طلبات الترشح للرئاسة تثير جدلاً في إيران... والبرلمان ينتقد

مرجع اعتبر تسجيل الناخبين «فضيحة على مستوى العالم وسخرية من النظام»

توأم إيراني وعد بالتصدي لأزمة البطالة بعد تقديم طلب الترشح - رجل دين له 18 ابناً وعد بإلغاء الشرطة وإباحة الترياق (أ.ف.ب) - رجل قدم طلب الترشح في اليوم الثاني للتسجيل (أ.ف.ب)
توأم إيراني وعد بالتصدي لأزمة البطالة بعد تقديم طلب الترشح - رجل دين له 18 ابناً وعد بإلغاء الشرطة وإباحة الترياق (أ.ف.ب) - رجل قدم طلب الترشح في اليوم الثاني للتسجيل (أ.ف.ب)
TT

طلبات الترشح للرئاسة تثير جدلاً في إيران... والبرلمان ينتقد

توأم إيراني وعد بالتصدي لأزمة البطالة بعد تقديم طلب الترشح - رجل دين له 18 ابناً وعد بإلغاء الشرطة وإباحة الترياق (أ.ف.ب) - رجل قدم طلب الترشح في اليوم الثاني للتسجيل (أ.ف.ب)
توأم إيراني وعد بالتصدي لأزمة البطالة بعد تقديم طلب الترشح - رجل دين له 18 ابناً وعد بإلغاء الشرطة وإباحة الترياق (أ.ف.ب) - رجل قدم طلب الترشح في اليوم الثاني للتسجيل (أ.ف.ب)

انتقد رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني تسجيل طلبات الترشح للانتخابات الرئاسية لأشخاص لا يملكون المواصفات المطلوبة معتبرا ما شهدته الأيام الماضية «وهنا» لعملية الانتخابات الإيرانية وذلك غداة انتقادات من المرجع الإيراني مكارم شيرازي لمسؤولين إيرانيين اعتبروا تدفق مئات المرشحين عاملا لبث الحماس في الانتخابات الإيرانية معتبرا ما شهدته الانتخابات «فضيحة على مستوى العالم وسخرية من النظام».
وأثارت عملية تسجيل المرشحين للانتخابات الرئاسية جدلا واسعا تحت تأثير قضايا هامشية نافست الأجواء السياسية في مقر وزارة الداخلية. وقالت لجنة الانتخابات الإيرانية إنها استقبلت نحو 1636 وهو أكبر عدد تسجله في تاريخ الانتخابات الرئاسية في البلاد. وقالت وكالة «إيلنا» إن 32 فقط من مجموع المرشحين يملكون فرصا لتجاوز مرحلة دراسة طلبات الترشح وخلال أيام تسجيل طلبات الترشيح التي بدأت منذ 11 لغاية 15 أبريل (نيسان) تناقلت وسائل الإعلام تدفق مئات المرشحين بدوافع مختلفة مما شكل مادة دسمة للسخرية في الشارع الإيراني. وعلى مدى الأيام الخمسة من عملية التسجيل كان مقر وزارة الداخلية مسرحا للطرائف والغرائب بسبب حضور مرشحين بهيئات وخلفيات مختلفة.
وبدأ رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني أعمال البرلمان بانتقاد عملية تسجيل طلبات الترشيح رغم ترحيبه بتلقي عدد كبير من الطلبات وفي إشارة إلى قضايا هامشية خيمت على عملية التسجيل، أعرب لاريجاني عن استغرابه من توجه أفراد لا يملكون الشروط المطلوبة لتقديم طلب الترشح للانتخابات الرئاسية ودافع عن قوانين أقرها البرلمان سابقا لتحديد شروط المرشحين بما فيها الشرط الأساسي وهو أن يكون المرشح تنطبق عليه مواصفات «الرجل السياسي أو رجل الدين». وانتقد لاريجاني عدم الوضوح في تطبيق القوانين المتعلقة بعملية تسجيل المرشحين.
وبحسب القوانين الانتخابية الإيرانية فإن الشرط على أن يكون في سجل المرشحين مسؤوليات تنفيذية وسياسية كبيرة تؤهله للجلوس على كرسي الرئاسة.
وفور انتهاء عملية التسجيل أول من أمس، نقلت وكالة الأنباء الرسمية «إرنا» انتقادات وردت على لسان المرجع الإيراني مكارم شيرازي أعرب فيها عن قلقه تجاه مسار تسجيل طلبات الترشح للانتخابات الرئاسية وجاء ذلك في سياق رده على مسؤولين اعتبروا تسجيل عدد كبير من الطلبات الترشح عامل «الحماس» في الانتخابات. وقال شيرازي في خطاب له في قم إن «شابا في السادسة عشرة وعجوزا تبلغ من العمر 90 عاما أو أشخاصاً لديهم مشكلات نفسية أو يدعون النبوة قدموا طلبات الترشح للانتخابات الرئاسية».
وبدأت عملية النظر في أهلية المرشحين أمس من قبل مجلس صيانة الدستور ومن المتوقع أن تعلن القائمة الأولية للمرشحين المقبولين في 20 من أبريل. وقال المتحدث باسم لجنة «صيانة الدستور» المكلفة بدراسة طلبات الترشيح إن أغلب المرشحين سترفض طلباتهم.
وطالب شيرازي لجنة «صيانة الدستور» بتطبيق صارم لقوانين الانتخابات على غرار تطبيق المرجعية الشيعية لدلالات يستندون إليها في إصدار الفتاوى الدينية، مشددا على ضرورة تطبيق «الدلالة الإلزامية» في توضيح شروط الترشيح مؤكدا على أن المرشحين يجب أن يكونوا حاصلين على شهادات دكتوراه أو «الاجتهاد» من الحوزة العلمية وألا يقل عمر المرشح دون الخامسة والثلاثين.
وقال شيرازي إن «الوضع الحالي لتسجيل المرشحين للرئاسة لا يليق بالنظام الإيراني» نافيا أن يكون تسجيل مئات ممن يفتقرون للشروط عاملا حماسيا في الانتخابات.
في الأثناء، دعا رئيس مجلس «صيانة الدستور» أحمد جنتي وضع قيود على عملية الترشح مطالبا البرلمان بإقرار قوانين خاصة بهذا الشأن. وقال جنتي إن بعض المرشحين «لا يملكون أدنى معلومات عن مهام رئيس الجمهورية» وفق ما أوردت عنه وكالة «إيلنا».
في غضون ذلك، اتهم نائب رئيس البرلمان الأول علي مطهري هيئة الإذاعة والتلفزيون بالوقوف وراء إثارة موجة السخرية من عملية تسجيل المرشحين للسباق الرئاسي منتقدا إصرار القنوات الرسمية على إجراء مقابلات مع مرشحين غير معروفين على هامش عملية التسجيل كما وجه انتقادات إلى وزارة الداخلية بسبب قصورها في تطبيق قوانين تسجيل المرشحين مشددا على أن «المعايير العامة لا تسمح للداخلية بتسجيل أي شخص للانتخابات الرئاسية» وفق ما نقل عنه موقع «خبر أونلاين».
في نفس الاتجاه، انتقد نواب في البرلمان الإيراني تغطية القنوات الإخبارية الإيرانية لنقلها مقابلات مع أشخاص قدموا أوراق الترشح للانتخابات الرئاسية أغلبهم من الشباب والمراهقين وقال النائب منوشهر جمالي خلال اجتماع البرلمان أمس «مدعاة للأسف أن تعمل هيئة الإذاعة والتلفزيون على إثارة هذه الأجواء»، معربا عن اعتقاده بأن القنوات الرسمية «سخرت» من عملية تسجيل المرشحين للانتخابات الرئاسية.
ومنذ أولى لحظات فتح باب الترشح للانتخابات الرئاسية سجلت وسائل الإعلام الإيرانية غرائب وطرائف من الانتخابات وخصصت وكالات الأنباء الإيرانية تقارير مطولة عن تلك الأحداث إلى جانب الترقب الذي ساد محيط وزارة الداخلية بانتظار دخول الشخصيات السياسية والمنافسين الأساسيين في الانتخابات.
وكان لافتا أن العدد الكبير من المرشحين يفتقرون للشروط الصارمة التي من المتوقع أن تطبقها لجنة «صيانة الدستور» وتجدر الإشارة أنه في الانتخابات الأخيرة أبعدت لجنة «صيانة الدستور» الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني الذي شغل المنصب لفترة ثمانية أعوام منذ 1989 كما استبعدت مستشار الرئيس الإيراني السابق، اسفنديار رحيم مشايي بسبب ما قالت افتقارهم لشروط الترشيح.
ومنذ إعلان وزير الداخلية رحمان فضلي انطلاق عمليات التسجيل تدفق المئات من المواطنين لتقديم طلبات الترشيح وبحسب ما تناقلت الوكالات فإن الدوافع كانت متباينة إلى حد بعيد. فبينما اتخذ فريق من المرشحين عملية التسجيل منبرا لإعلان احتجاجه على الأوضاع المعيشية الحالية في البلاد حاول فريق آخر استعراض مهاراته في الكاراتيه والتذكير بسجله في دخول موسوعة غينيس وكان المواطن أبو القاسم خاكي 45 عاما يبلغ 200 كيلوغرام وهو عامل قدم لطهران من يزد وسط إيران أول من اجتاز بوابة التسجيل وقال بعد تقديم الطلب إنه سينقل مياه الخليج إلى صحراء يزد وسيواجه أزمة البطالة بين الشباب بترويج تربية النعام في عموم إيران ووعد بالانسحاب من الانتخابات لصالح المرشح الذي يفوقه بالوزن. ومن طرائف اليوم الأول تؤأمان رفعا شعار مواجهة أزمة البطالة وادعت مرشحة تحمل شهادة الماجستير تدعي آذر بهرام أنها كتبت المفاوضات النووية قبل أن يقصيها وزير الخارجية الحالي محمد جواد ظريف من فريق المفاوضين بينما وعد المرشح محمد جواد غروسي وهو يرتدي نظارات شمسية وربطة عنق حمراء بأن ينقل وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» إلى طهران. كما ترشح رئيس رابطة مشجعي فريق «تراكتورسازي» لكرة القدم الذي قال للصحافيين إنه من أصدقاء أحمدي نجاد ويسميه بـ«البهلوان». وحمل صانع المفاتيح عدد كبير من الأقفال والمفاتيح للسخرية من شعار الرئيس الحالي حسن روحاني قائلا: إنه يجيد فتح الأقفال أفضل من روحاني.
أما اليوم الثاني فشهد تسجيل شاب في التاسعة عشرة قال إنه يريد أن يكون رئيسا لإطاعة أمر المرشد 100 في المائة وركض في أول ساعات الصباح لقطع الطريق على مرشح يحمل بيده حقيبة وردية ووعد شاب في السابعة والعشرين بإبعاد روحاني من حكومته. كذلك شهد اليوم الثاني دخول شاب من بلوشستان بملابس محلية كما توجه ثلاثة يرتدون ملابس عربية من الأحواز لتقديم طلب الترشح احتجاجا على تجاهل الأوضاع البيئية حسب ما ذكرت وكالة «إيلنا». وكانت مصممة أزياء من بين النساء المتقدمات لطلب الترشح.
وبدأ اليوم الثالث بدخول عامل بناء 29 عاما اعتبر نفسه رجلا سياسيا وكان رجل يرتدي ملابس رجال الدين الأكثر إثارة للجدل في اليوم الثالث وقال للصحافيين إن لديه خمس زوجات و18 من الأولاد ووعد برفع القيود عن الترياق وإلغاء جهاز الشرطة ومنع الإعدام. وقال مرشح آخر إنه نظرا لأوضاع شبه الجزيرة الكورية فإن البلد ليس بحاجة إلى رئيس معتدل. رجل آخر يرتدي ملابس محلية كردية قال للصحافيين إنه «أسرع دهان في الشرق الأوسط».
أما مرشح آخر لفت انتباه الصحافيين عندما أخرج الجبن والخبز من حقيبته بانتظار دوره لتقديم الطلب بينما نقلت القناة الإخبارية الرسمية مقابلة مع رجل سجل ابنته البالغة أربعة أعوام على قائمة المرشحين.
وأوضح رجل في الخمسينات أنه قدم طلب الترشح للمرة الرابعة مشددا على تشكيل حكومة «حربية» معلنا أن تشكيلته الوزارية ستبقى من الأمور السرية في البلد.
وقال رجل في 88 من العمر إنه أرسل 40 صفحة من مذكراته إلى المرشد مضيفا أن مستوى دراسته دكتوراه لكنه يحمل شهادة السادس ابتدائي. وتقدم أب في الأربعينات وطفلته دون العاشرة بتقديم طلب الترشح.
أما اليوم الرابع فقد قال رجل بشعر كثيف وشارب كبير إنه تقدم بطلب الترشح لأنه يملك أجمل الشوارب في إيران، وقالت مشكان صيامي 43 عاما إنها تريد «فصل الدين عن السياسة» وأطلق رجل حمائم قبل التوجه إلى تقديم طلب الترشح معلنا نيته القضاء على أزمة البطالة. وقال شاب حليق الشعر إنه نجار وأستاذه حلق شعره على تباطؤه في العمل.
وقالت امرأة في الخمسينات إنها تريد تسجيل ابنها لأنها خسرت أسهمها في شركة «كاسبين» مضيفة أنها تريد إيصال صوتها للمسؤولين وقال زوجان شابان تقدما بطلب الترشح إنهما متفقان على انسحاب الزوجة في حال الموافقة على طلب الترشح.
ولم يخلوا اليوم الختامي من الطرائف إذ أعلنت امرأة في الخمسينات أنها تقدمت بطلب الرئاسة تمهيدا لمحو الرجال الكسولين من المشهد السياسي وتكليفهم بالأعمال المنزلية. بينما أطلق عباس وكيل 68 عاما لقب «الزلزال» على حكومته.



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.