الجزائر: شبح مقاطعة الانتخابات يؤرق النظام

الناخبون مخيَرون يوم 4 مايو بين المؤسسات... والمصير الليبي للفوضى

الجزائر: شبح مقاطعة الانتخابات يؤرق النظام
TT

الجزائر: شبح مقاطعة الانتخابات يؤرق النظام

الجزائر: شبح مقاطعة الانتخابات يؤرق النظام

تبدي الحكومة الجزائرية حرصا شديدا على أن يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع، بكثافة يوم 4 مايو (أيار) المقبل، وتتعامل مع الاستحقاق البرلماني المرتقب على أنه مسألة حياة أو موت تخص شعبا بكامله. وعلى هذا الأساس، لا يتردد رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة، وكذلك الأحزاب الموالية لها، في ممارسة التخويف من مصير شبيه بما يجري في ليبيا من فوضى وخراب، إذا تجاوبت غالبية الجزائريين مع الدعوة إلى مقاطعة الانتخاب. ويقول مراقبون إن أكثر ما تخشاه السلطات، ليس تغيب الناخبين عن مراكز التصويت، بل اختيارهم غالبية أخرى غير تلك التي تهيمن على مؤسسة التشريع منذ وصول الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم قبل 18 سنة، وتتمثل في «جبهة التحرير الوطني»، أي حزب الرئيس، و«التجمع الوطني الديمقراطي» بقيادة وزير الدولة مدير الديوان بالرئاسة أحمد أويحيى الذي يعد من أبرز مساعدي بوتفليقة، وهو رئيس حكومته سابقاً.
جمعت «الشرق الأوسط» آراء شخصيات سياسية وناشطين ومواقفهم، بخصوص الرهانات المرتبطة بالانتخابات البرلمانية الجزائرية المقررة يوم 4 مايو المقبل، ونتائجها المتوقعة، وقراءاتهم لـ«الهوس الحكومي»، بخصوص دفع الملايين من الناخبين إلى التصويت. وقال وزير الدولة سابقا أبو جرة سلطاني: «دخلت التشكيلات السياسية، التي تجاوزت عقبة 4 في المائة (الحد الأدنى من الأصوات المحصل عليها في آخر انتخابات)، مضمار السباق نحـو قصر زيغود يوسف (مبنى البرلمان)، في أجـواء الاصطفاف على باب انتخابات الرئاسة المرتقبة دستوريا سنة 2019. وقبل إطلاق صافرة الركض تلقاء الحملة رسميا، قـرأ الرأي العام الوطني في الصفحة الأولى لحملة الانتخابات عنوانين بارزين: (لا تحلمـوا بالتغييـر فالاستمـرارية ضمان استقـرارنا، ولا يوجد من بين المتسابقيـن جواد يملك منافسة الحصان العتيد). وطبعاً: (الحصان العتيد) يقصد به (جبهة التحرير) الحزب الواحد الحاكم سابقاً».
وبحسب سلطاني، هذا يعني أن الأمور ستبقى على حالها «... وأن الكعكة البرلمانية ستحتفظ بأقساطها التقليدية لصالح الأُسـر السياسية، وليس لحساب الأحزاب المتنافسة ولا درّ في الصدفّ». ويفهم من كلام سلطاني، أن سيطرة ما يسمى «أحزاب الموالاة» على البرلمان ستستمر لخمس سنوات أخرى. ويضيف سلطاني «نصف الكعكة سيكون من نصيب الأسرة الوطنية، وثلثها للتيار العلماني وحواشيه، وأقل من خمسها بقليل سيتقاسمه التيار الإسلامي والمنشقون عنه... ويبقى ربع العشـر من فُتات الكعكة يؤول إلى المستقلين. بهذا المشهد الراجح يحتفظ تحالف الوطنيين والعلمانيين بالأغلبية الساحقة لتشكيل الحكومة المقبلة. ويُفتح للتيار الإسلامي رواق ضيّق لمـن تابوا وأصلحـوا وبينوا. أما المقاطعون فلا حظ لهم في عيـر النظام، ولا تأثيـر لهم على نفير الشعب. فلا شيء تغيّـر في برمجيات النظام، ولا جديد في برامج الأحـزاب، ولن تحرك الشعب دغدغات العواطف. فالكتلة الناخبة تصارع وحدها أزمة تدهـور القدرة الشرائية، وتحترق وحدها بلظى التهاب الأسعار...».

الانسجام المهدّد
أما قراءة أحميدة عياشي، الكاتب الصحافي والروائي المسرحي المعروف، لمجريات العملية الانتخابي، فهي كما يلي «تعيش السلطة اليوم لحظة في غاية الحرج؛ كونها لم تغيّر من الوضع شيئا منذ الولاية الرابعة لبوتفليقة، بل ازداد الوضع تدهورا على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، ولم يتحقق أي شيء من الوعود التي قدمت للجزائريين منذ أربع سنوات. وحتى الانسجام النسبي الذي كان داخل سرايا الحكم قد تصدع، وبات الصراع الخفي شبه معلن بين هيئة أركان الجيش ورئاسة الجمهورية، التي أضحت أكثر هشاشة بسبب مرض الرئيس بوتفليقة، وغيابه عن المشهد السياسي الفعلي؛ ما جعل المخاوف تتعاظم والقلق يتزايد».
وحقاً، يرى كثير من المراقبين، أن الاضطراب الذي يميز تصرّفات رجال النظام وخوفهم من التغيير بمناسبة الاستحقاق المرتقب، سببه مرض الرئيس وغموض الرؤية بخصوص مصيره في الحكم، وشكوك قوية في قدرته على الاستمرار إلى نهاية الولاية الرابعة عام 2019. وحسب عياشي فإن «المحيط الإقليمي (الأوضاع في ليبيا ومالي) ظل يشكل شبحا بالنسبة للاستقرار الذي ضخت السلطة من أجل الحفاظ عليه - ولا تزال - أموالا طائلة. ومن هنا أدركت الحكومة اليوم أنها تواجه خطرا غير مسبوق؛ ما جعلها تتفاوض في الخفاء، وبشكل فردي، مع المعارضة... التي هي الأخرى تعيش لحظة ضعف وتمزق وفقدان شرعية حقيقية في الشارع، بغية الوصول إلى مشهد توافقي صوري. وتمت خلال ذلك عملية مقايضة، بحيث تبدو السلطة وكأنها تملك مصداقية وشرعية، نظير حصول المعارضة على مقابل متمثل في المحاصصة التي تضمن لها مقاعد في البرلمان وحقائب في الحكومة المرتقبة. كل ذلك يجري تمهيدا لتموقع جديد في ظل انتخابات الرئاسة المنتظرة، لكن هذه التسوية تتم في حالة من اللامبالاة وانعدام الثقة عند المواطنين».
ويتابع عياشي «في الحقيقة، تسعى السلطة من وراء هذه الصفقة إلى إشراك المعارضة أو جزء منها، في تحمل مسؤولية فشل الحقبة الأخيرة من حكم بوتفليقة. ومن هنا نلاحظ هذه النبرة الحادة من الحكومة، تجاه من طالبوا من الأقلية المتواجدة في المعارضة من تيارات وشخصيات سياسية بمقاطعة الانتخابات، واتهامهم بالعمالة لقوى أجنبية مفترضة تريد الشر للجزائر، ومن ثم، تقديمهم إلى الرأي العام على أساس أنهم يمثلون محور الشر. وبذلك؛ تعيد السلطة إنتاج الخطاب نفسه الذي استعملته ضد الذين عارضوا الولاية الرابعة لبوتفليقة، محاولة بذلك قطع الطريق أمام انطلاق شرارة الموجة الثانية من (الربيع الجزائري)، التي تستميت السلطات في الحؤول دون اندلاعه. وكل هذا، والجبهة الاجتماعية خصوصا تعيش وضعا غير مسبوق من حيث الانحدار اللافت للقدرة الشرائية للجزائريين، وعجز السلطة في ظروف الأزمة الاقتصادية عن شراء السلم الاجتماعي... كما فعلت في وقت الرخاء». ويطلق مسمى «السلم الاجتماعي» في الجزائر على إجراءات اتخذت في زمن الوفرة، كتوزيع السكن واستيراد كماليات كثيرة؛ بغية ثني الجزائريين عن المطالبة بتغيير النظام.

المقاطعة... والديمقراطية
في المقابل، يبدو ناصر حمدادوش، البرلماني الإسلامي والقيادي في «حركة مجتمع السلم»، أقل تشاؤما من عياشي، فوفق مرئياته «الأصل أن هذه الانتخابات فرصة للجزائر لتثبت احترام الإرادة الشعبية بالآلية الديمقراطية من أجل التغيير والإصلاح الحقيقي. ولذلك؛ لا يسعنا إلا أن نشارك فيها بقوة، لانعدام أي مشروع سياسي آخر وبديل عملي فاعل لتحقيق التغيير. ونحن بصفتنا حزبا قدمنا ما علينا في هذا الشأن رسائل سياسية إيجابية، والكرة الآن في مرمى السلطة لإثبات حسن النية للعبور بالبلاد إلى بر الأمان، ولاحتواء أي أزمة محتملة في المستقبل قد تعصف بمؤسسات شرعية وذات مصداقية».
ويتفق حمدادوش إلى حد ما مع الحكومة، بخصوص مقاطعة الاستحقاق، قائلا: «المقاطعة ليست برنامجاً سياسيا، بل هي موقف. وإذا تغنى البعض بأن الأغلبية الصامتة تعتبر مقاطعة، منذ توقيف المسار الانتخابي عام 1991 (إلغاء نتائج انتخابات البرلمان التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ)، فماذا قدمت الأغلبية ما عدا الركون إلى الحلول المريحة والسهلة؟». ويستطرد «المقاطعة لا تخدم إلا استمرار الوضع كما هو، وهو ما يعني الانسحاب والسلبية التي لا تخدم إلا مزوّري الانتخابات. إن الاستماتة في المقاطعة لا تعني أننا سنصل إلى الديمقراطية الحقيقية. وللأسف الشديد لا تزال الإرادة السياسية العليا غائبة بخصوص احترام الإرادة الشعبية عبر الآلية الديمقراطية؛ وهو ما يجعل ذهنية السيطرة والتحكم في نتائج الانتخابات مهيمنة، وبالتالي، لا يسمح بالتداول السلمي على السلطة. ولكن رغم كل ذلك، تبقى المقاومة السياسية والنضال الديمقراطي مستمرا؛ لأن الحقوق تُؤخذ ولا تُعطى».
من جانب ثانٍ، يلاحظ حمدادوش أن «تصرفات السلطة تزيد في العزوف الانتخابي، وبخاصة عندما تكرّر الأسطوانة المشروخة نفسها حول تخيير المواطن بين الأمن والاستقرار وبين الديمقراطية»، في إشارة إلى تصريحات لمسؤولين جاء فيها أن «شبح الحرب الأهلية في ليبيا، يخيم على الجزائر إذا تخلف الجزائريون عن انتخاب مؤسساتهم الشرعية». ويتابع البرلماني الإسلامي، موضحاً موقفه وموقف تياره السياسي «إن هواجسنا من التزوير، الذي هو أخطر أنواع الفساد التي تهدد مستقبل البلاد، مبنية على سوابق حقيقية. وعندما يتبجّح الآن رموز السلطة بأن التزوير خلال المواعيد السابقة كان ضرورة لمصلحة البلاد، فهو إيحاء سلبي لتهيئة الرأي العام لقبول التزوير في المستقبل، لأن الظروف الحالية أسوأ وأخطر من السابق».

رؤية لاجئ من الخارج
من جهته، يقول: أنور هدام، اللاجئ السياسي بالولايات المتحدة الأميركية ورئيس «حركة الحرية والعدالة الاجتماعية» إن الوضع في الجزائر يتميز بـ«غياب إرادة حقيقية للتغيير السلمي والتداول الحضاري على السلطة لدى، أصحاب القرار». ويعود هدام إلى الوعود بالإصلاح الدستوري التي سبق أن أطلقها الرئيس بوتفليقة قبل 6 سنوات، فيقول: «الإصلاحات السياسية التي أعلنها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في خطاب يوم 14 أبريل (نيسان) 2011 في خضم الربيع الديمقراطي الذي شهدته آنذاك منطقتنا، زرعت آمالا كبيرة في نفوس الجزائريين لإحداث تحول سياسي سلمي يضع حدا لأزمة اختيار السلطة السياسية في البلد، وما ترتب عنها من أزمات أمنية واجتماعية واقتصادية. لكن كما لوحظ بحق الكثير من النشطاء السياسيين وحقوق الإنسان الجزائريين، فإن مجموعة القوانين التي صدرت لتنفيذ تلك الإصلاحات السياسية، كخطوة لتعميق العملية الديمقراطية، زادت في الواقع من التضييق على المجتمع والحقل السياسي».
وهنا يرى القيادي البارز في «جبهة الإنقاذ» سابقاً (استقال من صفوفها) أن «لهذه الإصلاحات التجميلية السطحية، والاستمرار في سياسة الاستبعاد غير العادلة لجزء كبير من المجتمع من العملية السياسية، تأثيرا مباشرا، ليس فقط على شفافية الانتخابات المقبلة، لكن أيضا على المجتمع الجزائري ككل ومستقبله، فضلا عن المنطقة المغاربية برمتها». ثم يلاحظ «عدم وجود بيئة سياسية صحية يمكن أن تجري فيها انتخابات نزيهة». ويتابع هدام إن «أصحاب القرار يعتبرون في الانفتاح الديمقراطي الذي تشهده بعض الدول المجاورة - رغم تعثره - تهديدا لاستقرار الجزائر والمنطقة ينبغي وضع حد له. ومن هنا استمرارهم في رفض وعرقلة التحول الديمقراطي في بلدنا؛ ذلك أن الإدارة ما زالت منحازة ومدجنة، حيث لا سلطة حقيقية للجنة مراقبة الانتخابات على العملية الانتخابية».
ويضيف هدام «هناك شريحة عريضة من السياسيين، ما زالت ممنوعة من حق الترشح في الانتخابات» - في إشارة إلى قياديي وحركيي «الإنقاذ» الذين تحملهم السلطة مسؤولية الدماء التي سالت خلال الحرب الأهلية، في تسعينات القرن الماضي - ويستطرد «ما زال جزء كبير ممن انتخبهم الشعب في أكثر الانتخابات نزاهة عرفتها الجزائر منذ الاستقلال (1991)، ممنوعا من ممارسة حقوقه المدنية والسياسية، بتهمة وقوفه وراء المأساة الوطنية، بعيدا عن أي تحقيق مستقل في كل الجرائم التي ارتكبت بحق الأبرياء، وفي غياب أي حكم قضائي يحدد المسؤوليات في تلك الأحداث الأليمة... كل ذلك يشكل عقبات في وجه التغيير المنشود ووسيلة تزوير مسبق للانتخابات والتلاعب بنتائجها».
وتجدر الإشارة، إلى أن في الجزائر، ما يسمى بـ«العشرية السوداء» التي ترمز إلى الإرهاب والدمار، دفعت بالسلطة إلى اتخاذ تدابير دستورية وقانونية، حدّت من نطاق انتشار الإسلامويين سياسيا. وجرت مساع لعودة هدام إلى الجزائر عام 2006 في إطار سياسة «المصالحة»، لكن جهة في النظام رفضت ذلك، وتتهم السلطات هدام بتبني عملية إرهابية وقعت عام 1994 بقلب العاصمة خلفت 40 قتيلا، بينما هو ينفي ذلك. ويرى هدام أنه «رغم سلبيات الوضع الحالي، فإن آفاق تحقيق تحول ديمقراطي حقيقي في الجزائر، التي قد تُفتح على الشعب الجزائري، تدفعنا في حركة الحرية والعدالة الاجتماعية إلى تجديد الدعوة لكل مخلص وطني له يد داخل السلطة الفعلية، ممن هم جادين في مسألة إحداث التغيير المنشود، إلى تكثيف التواصل للمساهمة الحقيقية والفعلية... وذلك من أجل تحقيق توافق وطني للعمل معا لرفض الاستمرار في تنظيم انتخابات مزورة حتى قبل أن تجري، وتوفير الظروف المناسبة لتنظيم انتخابات تعددية نزيهة وشفافة تسمح لشعبنا بتحقيق تحول ديمقراطي حقيقي، من خلال فتح المجال للمشاركة السياسية لجميع الجزائريين دون أي إقصاء؛ وإطلاق هيئة انتخابات مستقلة حقيقة تشرف على العملية الانتخابية من بدايتها إلى نهايتها، ونشر قائمة لائحة الناخبين؛ والتعهد باحترام نتائج الانتخابات. إن الانتخابات التي تهدف إلى فرض اختيار أصحاب القرار، بدلا أن تتيح للشعب انتخاب ممثليه، لا تكرس الفساد والاسترزاق بالمال العام فحسب، بل تحرم كذلك المجتمع من الأمل بأي إصلاح أو تغيير سلمي».

برلمان عاجز عن الرقابة
على صعيد آخر، للباحث عدة فلاحي، الذي كان برلمانيا قبل أكثر من 10 سنوات، رأي في الحراك السياسي الجاري المرتبط بالاقتراع؛ إذ يقول: «السلطة التشريعية على العموم بالجزائر هي سلطة شكلية، وجدت لإعطاء الشرعية للسلطة التنفيذية وللنظام أكثر من كونها معبرة عن توجهات وخيارات المواطن. ولو كان الأمر غير ذلك، لتمت تسوية الكثير من الملفات وحلّ الكثير من الأزمات السياسية والاقتصادية، التي تكبر ككرة الثلج، وبالخصوص، مع تراجع نوعية المنتخبين بالمجلس التشريعي... الذي للأسف شهد أسوأ فتراته حينما جاء على رأسه شخصية من المفروض أنها كانت تحسب على النخبة المثقفة، وهو الدكتور العربي ولد خليفة. وهذه صورة أخرى من البؤس المؤسساتي، حينما يخفق رجل مثقف في أن يعطي للمؤسسة التشريعية مصداقيتها وصلاحياتها، فإذا كان هذا هو الحال وهذه هي النتيجة، كيف يمكن التعويل على من هو دونه في المستوى وفي التجربة؟!».
ويفضل فلاحي التعاطي مع الاستحقاق، بطرح السؤال التالي «هل مطلوب من البرلمان أن يشرَع القوانين... أم يناقش ويصادق على النصوص التي تأتيه من الحكومة...أو في شكل أوامر رئاسية؟ حتى هذه الصلاحية الأساسية أخفق فيها، ولم يعد يجتهد في أن يصدر تشريعات لمصلحة المواطن، بل يكتفي بالتنديد والشجب وإصدار البيانات في أحسن الحالات». ويردف «أمام العجز في مجال التشريع والمحدودية في أداء مهمة الرقابة على أعمال الحكومة، وغياب النواب عن الجلسات العامة وأشغال اللجان البرلمانية، واللجوء للطرق السهلة في طرح الأسئلة الشفوية، التي توظف في الغالب كإشهار لصاحبها أكثر من الرغبة في الوصول إلى الحقيقة، والتكفل بانشغال المواطن، لا يمكن أن نتفاءل خيراً بالبرلمان الجديد؛ لأن غالبيته للأسف ستكون مكلفة بمهمة ليست مهمة النائب».
وبشأن التخويف من «مستقبل مظلم»، إذا لم ينتخب الجزائريون بقوة الشهر المقبل، يرى فلاحي أن «التخوّف والتخويف دليل على هشاشة السلطة، وإلا لترك الأمر يمر عاديا. ولو عالجت السلطة المشكلات أيام الأمن والرخاء لما احتاجت إلى علاجات أخرى تخلق بها «فوبيا البلقنة» التي تعيشها بعض الدول العربية. ولكن أمام هذا المأزق السياسي المزمن، تتحمل النخبة المثقفة بمن فيها رجال الدين، المسؤولية. فما معنى أن تدعو بعض الزوايا المهتمة بتحفيظ القرآن، في خطاباتها إلى ضرورة الذهاب للانتخابات؟ ألم يقل وزير الشؤون الدينية محمد عيسى بأن الزوايا مستقلة عن الحكومة... ولا دخل لها في السياسة؟».
إن التخويف لأكبر دليل على أن «السلطة معطوبة»، كما قال الراحل عبد الحميد مهري (أمين عام «جبهة التحرير» سابقاً). والمفارقة الآن هي أن السلطة تريد أن تبقى معطوبة... وكأن ذلك هو الذي يعطيها حق البقاء؛ لأن هذا العطب توظفه لصالحها بالتخويف. وللأسف مرة أخرى، عطب السلطة أضحى وسيلة للبقاء وليس مدعاة للتغيير!».



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.