روحاني يتهم {الحرس الثوري} بعرقلة الحكومة عبر برنامج الصواريخ

الاتفاق النووي والسياسة الخارجية محورا المناظرة الرئاسية الثانية... الحكومة تواصل الدفاع ضد هجوم المحافظين

ثاني مواجهة تلفزيونية بين المرشحين الستة للانتخابات الرئاسية الإيرانية قبل أسبوعين من موعد التصويت (إ.ب.أ)
ثاني مواجهة تلفزيونية بين المرشحين الستة للانتخابات الرئاسية الإيرانية قبل أسبوعين من موعد التصويت (إ.ب.أ)
TT

روحاني يتهم {الحرس الثوري} بعرقلة الحكومة عبر برنامج الصواريخ

ثاني مواجهة تلفزيونية بين المرشحين الستة للانتخابات الرئاسية الإيرانية قبل أسبوعين من موعد التصويت (إ.ب.أ)
ثاني مواجهة تلفزيونية بين المرشحين الستة للانتخابات الرئاسية الإيرانية قبل أسبوعين من موعد التصويت (إ.ب.أ)

اتهم الرئيس المنتهية ولايته حسن روحاني الحرس الثوري بمحاولة نسف الاتفاق النووي عبر الكشف عن المدن الصاروخية تحت الأرض وكتابة الشعارات على الصواريخ خلال المناظرة التلفزيونية بين المرشحين الستة للانتخابات، كما وجه اتهامات مشابهة إلى منافسه عمدة طهران محمد باقر قاليباف لتنظيم حملات دعائية بأموال بلدية طهران ضد المفاوضات النووية، وذلك في وقت دعا نائبه إسحاق جهانغيري الإيرانيين إلى الخيار بين التعاون أو العزلة الدولية في تحذير ضمني من انتخاب رئيس بتوجهات محافظة. وفي المقابل انتقد المرشحون المحافظون سياسة روحاني على صعيد الاتفاق النووي والسياسة الخارجية وقال المدعي العام إبراهيم رئيسي إن وعود تطبيق الاتفاق لم تترك أثرا على حياة الإيرانيين.
وبينما دار النقاش على أرض ملفات السياسة الخارجية والأمن القومي والقضايا الثقافية، لم تشهد مناظرة أمس مشادات المناظرة الأولى. اللاعبون الأساسيون في المناظرة الأولى كانوا أكثر هدوءا تحت تأثير الضغوط التي تعرض لها المرشحون على مدى الأسبوع الماضي بسبب ما اعتبر تهديدا للمصالح القومية والأمن الداخلي. وسبقت هيئة الانتخابات الإيرانية صافرة بداية المناظرة الثانية بإعلان بيان عبر القناة الرسمية الأولى بحضور المرشحين الستة طالبت فيه باحترام الأطر القانونية ولوحت بملاحقة قضائية في حال التطرق لقضايا حساسة كما شددت على الحق في حجب أي أجزاء حساسة من برامج المرشحين المسجلة أو المباشرة عبر منابرها الرسمية.
وخلال الأسبوع الماضي تقدم كل من حسن روحاني ومحمد باقر قاليباف ومصطفى مير سليم وإبراهيم رئيسي بشكوى إلى هيئة الانتخابات الإيرانية ضد المنافسين بسبب تفاصيل المناظرة الأولى المثيرة للجدل.
ودخل الاتفاق النووي رسميا أمس إلى أجندة المرشحين للانتخابات الرئاسية. وطالب روحاني منافسيه بإعلان موقفهم الصريح على الرغم من تصريحاته الأربعاء الماضي التي أعرب فيها عن ارتياحه لالتزام المرشحين الستة بالاتفاق النووي. ورغم اعتراف الثلاثي المحافظ بكلية الاتفاق النووي فإنهم وجهوا انتقادات شديدة اللهجة لطريقة تطبيقه وإخفاق وعود روحاني بتحسين الأوضاع بعد تنفيذه.
وتقاسم روحاني ونائبه إسحاق جهانغيري الأدوار الدفاعية في تعزيز الاتفاق النووي والتفاخر بالإنجازات. خط الدفاع الأول اعتمد على رفع العقوبات وتحسن الوضع المعيشي وأظهر إصرارهما على أن الهجمات التي طالت الإدارة الحالية حول تراجع الوضع المعيشي وتفشي أزمات اجتماعية على رأسها البطالة كان لها تأثيرها على الشارع الإيراني. واستغل المرشحون المحافظون نقاط ضعف الحكومة في الملف الاقتصادي خلال حملاتهم الانتخابية لتسويق أجندتهم السياسية.
ورد روحاني على الانتقادات المتعلقة بالاتفاق النووي والسياسة الخارجية، معتبرا الحرية والانفتاح من شروط التقدم في البلاد. وقال لمنافسه المدعي العام السابق إبراهيم رئيسي إنه ليس في موقع يسمح له بالنقد بسبب افتقاره للمعلومات المطلوبة. كما اتهم معارضي الاتفاق النووي بالاحتفال بقدوم ترمب أملا بتمزيقه. وقال إن معارضي المفاوضات نصبوا لافتات دعائية أساءوا فيها للفريق المفاوض النووي في إشارة إلى لوحات دعائية نصبتها بلدية طهران في عموم مناطق العاصمة نافيا أن تكون من تبعات الاتفاق بطالة العلماء النوويين الإيرانيين.
كما انتقد روحاني كشف الحرس الثوري عن مدن صاروخية تحت الأرض وكان الحرس الثوري استعرض موقعين للصواريخ الباليستية قبل أيام قليلة من دخول الاتفاق النووي حيز التنفيذ. وكان الحرس الثوري كشف خلال شهر عن موقعين بمساحة 500 متر تحت الأرض لتخزين الصواريخ وكانت المرة الثانية بحضور رئيس البرلمان علي لاريجاني الذي أعلن استعداد الحكومة والبرلمان لتمويل خطط تطوير الصواريخ. وكان اللواء علي حاجي زادة حينها تحدث عن امتلاك إيران «غابة صواريخ».
روحاني أشار كذلك إلى كتابة الشعارات باللغة العبرية والفارسية على صواريخ «قدر» الباليستية البالغ مداها ألفي كيلومتر في فبراير (شباط) 2016 وذلك قبل أن يبلغ عمر تنفيذ الاتفاق شهره الأول.
ولم تمض لحظات على النقاش حول الاتفاق النووي حتى أصدرت الخارجية الإيرانية بيانا من أربعة محاور تنفي فيه ما ورد على لسان المرشحين المحافظين حول الاتفاق النووي. وقالت الخارجية إن الاتفاق النووي أسقط العقوبات وأعاد بيع النفط الإيراني فضلا عن مواصلة البرنامج بما فيها موقع أراك النووي، وأشارت إلى مواقف الخارجية من عدم التزام أميركا ببنود الاتفاق.
وتباينت مواقف روحاني أمس مع مواقف أعلنها بداية يناير (كانون الثاني) الماضي. حينذاك لعب روحاني دور الدفاع عن البرنامج الصاروخي ووجه أوامر بتطوير أنواع الصواريخ عقب عقوبات أقرتها الخزانة الأميركية ردا على تجربة صاروخ «عماد» الباليستي. إلا أنه أمس قال إن تلك العروض كان غايتها وضع خشبة في عجلة الاتفاق النووي.
واعتبر روحاني الأزمة السورية أبرز تحدٍ يواجه حكومته في الشرق الأوسط مشددا على أن طهران انخرطت في مفاوضات مع كل من موسكو وأنقرة من أجل تجاوز الأزمة.
على الصعيد الداخلي أشار روحاني إلى منح حريات للشارع الإيراني وتساءل روحاني إذا ما كانت هناك أطراف تريد التدخل في الحياة الخاصة للمواطنين.
وكان لافتا تبادل الأدوار بين روحاني وجهانغيري خاصة فيما يتعلق بالأسئلة التي كانت تحمل في طياتها تحذيرات من انتخاب رئيس يشدد الخناق على المجتمع ويفرض قيودا على الحريات العامة. وشدد روحاني وجهانغيري على ضرورة مواصلة ما قدمته الحكومة على مدى السنوات الأربع الماضية في الشارع الإيراني.
ورغم دفاع روحاني فإن الإحصائيات تشير إلى أن إيران الدولة الأولى في تنفيذ الإعدامات من حيث التعداد السكاني وتجاوزت الإعدامات في 2015 ما سجل في 15 سنة ماضية كما تتهم جمعيات ناشطة في مجال حقوق الإنسان الإيراني حسن روحاني بالتخلي عن وعوده بإطلاق سراح الصحافيين وسجناء الرأي وحرية الإعلام.
وكانت مداخلة مصطفى هاشمي طبا حول السياسة الخارجية الإيرانية في الفترة المقبلة داعيا إلى تخفيف التوتر والابتعاد عن التصريحات العدوانية والاستفزازية وإطلاق الشتائم بدوافع فردية أو فئوية.
ورغم خلافات المرشحين الستة على اتجاهات السياسة الخارجية فإن الجميع أعلنوا تأييدهم سياسات إيران الإقليمية خاصة فيما يتعلق بالأزمتين العراقية والسورية وإرسال قوات عسكرية إلى سوريا تحت اسم القوات «الاستشارية».
بدوره قال المدعي العام السابق إبراهيم رئيسي إن الحكومة لا تتحمل «نقد صك الاتفاق النووي» متهما الحكومة بتوجيه رسائل خاطئة للدول الكبرى. وقال إن الشعب لم ير تأثير الاتفاق على الوضع المعيشي.
وعقب المناظرة دعا رئيسي هيئة الإذاعة والتلفزيون إلى تنظيم مناظرة بين حسن روحاني والرئيس السابق محمود أحمدي نجاد حتى يطلع الإيرانيون على المتسبب في الوضع الحالي الذي تشهده البلاد.
من جهته، بدأ المرشح المحافظ وعمدة طهران محمد باقر قاليباف بربط حديثه عن الوضع التعليمي بتورط ابنة وزير التعليم في شحنة ملابس مهربة. قاليباف استهجن دفاع جهانغيري حول قانونية الاستيراد واعتبره دليلا على ترويج الحكومة ضد المنتجات الداخلية. واعتبر الاتفاق النووي خدم مصالح فئة خاصة. ورأى قاليباف أن الدبلوماسية يجب أن تجمع كل العناصر بما فيها دبلوماسية القوة (العسكرية) والاقتصاد والتفاوض، مشددا على ضرورة تقديم أولوية الاقتصاد.
من جانبه، لعب المرشح مير سليم الدور الأقوى بين المرشحين المحافظين في تحدي برامج روحاني ونائبه جهانغيري. وانتقد صفقات أبرمتها إدارة روحاني لشراء الطائرات وزعم أنه كان من الممكن إنتاج 20 في المائة من قطع الغيار في الداخل. واعتبر مير سليم الاتفاق سبب ضياع الصناعة النووية وتطبيق عقوبات جديدة على إيران. كما انتقد مير سليم موقف الحكومة من المنتقدين ومخاطبة الأحزاب المعارضة لسياسة الحكومة بعدوانية.
في غضون ذلك، أصدرت المنظمة الإيرانية للطاقة النووية بيانا تنتقد فيه تصريحات المرشح المحافظ مير سليم بسبب عدم تقديم أي دليل على ما ذكره حول طرد العلماء النوويين من الوظائف بعد توقيع الاتفاق النووي. وأعلنت المنظمة أن كوادرها يبلغون 14 ألف موظف نافيا طرد أي موظف في فترة الاتفاق النووي.
ونقلت وكالة «إيسنا» عن مستشار روحاني الثقافي حسام الدين اشنا أن «روحاني لا يريد التسبب في زعزعة هدوء الشارع الإيراني في المناظرات التلفزيونية وتوجيه صدمة للإيرانيين». وقال آشنا في تقييم المناظرة إن منتقدي روحاني «أظهروا أنهم يفتقرون للبرامج بينما الحكومة لديها أجندة عمل واضحة».
وقال آشنا إن المناظرة الأخيرة والثانية سيحاول فريق روحاني قطع الطريق على المحافظين من خلال التركيز على الأجندة السياسية والاقتصادية للحكومة المقبلة متهما منافسي روحاني بـ«السعي وراء تشويه الحكومة بهدف حصد الأصوات».



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.