الثلاثاء - 4 شهر رمضان 1438 هـ - 30 مايو 2017 مـ - رقم العدد14063
نسخة اليوم
نسخة اليوم 2017/05/30
loading..

أسطورة الطعام العضوي

أسطورة الطعام العضوي

ليس أفضل طعماً أو فائدة ويحتاج إلى موارد أكثر
الأحد - 3 شعبان 1438 هـ - 30 أبريل 2017 مـ رقم العدد [14033]
نسخة للطباعة Send by email
لندن: «الشرق الأوسط»
الطعام العضوي الذي يتم الترويج له منذ سنوات بأنه طعام صحي له مذاق أفضل، ويوفر نسبة أعلى من الفيتامينات للمستهلك؛ ولذلك يباع بأسعار أعلى، قد تكون فوائده قليلة. ولكن معظم ما يروج له عضويا يعد من باب التسويق الهادف إلى الربح، وبه الكثير من المبالغات التي يجب التعامل معها بحرص.
ليس هذا فقط، بل إن الطعام العضوي له أيضا أضرار بيئية؛ لأنه يحتاج إلى المزيد من الأراضي الزراعية لإنتاج الكميات نفسها من الطعام، كما أنه يضيف إلى الانبعاثات الحرارية. وفي بريطانيا أجرت وزارة البيئة دراسة على إنتاج الألبان العضوية، وأشارت النتائج إلى أن صناعة الألبان بوجه عام من مصادر انبعاثات الغازات الضارة، وأن إنتاج اللتر الواحد من الحليب العضوي يحتاج إلى 80 في المائة من مساحة الأراضي الإضافية بالمقارنة مع الحليب غير العضوي، ويفرز 20 في المائة إضافية من غازات التأثير الحراري، ويساهم في زيادة الأمطار الحمضية بنسبة 70 في المائة إضافية.
وتفرز الأبقار التي ترعى في حقول عضوية نسبة مضاعفة من غاز الميثان عن أبقار المزارع غير العضوية، ويعد الميثان من الغازات الضارة بنسبة 20 ضعفا من ثاني أكسيد الكربون. ولذلك؛ فإن أسطورة أن أساليب الزراعة العضوية مفيدة للبيئة ليست صحيحة.
من الأساطير الأخرى المرتبطة بالزراعة العضوية هي أنها مستدامة. ولكن هذا النوع من الزراعة يحتاج إلى المزيد من الأراضي الزراعية. فالهكتار الواحد من الأراضي ينتج ضعفين ونصف الضعف من البطاطس ما ينتجه هكتار البطاطس العضوية، والذي يستهلك المزيد من الطاقة لاستخراج البطاطس من التربة.
كما أن الطماطم التي تتم زراعتها في صوبات دافئة في بريطانيا تستهلك مائة ضعف من الطاقة بالمقارنة مع الطماطم التي تزرع في حقول في أفريقيا؛ ولذلك فاستيراد الطماطم في هذه الحالة أفضل من ناحية التأثير السلبي على البيئة. وتقدر مصادر وزارة الزراعة البريطانية أن إنتاج الطماطم العضوية في بريطانيا يستهلك نسبة 25 في المائة إضافية من المياه.
وليس صحيحا أن الزراعة العضوية لا تستخدم المبيدات الحشرية، بل إن بعض المبيدات «الطبيعية» التي تستخدمها الزراعة العضوية تعد أكثر ضررا، ولا تخضع للمعايير الدقيقة التي تخضع لها المبيدات الكيميائية الحديثة التي تستخدم في الزراعة العادية. فالزراعة العضوية تعالج الإصابات الفطرية بمحلول النحاس بدلا من المبيدات الكيميائية التي تذوب بعد فترة. أما محلول النحاس فيظل ساما في التربة لفترات طويلة. وهناك بعض الأسمدة العضوية التي لها تأثيرات عصبية سلبية على الإنسان، ولها علاقة بالإصابة بأمراض الكبد وباركنسون، ولكنها مع ذلك لا تعد سببا كافيا لعدم الإقبال على الطعام العضوي.
ويقول مشجعو الطعام العضوي: إن الأطعمة غير العضوية تحتوي على «كوكتيل» من الكيماويات التي تسبب السرطان. ولكن ليس هناك أي إثبات علمي على أن معدلات السرطان زادت في السنوات الأخيرة، بل على العكس انخفضت هذه المعدلات خلال نصف القرن الماضي قياسا بسنوات العمر. كما أن الفلاحين الذين يقومون بزراعة المحاصيل باستخدام الأسمدة الكيماوية لا تظهر بينهم معدلات عالية من السرطان، بل العكس هو الصحيح.
وقبل 60 عاما كان كل الطعام المنتج في بريطانيا عضويا؛ ومع ذلك كان متوسط عمر الإنسان حينذاك 65 عاما، وكانت حالات التسمم الغذائي والأنيميا الغذائية منتشرة. والآن توفر أساليب الزراعة الحديثة الطعام الرخيص والصحي، وارتفع متوسط العمر إلى الثمانينات.
كما أن المزارع العضوية تستخدم هي أيضا المبيدات الحشرية لمقاومة الآفات. وهناك نحو 20 نوعا من المبيدات الكيماوية المعتمدة من وزارة الزراعة الأميركية للمزارع العضوية. ولا تسجل أي هيئة حكومية أميركية نسبة المبيدات التي تستخدم في المزارع العضوية.
ويقول مايكل بولان، مؤلف كتاب عن الزراعة العضوية: إن المزارع العضوية تلتزم اسما بالوسائل العضوية، ولا تؤمن بها، ولو زارها المستهلك وعرف وسائل الإنتاج فيها لاكتشف أنه يتعرض لعملية غش كبيرة.
ولا تختلف الزراعة العضوية عن غيرها بعدم استخدام المبيدات، وإنما الأمر يتعلق بأصل هذه المبيدات. في المزارع العضوية تكون المبيدات من أصل عضوي وليس كيماويا أو اصطناعيا. والافتراض هنا هو أن المبيدات العضوية أفضل من الكيماوية المصنعة. ولكن هذا الافتراض ليس صحيحا. فليس كل شيء عضوي غير سام أو غير ضار؛ فالكثير من أنواع البكتريا والفطريات والنباتات تفرز السموم والكيماويات التي لا يجب استخدامها في رش المحاصيل.
أما ادعاء أن الطعام العضوي أكثر فائدة غذائية، فإن دراسة من جامعة هوهنهايم أشارت إلى أنه ليست هناك استنتاجات واضحة عن فوائد إضافية للطعام العضوي يمكن إثباتها بالدراسات الحالية. وفي دراسات أخرى في هولندا والدنمارك والنمسا أن نسب الإصابة بالفيروسات والبكتريا كانت أكثر بين الدجاج في مزارع عضوية عنها بين الدجاج غير العضوي.
ويفخر أصحاب مزارع الدواجن العضوية أنهم لا يحقنون الدجاج بالمضادات الحيوية ولا بالأدوية الأخرى، ولكن ذلك يعني أن نسبة الأمراض والعدوى أعلى بين الدجاج العضوي. وينطبق الأمر نفسه على بقية حيوانات المزارع، حيث نقص الوزن فيها بالمقارنة مع الحيوانات غير العضوية يعود إلى ارتفاع نسب المرض بينها.
وفيما يتعلق بتحسن الطعم في الأغذية العضوية، أثبتت دراسة بريطانية أن الطماطم العضوية لها طعم أقوى من الطماطم غير العضوية، كذلك فإن الحليب العضوي يحتوي على نسبة أعلى من أحماض أوميغا 3، ولكن الطماطم غير العضوية يمكن أيضا تعزيز طعمها بتخزينها أياما عدة قبل الاستهلاك؛ لأن ذلك يستنفد نسبة المياه والرطوبة منها. ويعد طعم الطماطم العضوية القوي علامة على نقص النيتروجين.
وتقول شركات الطعام العضوي إن الطلب على هذا النوع من الأغذية يرتفع بقوة عاما بعد عام. وفي بريطانيا لا تزيد نسبة مبيعات الأغذية العضوية على واحد في المائة من إجمالي مبيعات الغذاء، لكن لوبي الغذاء العضوي يضخم من أهمية هذا القطاع وكأنه يهم شريحة كبيرة من السكان. ومن بين مبيعات طعام يبلغ حجمها في بريطانيا 104 مليارات إسترليني لا يزيد حجم مبيعات الأغذية العضوية على مليار إسترليني واحد.
ومنذ عام 2003 تتناقص مساحة الأراضي المخصصة للزراعة العضوية في بريطانيا. والمزيد من الفلاحين يعودون تدريجيا إلى وسائل الإنتاج العادية لأنها أكثر ربحا لهم من الإنتاج العضوي. ويقول الدكتور روب جونستون، خبير الأغذية: إن الطعام البريطاني صحي أكثر من أي وقت مضى، وإن المناقشات الجدية حول المستقبل يجب أن تتركز على أهمية توفير الطعام لمن يحتاجه بسعر مناسب، وليس على ترويج المخاوف بين الحين والآخر وبث معلومات خاطئة من أجل زيادة أرباح أنواع معينة من الطعام.
وتقول المطبوعة العلمية «ساينتفيك أميريكان»: إن مبيعات الطعام العضوي في العالم بلغ حجمها 52 مليار دولار، على الرغم من أنها تباع أحيانا بضعفي ثمن المنتجات العادية. وينفق المزيد من المستهلكين أموالهم على ما يعتقدون أنه أفضل أنواع الطعام. ويعتقد هؤلاء أنهم يحصلون على قيمة غذائية أعلى للأطعمة العضوية التي يشترونها من ناحية، وينقذون العالم من شرور وسائل الزراعة التقليدية من ناحية أخرى.
ولكن المطبوعة تعترف بأن هناك الكثير من الأساطير حول الأغذية العضوية، والمزيد من الدعاية التي تروج لها. ولا يعني هذا بالطبع أن الأغذية العضوية رديئة، فهناك بعض الفوائد المثبتة لها. فالابتعاد عن زراعة محصول واحد وزراعة محاصيل مختلطة مفيد للأرض الزراعية. ومع ذلك، فلا بد للتصدي للمبالغات حول فوائد الطعام العضوي.
فالمسألة رمادية وليست محددة الملامح؛ فالزارعة العضوية لها بعض الفوائد وقد تصلح في المستقبل، لكن ما لم تنتج بنفس حجم وكفاءة المزارع العادية لا يمكن اعتبارها بديلا نافعا لمعظم دول العالم. ويمكن اعتبار الطعام العضوي مثل المنتجات ذات الأسماء التجارية التي يدفع فيها المستهلك أسعارا أعلى لرغبته في الحصول عليها، لكنها ليست علاجا لكل المشكلات. والمستهلك العادي يمكن أن يحسن من صحته باستهلاك كميات أكبر من الفواكه والخضراوات بدلا من استبدال المنتجات العادية بأخرى عضوية.

حقائق عن الأغذية العضوية

> بعض المنتجات العضوية التي تعتبر صحية، مثل الشاي الأخضر ونبات الكايل لهما أضرار صحية عند استهلاكهما بكميات كبيرة.
> دراسة أميركية استمرت خمس سنوات كشفت عن عدم وجود أي فروق في صحة أبقار المزارع العضوية وأبقار المزارع التجارية.
> الأراضي التي تزرع بمحاصيل عضوية تنتج أقل من الحقول التجارية؛ ولذلك فإنتاج الكميات نفسها من المحاصيل يحتاج إلى مساحات إضافية من الأراضي، وهو الأمر غير المتاح في معظم دول العالم.
> المحاصيل العضوية تستخدم المبيدات الحشرية العضوية وبعضها أكثر ضررا من المبيدات الكيماوية مثل سلفات النحاس، التي تسبب أمراض الكبد.
> أبحاث نشرت في صحيفة «دايلي تلغراف» البريطانية تشير إلى أن أي دولة يقل معدل دخلها القومي بمبلغ 15 مليون دولار يموت فيها مواطن إضافي من سوء التغذية، أو عدم القدرة على الإنفاق على الدواء. وإذا تحولت دولة مثل الولايات المتحدة إلى الزراعة العضوية تماما فإن النقص في دخلها القومي سيعادل وفاة 13 ألف شخص سنويا.
> تعد الأطعمة العضوية من مظاهر الرفاهية في الدول الصناعية. أما في دول العالم الثالث، فإن القضية الأهم هي إنتاج ما يكفي من المحاصيل بالوسائل المتاحة كافة لتغطية حاجات السكان. أما تحويل العالم إلى مزارع عضوية فسيهدد ملايين البشر بالجوع.