روحاني يتهم {الحرس الثوري} بعرقلة الحكومة عبر برنامج الصواريخ

الاتفاق النووي والسياسة الخارجية محورا المناظرة الرئاسية الثانية... الحكومة تواصل الدفاع ضد هجوم المحافظين

ثاني مواجهة تلفزيونية بين المرشحين الستة للانتخابات الرئاسية الإيرانية قبل أسبوعين من موعد التصويت (إ.ب.أ)
ثاني مواجهة تلفزيونية بين المرشحين الستة للانتخابات الرئاسية الإيرانية قبل أسبوعين من موعد التصويت (إ.ب.أ)
TT

روحاني يتهم {الحرس الثوري} بعرقلة الحكومة عبر برنامج الصواريخ

ثاني مواجهة تلفزيونية بين المرشحين الستة للانتخابات الرئاسية الإيرانية قبل أسبوعين من موعد التصويت (إ.ب.أ)
ثاني مواجهة تلفزيونية بين المرشحين الستة للانتخابات الرئاسية الإيرانية قبل أسبوعين من موعد التصويت (إ.ب.أ)

اتهم الرئيس المنتهية ولايته حسن روحاني الحرس الثوري بمحاولة نسف الاتفاق النووي عبر الكشف عن المدن الصاروخية تحت الأرض وكتابة الشعارات على الصواريخ خلال المناظرة التلفزيونية بين المرشحين الستة للانتخابات، كما وجه اتهامات مشابهة إلى منافسه عمدة طهران محمد باقر قاليباف لتنظيم حملات دعائية بأموال بلدية طهران ضد المفاوضات النووية، وذلك في وقت دعا نائبه إسحاق جهانغيري الإيرانيين إلى الخيار بين التعاون أو العزلة الدولية في تحذير ضمني من انتخاب رئيس بتوجهات محافظة. وفي المقابل انتقد المرشحون المحافظون سياسة روحاني على صعيد الاتفاق النووي والسياسة الخارجية وقال المدعي العام إبراهيم رئيسي إن وعود تطبيق الاتفاق لم تترك أثرا على حياة الإيرانيين.
وبينما دار النقاش على أرض ملفات السياسة الخارجية والأمن القومي والقضايا الثقافية، لم تشهد مناظرة أمس مشادات المناظرة الأولى. اللاعبون الأساسيون في المناظرة الأولى كانوا أكثر هدوءا تحت تأثير الضغوط التي تعرض لها المرشحون على مدى الأسبوع الماضي بسبب ما اعتبر تهديدا للمصالح القومية والأمن الداخلي. وسبقت هيئة الانتخابات الإيرانية صافرة بداية المناظرة الثانية بإعلان بيان عبر القناة الرسمية الأولى بحضور المرشحين الستة طالبت فيه باحترام الأطر القانونية ولوحت بملاحقة قضائية في حال التطرق لقضايا حساسة كما شددت على الحق في حجب أي أجزاء حساسة من برامج المرشحين المسجلة أو المباشرة عبر منابرها الرسمية.
وخلال الأسبوع الماضي تقدم كل من حسن روحاني ومحمد باقر قاليباف ومصطفى مير سليم وإبراهيم رئيسي بشكوى إلى هيئة الانتخابات الإيرانية ضد المنافسين بسبب تفاصيل المناظرة الأولى المثيرة للجدل.
ودخل الاتفاق النووي رسميا أمس إلى أجندة المرشحين للانتخابات الرئاسية. وطالب روحاني منافسيه بإعلان موقفهم الصريح على الرغم من تصريحاته الأربعاء الماضي التي أعرب فيها عن ارتياحه لالتزام المرشحين الستة بالاتفاق النووي. ورغم اعتراف الثلاثي المحافظ بكلية الاتفاق النووي فإنهم وجهوا انتقادات شديدة اللهجة لطريقة تطبيقه وإخفاق وعود روحاني بتحسين الأوضاع بعد تنفيذه.
وتقاسم روحاني ونائبه إسحاق جهانغيري الأدوار الدفاعية في تعزيز الاتفاق النووي والتفاخر بالإنجازات. خط الدفاع الأول اعتمد على رفع العقوبات وتحسن الوضع المعيشي وأظهر إصرارهما على أن الهجمات التي طالت الإدارة الحالية حول تراجع الوضع المعيشي وتفشي أزمات اجتماعية على رأسها البطالة كان لها تأثيرها على الشارع الإيراني. واستغل المرشحون المحافظون نقاط ضعف الحكومة في الملف الاقتصادي خلال حملاتهم الانتخابية لتسويق أجندتهم السياسية.
ورد روحاني على الانتقادات المتعلقة بالاتفاق النووي والسياسة الخارجية، معتبرا الحرية والانفتاح من شروط التقدم في البلاد. وقال لمنافسه المدعي العام السابق إبراهيم رئيسي إنه ليس في موقع يسمح له بالنقد بسبب افتقاره للمعلومات المطلوبة. كما اتهم معارضي الاتفاق النووي بالاحتفال بقدوم ترمب أملا بتمزيقه. وقال إن معارضي المفاوضات نصبوا لافتات دعائية أساءوا فيها للفريق المفاوض النووي في إشارة إلى لوحات دعائية نصبتها بلدية طهران في عموم مناطق العاصمة نافيا أن تكون من تبعات الاتفاق بطالة العلماء النوويين الإيرانيين.
كما انتقد روحاني كشف الحرس الثوري عن مدن صاروخية تحت الأرض وكان الحرس الثوري استعرض موقعين للصواريخ الباليستية قبل أيام قليلة من دخول الاتفاق النووي حيز التنفيذ. وكان الحرس الثوري كشف خلال شهر عن موقعين بمساحة 500 متر تحت الأرض لتخزين الصواريخ وكانت المرة الثانية بحضور رئيس البرلمان علي لاريجاني الذي أعلن استعداد الحكومة والبرلمان لتمويل خطط تطوير الصواريخ. وكان اللواء علي حاجي زادة حينها تحدث عن امتلاك إيران «غابة صواريخ».
روحاني أشار كذلك إلى كتابة الشعارات باللغة العبرية والفارسية على صواريخ «قدر» الباليستية البالغ مداها ألفي كيلومتر في فبراير (شباط) 2016 وذلك قبل أن يبلغ عمر تنفيذ الاتفاق شهره الأول.
ولم تمض لحظات على النقاش حول الاتفاق النووي حتى أصدرت الخارجية الإيرانية بيانا من أربعة محاور تنفي فيه ما ورد على لسان المرشحين المحافظين حول الاتفاق النووي. وقالت الخارجية إن الاتفاق النووي أسقط العقوبات وأعاد بيع النفط الإيراني فضلا عن مواصلة البرنامج بما فيها موقع أراك النووي، وأشارت إلى مواقف الخارجية من عدم التزام أميركا ببنود الاتفاق.
وتباينت مواقف روحاني أمس مع مواقف أعلنها بداية يناير (كانون الثاني) الماضي. حينذاك لعب روحاني دور الدفاع عن البرنامج الصاروخي ووجه أوامر بتطوير أنواع الصواريخ عقب عقوبات أقرتها الخزانة الأميركية ردا على تجربة صاروخ «عماد» الباليستي. إلا أنه أمس قال إن تلك العروض كان غايتها وضع خشبة في عجلة الاتفاق النووي.
واعتبر روحاني الأزمة السورية أبرز تحدٍ يواجه حكومته في الشرق الأوسط مشددا على أن طهران انخرطت في مفاوضات مع كل من موسكو وأنقرة من أجل تجاوز الأزمة.
على الصعيد الداخلي أشار روحاني إلى منح حريات للشارع الإيراني وتساءل روحاني إذا ما كانت هناك أطراف تريد التدخل في الحياة الخاصة للمواطنين.
وكان لافتا تبادل الأدوار بين روحاني وجهانغيري خاصة فيما يتعلق بالأسئلة التي كانت تحمل في طياتها تحذيرات من انتخاب رئيس يشدد الخناق على المجتمع ويفرض قيودا على الحريات العامة. وشدد روحاني وجهانغيري على ضرورة مواصلة ما قدمته الحكومة على مدى السنوات الأربع الماضية في الشارع الإيراني.
ورغم دفاع روحاني فإن الإحصائيات تشير إلى أن إيران الدولة الأولى في تنفيذ الإعدامات من حيث التعداد السكاني وتجاوزت الإعدامات في 2015 ما سجل في 15 سنة ماضية كما تتهم جمعيات ناشطة في مجال حقوق الإنسان الإيراني حسن روحاني بالتخلي عن وعوده بإطلاق سراح الصحافيين وسجناء الرأي وحرية الإعلام.
وكانت مداخلة مصطفى هاشمي طبا حول السياسة الخارجية الإيرانية في الفترة المقبلة داعيا إلى تخفيف التوتر والابتعاد عن التصريحات العدوانية والاستفزازية وإطلاق الشتائم بدوافع فردية أو فئوية.
ورغم خلافات المرشحين الستة على اتجاهات السياسة الخارجية فإن الجميع أعلنوا تأييدهم سياسات إيران الإقليمية خاصة فيما يتعلق بالأزمتين العراقية والسورية وإرسال قوات عسكرية إلى سوريا تحت اسم القوات «الاستشارية».
بدوره قال المدعي العام السابق إبراهيم رئيسي إن الحكومة لا تتحمل «نقد صك الاتفاق النووي» متهما الحكومة بتوجيه رسائل خاطئة للدول الكبرى. وقال إن الشعب لم ير تأثير الاتفاق على الوضع المعيشي.
وعقب المناظرة دعا رئيسي هيئة الإذاعة والتلفزيون إلى تنظيم مناظرة بين حسن روحاني والرئيس السابق محمود أحمدي نجاد حتى يطلع الإيرانيون على المتسبب في الوضع الحالي الذي تشهده البلاد.
من جهته، بدأ المرشح المحافظ وعمدة طهران محمد باقر قاليباف بربط حديثه عن الوضع التعليمي بتورط ابنة وزير التعليم في شحنة ملابس مهربة. قاليباف استهجن دفاع جهانغيري حول قانونية الاستيراد واعتبره دليلا على ترويج الحكومة ضد المنتجات الداخلية. واعتبر الاتفاق النووي خدم مصالح فئة خاصة. ورأى قاليباف أن الدبلوماسية يجب أن تجمع كل العناصر بما فيها دبلوماسية القوة (العسكرية) والاقتصاد والتفاوض، مشددا على ضرورة تقديم أولوية الاقتصاد.
من جانبه، لعب المرشح مير سليم الدور الأقوى بين المرشحين المحافظين في تحدي برامج روحاني ونائبه جهانغيري. وانتقد صفقات أبرمتها إدارة روحاني لشراء الطائرات وزعم أنه كان من الممكن إنتاج 20 في المائة من قطع الغيار في الداخل. واعتبر مير سليم الاتفاق سبب ضياع الصناعة النووية وتطبيق عقوبات جديدة على إيران. كما انتقد مير سليم موقف الحكومة من المنتقدين ومخاطبة الأحزاب المعارضة لسياسة الحكومة بعدوانية.
في غضون ذلك، أصدرت المنظمة الإيرانية للطاقة النووية بيانا تنتقد فيه تصريحات المرشح المحافظ مير سليم بسبب عدم تقديم أي دليل على ما ذكره حول طرد العلماء النوويين من الوظائف بعد توقيع الاتفاق النووي. وأعلنت المنظمة أن كوادرها يبلغون 14 ألف موظف نافيا طرد أي موظف في فترة الاتفاق النووي.
ونقلت وكالة «إيسنا» عن مستشار روحاني الثقافي حسام الدين اشنا أن «روحاني لا يريد التسبب في زعزعة هدوء الشارع الإيراني في المناظرات التلفزيونية وتوجيه صدمة للإيرانيين». وقال آشنا في تقييم المناظرة إن منتقدي روحاني «أظهروا أنهم يفتقرون للبرامج بينما الحكومة لديها أجندة عمل واضحة».
وقال آشنا إن المناظرة الأخيرة والثانية سيحاول فريق روحاني قطع الطريق على المحافظين من خلال التركيز على الأجندة السياسية والاقتصادية للحكومة المقبلة متهما منافسي روحاني بـ«السعي وراء تشويه الحكومة بهدف حصد الأصوات».



إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
TT

إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

عينت إسرائيل أول سفير لها في أرض الصومال، بعد أشهر من اعترافها رسمياً بالإقليم الانفصالي في الصومال، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية اليوم الأحد.

في أواخر ديسمبر (كانون الأول)، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بأرض الصومال منذ أن أعلنت استقلالها من طرف واحد عن الصومال في عام 1991 في أعقاب الحرب الأهلية.

وقالت الوزارة إن مايكل لوتم الذي يشغل حالياً منصب سفير اقتصادي متجول في أفريقيا، سيكون مبعوث إسرائيل إلى أرض الصومال.

وسبق للوتم أن شغل منصب سفير إسرائيل لدى كينيا وأذربيجان وكازاخستان.

ويأتي تعيينه عقب إقامة علاقات دبلوماسية بين الجانبين في ديسمبر 2025، وزيارة وزير الخارجية جدعون ساعر إلى أرض الصومال في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وفي فبراير (شباط)، أعلنت أرض الصومال تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.

تحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر وجيشها الخاص، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من استفزاز الصومال وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وأثارت زيارة ساعر إلى أرض الصومال إدانة من الصومال الذي وصفها بأنها «توغل غير مصرح به».


نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

فالمشهد الذي بدأ بإشارات أميركية إلى توجُّه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان، أملاً في استئناف مسار تفاوضي مباشر أو غير مباشر، انتهى عملياً إلى جولة إيرانية على المسؤولين الباكستانيين، وتسليم موقف طهران ومطالبها، ثم مغادرة من دون لقاء مع الموفدين الأميركيين اللذين ألغيا سفرهما إلى إسلام آباد.

وبذلك انتقلت الأزمة من مرحلة «اختبار إمكان الجولة الثانية» إلى مرحلة أكثر قتامة: الوسيط الباكستاني تلقى الرسائل، لكنه لم ينجح في جمع الطرفين، ولا حتى في تثبيت صيغة واضحة لمحادثات غير مباشرة فورية، حتى الآن.

هذا التطور لا يعني انهيار الدبلوماسية بالكامل، ولا يعني العودة الفورية إلى الحرب مثلما أكَّد الرئيس الأميركي نفسه دونالد ترمب، لكنه يكشف أن نافذة التفاوض تضيق بسرعة.

فقد أكَّدت إيران، وفق تقارير عدة، أنها لا تخطط لاجتماع مباشر مع الأميركيين في إسلام آباد، وأنها ستنقل مواقفها عبر باكستان. ونقلت وكالة «رويترز» أن عراقجي رفض «المطالب القصوى» الأميركية، وأن طهران ما زالت تفضِّل قناة باكستانية غير مباشرة، بينما أفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأنه لا توقعات بلقاء مباشر بين المسؤولين الإيرانيين والأميركيين رغم الحراك الدبلوماسي في إسلام آباد.

لقاء مستبعد

عراقجي خلال اجتماعه مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في إسلام آباد (أ.ب)

المعوق الأول أمام الانفراجة لم يعد في تفاصيل الطاولة فقط، بل في غياب الطاولة نفسها. فبعدما كان احتمال حضور ويتكوف وكوشنر إلى باكستان يفتح الباب أمام اجتماع مباشر أو رسائل متزامنة بين الوفدين، جاءت مغادرة عراقجي لتجعل هذا الاحتمال غير مطروح عملياً في هذه الجولة.

وغادر الوزير الإيراني إسلام آباد بعد لقائه رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير ومسؤولين باكستانيين، بعدما شرح موقف بلاده من وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.

هنا تكمن دلالة التحول. فإيران لم تكتفِ بنفي الاجتماع المباشر، بل تصرفت كما لو أن مهمتها في باكستان تقتصر على تسليم مطالبها للوسيط، لا التفاوض عليها مع واشنطن. أما الإدارة الأميركية، التي أرادت تقديم توجُّه مبعوثيها بوصفه دليلاً على أن الضغط العسكري والبحري فتح باب الدبلوماسية، فوجدت نفسها أمام طرف يرفض إضفاء شرعية على تفاوض يجري تحت الحصار.

لذلك لم تعد الجولة الثانية مسألة جدول أعمال مؤجَّل، بل مسألة ثقة مفقودة في الإطار نفسه: هل يجلس الطرفان للتفاوض، أم يكتفيان بإدارة حرب الرسائل عبر الوسطاء؟

حصار هرمز

مدمرة أميركية تقترب من سفينة إيرانية تم اعتراضها بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

العقدة الثانية هي الحصار البحري الأميركي ومضيق هرمز. فقد جعلت طهران رفع الحصار عن موانئها ووقف التهديدات الأميركية شرطاً جوهرياً للعودة إلى أي تفاوض فعلي. وفي المقابل، تتمسك واشنطن بأن الحصار سيبقى حتى فتح هرمز والتوصل إلى اتفاق يلبي مطالبها.

هذه ليست مشكلة إجرائية، بل معادلة ردع متقابلة: إيران تقول إنها لن تفاوض وهي مخنوقة اقتصادياً وبحرياً، والولايات المتحدة تقول إنها لن ترفع الخنق قبل أن تلمس تنازلات.

ونقلت وسائل إعلام عن عراقجي أنه سلَّم باكستان مطالب طهران، وفي مقدمها رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، ووقف التهديدات واستمرار الحرب، والتراجع عن شروط تعدُّها إيران «مبالغاً فيها»، بينها التخلي الكامل عن تخصيب اليورانيوم.

كما نقلت أن القوات المسلحة الإيرانية، عبر مقر «خاتم الأنبياء»، هدَّدت بالرد إذا استمر الجيش الأميركي في «الحصار والقرصنة»، مؤكدة أنها تراقب تحركات الخصوم وتواصل السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي.

هذا التصعيد يغيِّر طبيعة الوساطة، فبدلاً من أن تكون باكستان قناة لتقريب المواقف، باتت شاهدة على تصلب مزدوج: إيران تستخدم هرمز والحصار كورقة سيادية واقتصادية، وواشنطن تستخدم الحصار لإجبار طهران على تقديم تنازلات.

وواصلت كذلك سياسة الضغط بالعقوبات، بما في ذلك استهداف شبكات شحن وكيانات مرتبطة بتجارة النفط الإيراني، في رسالة مفادها أن الدبلوماسية لن تعني وقف أدوات الإكراه.

النووي أصل الأزمة

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

رغم أن هرمز والحصار يحتلان واجهة الأزمة، يبقى الملف النووي مركز الثقل الحقيقي. فواشنطن لا تريد فقط وقفاً للنار أو فتحاً للمضيق، بل اتفاقاً يمنع إيران من إعادة بناء قدرتها النووية والصاروخية، ويعالج مخزون اليورانيوم وآليات التفتيش ومستقبل التخصيب.

أما طهران، فتتعامل مع طلب التخلي الكامل عن التخصيب بوصفه إعلان استسلام لا بنداً تفاوضياً. ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» أنه لهذه الأسباب تبدو الفجوة واسعة. فالإدارة الأميركية ترفع سقف مطالبها إلى حد وقف طويل أو غير محدود للتخصيب، وإخراج أو تخفيف المخزون، وربط أي تخفيف للعقوبات بتعهدات قابلة للتحقق.

لكن إيران ترى أن قبول هذه الشروط تحت الحصار سيجردها من ورقة سيادية واستراتيجية، وسيظهرها داخلياً كمن خسر الحرب واستسلم. ومن هنا جاء تشديد المصادر الإيرانية، على أن طهران «مستعدة للتفاوض، ولكنها لن تستسلم»، وأنها لن تقبل الجلوس إلى طاولة تطرح فيها واشنطن خطوطها الحمراء كأوامر مسبقة.

وترى الصحيفة أن المشكلة أن أي اتفاق محدود لن يكفي واشنطن سياسياً، وأي اتفاق شامل لن يكون سهلاً على طهران داخلياً. فكلما وسَّعت الولايات المتحدة لائحة المطالب لتشمل التخصيب والصواريخ وهرمز وسلوك إيران الإقليمي، أصبح الاتفاق أثقل من أن يحمله وسيط واحد في جولة قصيرة.

وكلما ربطت طهران التفاوض برفع الحصار مسبقاً، منحت واشنطن ذريعة للقول إن الضغط لم يبلغ غايته بعد.

طهران انقسام أم تصلب موحد؟

بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي (الرئاسة الإيرانية)

العقدة الرابعة تتصل بقراءة القرار الإيراني. هل فشل إسلام آباد ناجم عن انقسامات داخل طهران، أم عن موقف موحد يرفض التنازل؟ وفي هذا الصدد قال صحيفة «وول ستريت جورنال» إن ثمة صراعاً بين تيارين، الأول أكثر براغماتية ويريد وقف النزف الاقتصادي، والثاني متشدد ويرفض تقديم تنازلات نووية أو بحرية.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين قولهم إن المشكلة ليست في وجود تصدع حاسم، بل في عدم استعداد النظام، بمختلف أجنحته، لتقديم التنازلات المطلوبة.

وهذا الفارق مهم. فإذا كانت إيران منقسمة فعلاً، يستطيع الوسطاء البحث عن صيغة تحفظ ماء الوجه للتيار الذي يريد صفقة. أما إذا كانت متماسكة في رفضها للشروط الأميركية، فإن مهمة باكستان تصبح شبه مستحيلة.

تصريحات عراقجي في إسلام آباد، ومغادرته من دون لقاء الأميركيين، توحيان بأن طهران تريد أن تثبت أمرين في وقت واحد: أنها لا تغلق باب الوساطة، لكنها لا تقبل تحويل الوساطة إلى قناة لإملاء الشروط.

واشنطن تريد طاولة تؤكد أن الحصار والحرب دفعا إيران إلى التراجع، بينما طهران تريد قناة تثبت أنها ما زالت قادرة على فرض شروط الدخول إلى أي مسار. وبين هذين المنطقين، تراجعت احتمالات الجولة الثانية من مفاوضات فعلية إلى مجرد تبادل مواقف عبر باكستان.


جواب عراقجي ينسف «مواعيد» إسلام آباد

رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
TT

جواب عراقجي ينسف «مواعيد» إسلام آباد

رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)

أنهى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أمس، زيارته لإسلام آباد، فيما كان العالم يترقب وصول مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العاصمة الباكستانية لإجراء مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين، في إطار المساعي الدبلوماسية للتوصل إلى تسوية في حرب إيران.

ونسف جواب عراقجي ومغادرته إسلام آباد «المواعيد» التي كان يعد لها الوسيط الباكستاني لجلسة ثانية من المفاوضات، مساء أمس، رغم أن الوفد الإيراني كان قد أعلن أن زيارته ليست للتباحث مع أميركا بل تأتي في إطار جولة تشمل سلطنة عُمان وروسيا. وكان لافتاً أن وكالة «إيرنا» الرسمية ذكرت ليلاً أن عراقجي يعتزم زيارة باكستان مجدداً بعد انتهاء زيارته إلى مسقط، وقبل توجهه إلى موسكو.

والتقى عراقجي نظيره الباكستاني إسحق دار، ورئيس الوزراء شهباز شريف، وقائد الجيش عاصم منير الذي يؤدي دوراً محورياً في الوساطة. وقال إنه سلَّمهم رد إيران على المقترح الأميركي للتوصل إلى اتفاق، مضيفاً: «علينا أن نرى ما إذا كانت واشنطن جادة فعلاً بشأن الدبلوماسية».

من جانبه، أعلن ترمب أنه ألغى الزيارة المرتقبة لمبعوثيه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى إسلام آباد، مؤكداً أن ذلك لا يعني حكماً باستئناف الحرب مع إيران.

وقال ترمب إن أحداً لا يعرف من يتولى زمام القيادة حالياً في طهران، مضيفاً على منصته «تروث سوشيال» أن «هناك اقتتالاً داخلياً هائلاً وحالة من الإرباك داخل ما يُسمى بالقيادة لديهم».