذّرة في المجتمع الفرنسي، ولها «ماكيناتها» السياسية والإدارية والتنظيمية. يمثل صعود ماكرون ظاهرة سياسية حقيقية في المجتمع الفرنسي. فهو، بداية، يعكس رغبة التجديد والانفتاح رغم وصف منافسيه له بأنه «مرشح البورصة» و«أوليغارشيا المال»، أو أنه «الطفل المدلل» للوسائل الإعلامية القوية ولأرباب العمل. وتذهب منافسته مارين لوبان أبعد من ذلك فلا تتردد في وصفه بـ«مرشح الخارج» و«المجموعات الإسلامية» و«المهاجرين»، وتتهمه بالتخلي عن «الهوية الفرنسية»... إلى غير ذلك من النعوت التي يراد منها نزع الشرعية عنه.

هذه هي السياسة
لكن الواقع، أن ماكرون، الذي من المرجح له أن يكون الرئيس المقلل لفرنسا، نجح في التسويق لخط سياسي اقتصادي ليبرالي أوروبي من دون أن يتخلى عن أساسيات توفير الحماية للمواطن والمحافظة على الضمانات الاجتماعية الأساسية في المجتمع الفرنسي. والتحدي الكبير أمامه إذا ما أصبح الرئيس الثامن للجمهورية، هو النجاح في تأمين أكثرية نيابية تدعم عمله في مجلس النواب وتوفر الاستقرار السياسي الضروري من أجل إنجاز الإصلاحات التي وعد المواطنين بها. غير أن انتخاب ماكرون - في حال فاز - لن يعني بالضرورة، كما سبقت الإشارة، تبنيا له أو لبرنامجه، بل إنه في جزء كبير منه لقطع الطريق على مارين لوبان مرشحة اليمين المتطرف... ولتلافي أن تغدو فرنسا أول دولة غربية كبرى يحكمها اليمين المتطرف. والمفهوم أن لهذا الأمر تبعات تهدد البناء الأوروبي والعملة الموحّدة، وتعزز صعود القومية المتعصبة، وتروّج الخطاب الشعبوي المعادي للمهاجرين والإسلام، وتحفّز لقيام سياسات حمائية، وإلغاء اتفاقية التنقل الحر المعروفة باسم «اتفاقية شينغن»، فضلا عن الإساءة لصورة فرنسا ومكانتها وسمعتها بصفتها أول دولة في العالم كرّست في نص مكتوب شرعة حقوق الإنسان.
بكلام آخر، فإن وصول لوبان من شأنه أن يدشّن عصراً غامضاً مليئاً بالمطبات الخارجية والداخلية.

الوريثة العقوق
في المقابل، منذ بداية الحملة الرئاسية، دأبت مارين لوبان على تمييز ترشحها عن الآخرين؛ إذ إنها تقدم ذاتها على أنها «ضد النظام» القائم، وأنها «مرشحة الشعب». لكن حقيقة الأمر أنها «الوريثة السياسية» الوحيدة من بين مرشحي الدورة الأولى الـ11؛ حيث إن لوبان ورثت رئاسة حزب «الجبهة الوطنية» من والدها الذي تخاصم مع قدامى رفقائه لتنصيبها زعيمة له، ولتصبح بشكل آلي مرشحته للرئاسة. المرة الأولى كانت في عام 2012، والمرة الثانية في 2017.
كذلك، فإن قول لوبان أنها «ابنة الشعب» ومرشحته يجافي الحقيقة؛ إذ إنها عاشت منذ ولادتها في قصر ورثه والدها بطريقة غامضة من أحد قدامى أثرياء «الجبهة الوطنية»، كما ورث أمواله وأصبح بالتالي غنياً.
مع هذا، تخاصمت لوبان لاحقا مع والدها لأنها برأيه «حادت» عن خط الجبهة وتبنّت مساراً «معتدلا». وذهبت الأمور إلى المحاكم، ونزعت عنه الرئاسة الفخرية كما سعت الابنة إلى إخراج أبيها من الحزب لأنها وجدت أنه تحوّل إلى عائق في طريقها إلى السلطة. وربما ما يجمع بين المرشحين ماكرون ولوبان أن كليهما تصدق عليهما حالة «قتل الأب» الرمزية. فالأول قضى على آمال أبيه الروحي فرنسوا هولاند، والثانية «حيّدت» والدها ووضعته عملياً على الرف. وبالنسبة للوبان، قامت استراتيجيتها فعلياً على «تطبيع» وضع «الجبهة» وتحويلها إلى حزب كبقية الأحزاب الفرنسية أكانت يمينا (الجمهوريون) أو يساراً (الاشتراكيون). وخلال السنوات السبع التي انقضت على ترؤسها «الجبهة»، استفادت لوبان من أخطاء الأحزاب التقليدية، ونجحت في توسيع قاعدتها الانتخابية، ولقد برز ذلك في الانتخابات الإقليمية والمحلية. إلا أن البرلمان الفرنسي بقي عصيا على «الجبهة» المتطرفة التي لم تنجح إلا في إيصال نائبين في الانتخابات التي أجريت قبل خمس سنوات. ولذا؛ فإن حلول لوبان في المرتبة الثانية خلال الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية ليس سوى «ترجمة» لتقدمها المستمر منذ 2011؛ وبذا تكون لوبان «الظاهرة» الانتخابية الثانية؛ إذ إن «الجبهة الوطنية» تحولت إلى ثاني قطب سياسي وضع حدا مع إيمانويل ماكرون لـ«الثنائية القطبية» القديمة القائمة على تداول السلطة بين يمين تقليدي ويسار اشتراكي.
وإذا لم تصل لوبان إلى قصر الإليزيه هذه المرة، فإنها على الأقل اجتازت أكثر من نصف الطريق التي تفصلها عنه. فضلا عن ذلك، لم يعد من الصعب على «الجبهة» أن تحصل في الانتخابات التشريعية التي ستجرى في يونيو المقبل بعد أقل من شهر على الرئاسيات، على عدد كاف من النواب لتكوين مجموعة مستقلة تحت قبة البرلمان؛ الأمر الذي سيضمن لها حضورا سياسيا ونيابيا، ويمكّنها من التغلغل أكثر فأكثر في شرايين الدولة الفرنسية. وبعدما كان محازبو اليمين المتطرف يخفون انتماءهم لهذا التيار الفكري والسياسي وتبنيهم آيديولوجيته، فإنهم اليوم يعلنون جهاراً انتماءهم له... ما يعني أن كسر الحاجز النفسي الذي كان يحول دون تقدّم فكر اليمين المتطرف وتغوّله. وجاءت الأعمال الإرهابية التي ضربت فرنسا في العامين الأخيرين، معطوفة على موجات الهجرة المكثفة باتجاه أوروبا، لتنفخ في أشرعة اليمين المتطرف ولتضعه على أبواب السلطة.

السقف الزجاجي
تعبير «السقف الزجاجي» سياسيا يعني في اللغة الفرنسية وجود «حاجز» غير مرئي يحول دون وصول حزب أو حركة إلى موقع معين. والمقصود في حالة «الجبهة الوطنية»عجز مارين لوبان عن الوصول إلى رئاسة الجمهورية لأسباب تتعلق بتطرف «الجبهة» وماضيها وبالاسم الذي تحمله. لكن المراقبين يلاحظون أنه عندما تأهل جان ماري لوبان للجولة الثانية في انتخابات الرئاسة عام 2002، سارت المظاهرات الشعبية في الشوارع، وتوافقت كل الأحزاب يميناً ويساراً على التصويت ضده. أيضا اللافت أن الأجهزة الإعلامية كانت تقاطع جان ماري لوبان.

غير أن الصورة تبدّلت الآن
ابنة مؤسس «الجبهة الوطنية» موجودة ملء السمع والبصر على شاشات كل القنوات التي تتنافس على دعوتها. وما يصح على الإعلام المسموع والمرئي يصح أيضا على الصحافة المكتوبة؛ الأمر الذي يبين مرة أخرى أن نظرة الناس إلى اليمين المتطرف قد تغيرت. وثمة أشخاص يرون أن اليمين واليسار قد أخفقا، فلماذا الامتناع عن تجربة شيء جديد؟
أضف إلى ذلك، أن الاتفاق على برنامج «حكم مشترك» الذي أبرمته لوبان مع نيكولا دوبون دينيان، مرشح حزب «فرنسا انهضي» اليميني المتشدد - الذي يدعي أنه ديغولي الهوى والسياسة -، وهو أول اتفاق تبرمه «الجبهة» مع رئيس حزب، بيّن أن لوبان تريد أن تطبع في عقول الناس أنها أصبحت «جاهزة» لتولي أعلى المسؤوليات في الجمهورية الفرنسية.
وبموازاة ذلك، فإن تردد بعض قادة اليمين في الدعوة الصريحة للاقتراع لصالح ماكرون، وفتور اليسار الاشتراكي، وتردد - لا بل امتناع - مرشح اليسار المتشدد جان لوك ميلونشون عن القيام بذلك، دلائل تظهر بشكل واضح أن «الجبهة الجمهورية» التي تصدّت بنجاح في الماضي للوبان «الأب» غير قائمة عملياً اليوم في وجه لوبان «الابنة»؛ وهو ما يجعل الأبواب مفتوحة على الكثير من الاحتمالات.
حتى الساعة، يبدو شبه مؤكد أن فرنسا لن تسلم مفاتيح القيادة هذه المرة لزعيمة اليمين المتطرف. لكن، رغم ذلك، فإن «الجبهة الوطنية» تحوّلت تحت قيادتها إلى لاعب رئيسي على الساحة الفرنسية، وستكون الانتخابات التشريعية فرصة لها لإرسال مجموعة واسعة من النواب إلى البرلمان. ففرنسا التي تداول على حكمها اليمين التقليدي واليسار المعتدل أصبحت اليوم من الماضي. وبعد الثنائية القطبية، تفتت المشهد السياسي وهو اليوم في طور إعادة التركيب والترتيب.
إنها ولادة عسيرة تأتي بعد مخاضات مؤلمة، ليس فقط لزعيمة اليمين المتطرف التي اعتقدت أن دورها قد حان للوصول إلى السلطة، ولكن أيضاً وخصوصاً، لمن غابوا عن التنافس في الجولة النهائية (اليمين مع حزب الجمهوريين واليسار مع الحزب الاشتراكي)، وهم يحلمون بأن تفتح لهم الانتخابات التشريعية الباب للعودة إلى مواقعهم المألوفة.



الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.