السيسي يصف خادم الحرمين «بحكيم العرب وكبيرهم» ويشيد بالدعم السعودي ـ الإماراتي ـ الكويتي

قدم رؤيته لحل المشاكل الاقتصادية في مصر وتعهد بإقصاء «الإخوان» .. وكشف عن تعرضه لمحاولتي اغتيال

المشير عبد الفتاح السيسي قائد الجيش المصري السابق خلال حواره التلفزيوني ليلة أول من أمس (أ.ف.ب)
المشير عبد الفتاح السيسي قائد الجيش المصري السابق خلال حواره التلفزيوني ليلة أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

السيسي يصف خادم الحرمين «بحكيم العرب وكبيرهم» ويشيد بالدعم السعودي ـ الإماراتي ـ الكويتي

المشير عبد الفتاح السيسي قائد الجيش المصري السابق خلال حواره التلفزيوني ليلة أول من أمس (أ.ف.ب)
المشير عبد الفتاح السيسي قائد الجيش المصري السابق خلال حواره التلفزيوني ليلة أول من أمس (أ.ف.ب)

وصف المشير عبد الفتاح السيسي المرشح الرئاسي في مصر، خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز بحكيم العرب وكبير العرب، وقدم كل الشكر والاحترام إليه وللسعودية على ما قدم لمصر من دعم ومساندة. كما أشاد بدولة الإمارات قائلا إن الشيخ زايد لم يمت، وقدّم الشكر لكل من الشيخ خليفة بن زايد والشيخ محمد بن زايد، وكل قيادات دولة الإمارات. وقال لأهل الإمارات «حافظوا على بلادكم، حتى لا يصلكم الشر».
وقال إن ما قدم لمصر من الأشقاء العرب في السعودية والكويت والإمارات كثير، مشيرا إلى أنه تجاوز العشرين مليار دولار، وأن الدعم المقبل أهم. وأشاد السيسي بدعم دولة الكويت، مضيفا أن مصر في محنة، وأن الكويت سبق وأن مرت بتجربة المحنة، وإن اختلف المضمون. وقال السيسي في الجزء الثاني من حواره مع الفضائيات المصرية، إنه يراهن على دعم الأشقاء العرب والمصرين في الخارج ورجال الأعمال المصرين، وترشيد الإنفاق وتدوير الموارد، كما تحدث عن خطط عاجلة لإنقاذ الفقراء، وعدم تركهم للانتظار.
كما تحدث السيسي عن برنامجه الانتخابي والمدد الزمنية لتنفيذ عدد من المشاريع، وحل مشاكل الطاقة، وتخفيض الأسعار بما في ذلك إعطاء المحافظات، مساحات جديدة في الصحراء للتوسع.
ورفض السيسي، إجراء أي مصالحة مع جماعة الإخوان المسلمين، مؤكدا في أول حوار إعلامي له بعد ترشحه، أنه «لن يكون هناك وجود للجماعة إذا ما شغل المنصب». وقال مراقبون لـ«الشرق الأوسط» أمس إن «ذلك ينذر باستمرار الصراع ونقص الاستقرار في البلاد لفترة أطول؛ في ظل إصرار الجماعة على لعب دور في الحياة السياسية».
وقاد السيسي، عندما كان وزيرا للدفاع، عملية عزل الرئيس السابق محمد مرسي في يوليو (تموز) الماضي، بعد احتجاجات شعبية حاشدة على حكمه. وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي أعلنت الحكومة الإخوان رسميا جماعة «إرهابية». وتجري الانتخابات الرئاسية يومي 26 و27 من الشهر الحالي، وتقتصر المنافسة بين السيسي وزعيم التيار الشعبي حمدين صباحي، الذي واصل جولاته الميدانية أمس لعرض برنامجه الانتخابي.
وقال السيسي في الحوار الذي أذيعت حلقته الأولى مساء أول من أمس إن «المصريين يرفضون فيما يبدو المصالحة مع جماعة الإخوان»، مؤكدا أنه كذلك سيرفض وجود جماعة الإخوان في الحياة السياسية المصرية. وأوضح أن «المصريين قالوا في 30 يونيو (حزيران) لا للإخوان والآن يقولون لا»، مشيرا إلى أن «إرادة المصريين هي التي أنهت حكم الإخوان»، ودعته للترشح للرئاسة.
وأكد السيسي أنه لم يخطط لتولي حكم مصر لأن فكرة الخطة تعني قلة احترام الشعب، مضيفا أن «بيان الثالث من يوليو الذي ألقاه (عقب عزل مرسي) كان واضحا عندما أكد أن إرادة المصريين أكبر من البحث عن أي سلطة»، وأشار إلى أن «أي وطني مسؤول كان سيشعر بمسؤولية بلده التي تدفعه للتقدم وتجنب ترك مصر لتواجه التحديات والتهديدات داخلها وخارجها».
وأفاد السيسي أنه حسم أمره للترشح لرئاسة الجمهورية يوم 27 فبراير (شباط) الماضي بعد إحساسه بالظهير الشعبي واستدعاء البسطاء له، وتابع أن «المصريين عندما تجتمع إرادتهم على شيء يفعلونه، وأن نزول المصريين بالملايين في الاستفتاء على الدستور كان تكليفا بضرورة الترشح للرئاسة». كما لفت إلى أن مصر لن تدار بعقلية رجل المخابرات، في حال فوزه برئاسة الجمهورية، مشيرا إلى أن القائد العسكري يتعلم الإدارة في المناصب المتنوعة التي يتولاها، وأضاف أنه درس خارج مصر في إنجلترا والولايات المتحدة، مشيرا إلى أن تلك الدراسات تضاف إلى رصيد ثقافته.
وكشف المشير عن تعرضه لمحاولات اغتيال، قائلا إنه «جرى رصد محاولتين لاغتيالي»، لكنه أكد أنه «يؤمن بالله ولا يخاف إلا منه. ويعلم جيدا أن عمره محسوب بالنفس». وعن ترشحه للرئاسة قال إن ثقافة القوات المسلحة تحمل إنسانيات عالية جدا وليست مجرد صرامة فقط، وأشار إلى أن إخطاره للقوات المسلحة بالترشح كان أمرًا ضروريًا لوجود ترتيبات وتغييرات تبنى على هذا القرار؛ وأوضح أنه استشار أسرته قبل اتخاذ قرار الترشح للرئاسة، وكان رد زوجته أنه «ليس لديك خيار».
وحول إذاعة بيان ترشحه للرئاسة بالزي العسكري، أوضح أن الزى العسكري بالنسبة له يمثل قيمة عظيمة، منوها إلى أنه أراد من ذلك أن يوجه كلمة شكر إلى كل زملائه في القوات المسلحة. ونفى السيسي، أن يكون مرشح المؤسسة العسكرية لرئاسة الجمهورية، مؤكدًا أن الجيش لن يتدخل في حكم البلاد.
ودافع السيسي عن قانون التظاهر الذي صدر قبل أشهر ويطالب سياسيون بإلغائه، مؤكدا أن القانون كان من أهم أدوات ضبط حالة العنف والفوضى التي تمر بها مصر، لافتا إلى أن الأمور والتحديات التي تواجهها البلاد كانت تتطلب إصدار القانون وتفعيله، وأنه كان مطلبا جماعيا من كل أعضاء الوزارة وليس الداخلية والدفاع فقط.
من جانبه، قال الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية بالقاهرة، لـ«الشرق الأوسط» أمس إن حوار المشير تجاهل قضايا البرنامج الانتخابي، واسترسل في شخصيته وخلفيته الأسرية، وكيف اتخذ قراره بالترشح في الانتخابات الرئاسية، مشيرا إلى أن «المشير بدا خلال الحوار أنه شخصية حازمة وحاسمة، خاصة في رغبته في تغييب أي دور لجماعة الإخوان المسلمين خلال فترة رئاسته ونفيه لأي تصالح معهم».
ورأى السيد أن «انتهاء الإخوان تماما مسألة مستحيلة»، مؤكدا «أنهم - وبصرف النظر من موقفهم أو آرائهم والأعمال التي يقومون بها - فإنهم قطاع مهم من المصريين، ومنهم أساتذة جامعات ومهندسون وأطباء. وهم مصرون على أن يكون لهم دور في الحياة السياسية أيا كان شكله، ولذلك فإن هذا لا ينذر بأن تعود مصر إلى الاستقرار السياسي من خلال تلك السياسات».
وحول لجوء المشير السيسي إلى عقد لقاءات إعلامية مغلقة، مقابل اتجاه منافسه صباحي للمؤتمرات الجماهيرية في المحافظات، أكد السيد أن «الشعب المصري يفضل أن تكون هناك لقاءات مباشرة مع المرشحين لمنصب الرئيس حتى يتمكن من أن يتعرف عليهم عن قرب، لكن المخاوف الأمنية لدى السيسي تحول بينه وبين ذلك.. لكن يظل قطاع كبير من المصريين يؤيد السيسي دون أي تحفظ، ومن ثم فربما لن يؤثر ذلك في فرص فوزه بالانتخابات، لكن على الأقل ربما لن تمكنه من زيادة شعبيته من الناخبين المصريين». وشدد أستاذ العلوم السياسية على أن «السيسي ما زال يتمتع بمزايا لم تتوافر لصباحي قد تزيد من فرص فوزه، لكن يجب الانتظار لمعرفة تأثير الحملات الانتخابية على المصريين وما إذا كان صباحي سيتمكن من الاستفادة من الميزة النسبية التي يتمتع بها، وهي فرصته في التجول بالشارع ولقاء المواطنين».
في المقابل، قال صباحي خلال مؤتمره بالمحلة إن «أهم الأهداف التي يسعى لتحقيقها حال وصوله للرئاسة هي العدالة الاجتماعية، وهو لا يعني توزيع الفقر، إنما الزيادة الهائلة في الإنتاج والعدالة في التوزيع». وأكد صباحي على إلغاء قانون التظاهر والإفراج عن معتقلي الرأي. وأعلن أمس حزب «مصر الحرية»، الذي يرأسه السياسي البارز عمرو حمزاوي، تأييده ودعمه لصباحي.
ونقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط (الرسمية) عن مصدر مطلع أن لقاء جرى أمس بين مسؤولين في بعثة الاتحاد الأفريقي بالقاهرة ولجنة انتخابات الرئاسة للاتفاق على الإجراءات الخاصة بطلب الاتحاد للمشاركة في متابعة انتخابات الرئاسة من خلال بعثة قوامها خمسون شخصا. وقال المصدر إنه «جرى الاتفاق خلال اللقاء على طلب المشاركة».
وكان الاتحاد الأفريقي قرر تعليق أنشطة مصر عقب عزل مرسي. وقال المصدر إن تطور موقف الاتحاد يأتي ليمثل اعترافا واضحا بخارطة الطريق التي التزمت الحكومة المصرية بتنفيذها وبالانتخابات الرئاسية المقبلة، ويعكس الجهود المكثفة التي قام بها جهاز الدبلوماسية المصرية ونشاط وزير الخارجية نبيل فهمي غير المسبوق في أفريقيا. وقال المستشار الدكتور عبد العزيز سالمان، الأمين العام للجنة الانتخابات الرئاسية، في تصريح له أمس إن البعثة الأفريقية أكدت للجنة الانتخابات الرئاسية، أنهم في غير حاجة لتوقيع بروتوكول تعاون، وأنهم مطمئنون تمام الاطمئنان إلى أن العملية الانتخابية ستسير على خير ما يرام دون معوقات أو عراقيل.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.