جان لوك ميلونشون سهم «اليسار المتمرّد» المسدّد إلى الإليزيه

«بيرني ساندرز» الانتخابات الرئاسية الفرنسية

جان لوك ميلونشون سهم «اليسار المتمرّد» المسدّد إلى الإليزيه
TT

جان لوك ميلونشون سهم «اليسار المتمرّد» المسدّد إلى الإليزيه

جان لوك ميلونشون سهم «اليسار المتمرّد» المسدّد إلى الإليزيه

إذا كانت ثمة حاجة إلى إظهار أن جان لوك ميلونشون، مرشح ما يمكن وصفه بـ«فرنسا المتمردة»، أخذ يقض مضاجع المرشحين الثلاثة الأوائل مارين لوبان (اليمين المتطرف) وإيمانويل ماكرون (الوسط) وفرنسوا فيّون (اليمين التقليدي)، فهو تركيز الثلاثة، دفعة واحدة، على مهاجمته وتشبيهه برموز اليسار العالمي المتشدد تروتسكي وكاسترو وتشافيز، والتنديد ببرنامجه الانتخابي الذي سيعيد فرنسا سنوات إلى الوراء.
معظم الفرنسيين يتذكرون أن جان لوك ميلونشون، الخارج أساساً من حضن الحزب الاشتراكي قبل أن يهجره ويستدير استدارة إضافية نحو اليسار المتشدد، لديه برنامج معلن ومطبوع وموزع بمئات الآلاف من النسخ. ومن ثم، فإن هجاءه فحسب لا يكفي. وعليه لا بد من نسف الدينامية التي أطلقها، والتي جعلته يصل إلى المرتبة الثالثة في استطلاعات الرأي - بعد لوبان وماكرون، وقبل فيّون - يفترض تهشيم برنامجه وإيهام الناس بأن وصوله إلى رئاسة الجمهورية سيعني عودة الشيوعية ووصول الدبابات «السوفياتية» إلى أبواب باريس، وإعادة تأميم الشركات، وتشريع الأبواب أمام زحف اللاجئين والمهاجرين... وغير ذلك من الحجج السريالية التي لها غرض واحد: تخويف الناس ودفعهم للانفضاض عن هذا المرشح غير العادي.

المتحدي المغمور
قبل أقل من شهر، لم يكن أي من المرشحين الثلاثة مهتما بميلونشون أو شاعرا حتى بوجوده. لا بل إن بونوا هامون، مرشح الحزب الاشتراكي الذي يحكم فرنسا منذ خمس سنوات، ذهب إلى حد دعوة ميلونشون إلى الانسحاب من السباق لصالحه بغرض توحيد صفوف اليسار، وتمكينه من الوصول إلى الجولة الثانية الحاسمة من الانتخابات الرئاسية. يومذاك كانت استطلاعات الرأي تعطي ميلونشون ما بين 10 و12 في المائة، بينما كانت شعبية هامون أعلى من ذلك بقليل. لكن الأمور تبدّلت جذرياً اليوم: فميلونشون يجاوز 20 في المائة مقابل دون الـ10 في المائة هامون. والواضح أن الأول امتص أصوات الثاني من الحزب الاشتراكي المنقسم على نفسه بين جناح ليبرالي التحق كثرة من أعلامه - وبينهم رئيس الوزراء السابق مانويل فالس، ووزير الدفاع جان إيف لو دريان - بالمرشح ماكرون، وآخر يساري يفضل اللحاق بركب ميلونشون؛ لأنه «الأوفر حظاً» في الوصول إلى الجولة الثانية من الانتخابات.
حقيقة الأمر، أن ميلونشون اقترب كثيراً من دائرة الخطر. وبينما المرشحان الأولان، لوبان وماكرون، يتراجعان في استطلاعات الرأي، حاصلين على ما بين 22 و23 في المائة، ما زال ميلونشون ينتقل من مربع إلى مربع أعلى في تكرار لظاهرة المرشح اليساري للرئاسة الأميركية بيرني ساندرز. وخوف الطبقة السياسية الفرنسية اليوم أن يحافظ على وتيرة تقدمه بحيث ينجح في التأهل للجولة الثانية من الانتخابات التي ستجرى يوم 7 مايو (أيار) المقبل، وسيكون عندها المنافس النهائي لمارين لوبان.

السيناريو - الكابوس
هذا «السيناريو ــ الكابوس» بالنسبة للكثير من الفرنسيين، لم يكن أحد يتوقعه قبل أسابيع عدة. ميلونشون (المترشح للرئاسة للمرة الثانية؛ إذ كانت المرة الأولى عام 2012)، تحسنت صورته كثيرا لدى الفرنسيين، ويبدو، وفق استطلاعات الرأي، الأصدق، والأقرب إلى الناس، والأنظف كفاً في حمأة الفضائح التي تحاصر مرشح اليمين ومرشحة اليمين المتطرف. الكل يعترف بقدرته على الحديث إلى الناس وكسب اهتمامهم واتساع ثقافته. لكنه اليوم، أصبح يشكل تهديدا لليمين واليسار والوسط على السواء. وإذا استمر تراجع أسهم ماكرون خلال الفترة المتبقية حتى الجولة الأولى من الانتخابات في 23 الحالي، وبقي فيّون غارقا في فضائحه العائلية، فإن الطريق ستمهد أمام ميلونشون. وعندها ستدخل فرنسا في دائرة المجهول ومعها العملة الموحدة ومصير الاتحاد الأوروبي. ولذا؛ فإن نواقيس الخطر قرعت من كل جانب، بل إن الرئيس فرنسوا هولاند الذي أوصل الحزب الاشتراكي إلى حالة الانفجار حذّر من انتخاب ميلونشون من غير أن يسميه. إذ قال هولاند في حديث هذا الأسبوع لصحيفة «لو موند» إن «التبسيطات تستبطن الكثير من المخاطر؛ لأننا نشاهد الخطيب ونتناسى المضمون والبرامج» في إشارة إلى كون ميلونشون خطيباً مفوّهاً، وهي الخصلة التي يعترف بها خصومه قبل أصدقائه. وفي حين يشبه التعبير عن تفضيله المرشح ماكرون، الذي كان مساعد أمين عام قصر الإليزيه، قبل أن يعينه هولاند وزيرا للاقتصاد، أعلن الرئيس الفرنسي أن الحياة السياسية «في حاجة إلى التجديد» في تلميح واضح لعمر ماكرون البالغ 39 سنة فقط. من ناحية أخرى، معروف في فرنسا أن صحيفة «لو فيغارو»، التي يملكها صاحب شركة «داسو» لتصنيع الطائرات، تخصصت في مهاجمة خصوم فيّون والدفاع عن برنامجه الانتخابي. ويوم الأربعاء خصصت هذه الصحيفة اليمينية أربع صفحات لمهاجمة ميلونشون، وخوفها الأكبر أن ينجح في تجاوز فيّون... بل والتأهل للدورة الثانية. وجاء في افتتاحية الصحيفة قولها «من الآن فصاعدا أصبح ميلونشون أحد أصحاب الحظوظ في هذه الانتخابات. لكن المشكلة أنه أعد لنا برنامجاً انتخابياً مستوحى من ثوار أميركا الجنوبية، وتحديداً «الرفيق» الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز. وليس سرا أن مرشح «فرنسا المتمردة» يكنّ له إعجاباً منقطع النظير. وبرنامج الأخير ينص على زيادة في المصاريف العامة بمبلغ 270 مليار يورو وزيادة الضرائب بما يبلغ 120 مليار يورو، كما ينوي استلاب كل ما يكسبه المرء ويتخطى الـ400 ألف يورو سنوياً، ناهيك عن زيادة أسبوع إضافي للفرصة السنوية لتصبح ستة أسابيع وخفض ساعات العمل... كل ذلك سيصيب الاقتصاد الوطني في الصميم، ومنذ الآن بدأت الأسواق المالية تبدي قلقها، في حين سعر الفائدة على الديون الفرنسية أخذت بالارتفاع».

برنامج اقتصادي راديكالي
وحقاً، يأخذ اليمين على ميلونشون أن برنامجه الاقتصادي ــ الاجتماعي «مستحيل التطبيق». ويصفه فيّون بأنه «برنامج لحكم شيوعي»، وأن الاقتصاد الفرنسي سيغرق معه كما غرقت سفينة «تايتانيك ». أما بخصوص سياسة الهجرة، فإنه «من أنصارها بالمطلق». ويتوافق حكم فيّون مع ما يقوله رئيس هيئة أرباب العمل الفرنسية الذي يحذر من وصول ميلونشون، ومن «الانهيار» الذي يرون أنه سيصيب الاقتصاد الفرنسي، والارتفاع المجنون لأرقام البطالة والكساد، ناهيك عن المخاطر المترتبة على خروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي وتخليها عن العملة الموحّدة. ويركز ماكرون هجومه على منافسه اليساري المتشدد الذي يصفه بـ«الثوري الشيوعي».
من جهة ثانية، بما أن ميلونشون يقدم نفسه بأنه «مرشح السلام»، فإن رد ماكرون هو أنه يرفض «سلام بوتين» الرئيس الروسي الذي يدافع الأول عن سياسته، بما فيها سياسته السورية. ولم يتأخر ميلونشون في الرد على منتقديه، فقال خلال مهرجان انتخابي مساء الأربعاء «إذا انتخبتم أحد هؤلاء الثلاثة (لوبان وماكرون وفيّون) فإنكم ستنزفون دماً». وأعاد فيّون لمحصلة ترؤسه الحكومة الفرنسية طيلة خمس سنوات (بين 2007 ــ 2012) ليقول له وعنه إن أرقام البطالة زادت في أيامه مليونا، والدين العام ارتفع إلى 600 مليار يورو. أما عن ماكرون فيقول ميلونشون إن البطالة خلال وجوده في وزارة الاقتصاد بلغت أرقاما قياسية؛ إذ وصلت إلى 6.6 مليون شخص. كذلك هاجمه على «خيانته» للرئيس هولاند «الذي صنعه»، وذكره بأنه تخلى عن بطاقة الحزب الاشتراكي ليذهب إلى بنك روتشيلد للاستثمار الشهير.

الجولة الأولى
بعد بضعة أيام، يستدعى الـ47 مليون ناخب فرنسي إلى صناديق الاقتراع في الجولة الأولى التي ستحمل في دورتها الثانية في السابع من مايو المقبل الرئيس الثامن إلى قصر الإليزيه. ويجمع المراقبون والمحللون السياسيون في فرنسا على أن هذه الانتخابات لا تشبه أياً من الانتخابات الرئاسية السابقة التي جرت منذ تأسيس «الجمهورية الخامسة» عام 1958. فمن جهة، يبدو بوضوح أن الحزبين الرئيسيين اللذين تناوبا على حكم البلاد منذ نحو ستين سنة سيكونان على الأرجح غائبَين عن الجولة الثانية. ومن جهة ثانية، يبدو اليمين المتطرف ممثلا بمرشحته مارين لوبان، التي ترأس «الجبهة الوطنية» في وضع يؤهلها لاحتلال المرتبة الأولى يوم الأحد 27 أبريل (نيسان) الحالي. وهذه المرة الأولى في تاريخ الجمهورية الفرنسية التي يقترب فيها اليمين المتطرف واليسار المتشدّد من مقاعد السلطة، متخطين بذلك الحزبين «التقليديين»، أي حزب «الجمهوريون» (اليميني الكلاسيكي مع بعض مجموعات الوسط) والحزب الاشتراكي (مع الراديكاليين ويسار الوسط). ومن جهة ثالثة، تعرف فرنسا ظاهرة المرشح إيمانويل ماكرون، الذي ينافس لوبان على المركز الأول. وليس لماكرون قاعدة حزب يقف وراءها، بل إنه أسس الصيف الماضي حركة سياسية سماها «إلى الأمام». ويريد ماكرون أن يتخطى اليمين واليسار معاً. لكن مشكلته أنه في حال انتخابه رئيسا، قد لا تتوافر له أكثرية نيابية تدعم عمله التشريعي والتنفيذي في البرلمان، وتكفل الاستقرار السياسي في البلاد. وهذه المشكلة ستطرح أيضاً في حال فوز لوبان أو ميلونشون. لذا؛ فإن فيّون يحاول تسويق فكرة أنه «الوحيد» من بين المرشحين الأربعة قادر على توفير الاستقرار وقيادة البلاد دون هزات سياسية متلاحقة.

بطاقة هوية
يبقى السؤال الذي يجب أن يطرح: ما سر صاحب نظرية «الجمهورية السادسة» وسر ديناميته وقدرته على اجتذاب شرائح مجتمعية كثيرة وأولها الشباب؟ لا تبرز قراءة سيرة حياة ميلونشون «مفاجآت»: فالرجل المولود في مدينة طنجة، بشمال المغرب لعائلة ذات أصول إسبانية، عام 1951، ودرس في جامعة الفرانش – كومتيه بمدينة بيزانسون (شرقي فرنسا) ومارس التعليم. وسياسيا، انتمى للحزب الاشتراكي طيلة 30 سنة قبل أن ينفصل عنه في العام 2008 ويؤسس «حزب اليسار». وشغل ميلونشون منصباً وزارياً في حكومة ليونيل جوسبان (1997 ــ 2002) كما كان عضوا في مجلس الشيوخ قبل أن يصبح نائباً أوروبياً (حتى العام 2014). ومنذ وصول فرنسوا هولاند إلى الحكم قبل خمس سنوات، كان ميلونشون أحد أكبر وأشرس منتقديه، متهما إياه بـ«خيانة» قاعدته الانتخابية وانتهاجه سياسة يمينية ممالئة لأرباب العمل.
من هنا، فإن ترشيحه، الذي يحظى بدعم الحزب الشيوعي ومجموعات اليسار وجزء من البيئويين، ومن الجناح اليساري في الحزب الاشتراكي، يُراد له أن يحدث في البلاد نقلة باتجاه العدالة الاجتماعية، وتثمين العمل على حساب رأس المال، واستعادة حرية الحركة الاقتصادية والمالية لفرنسا، من غير أن يقول صراحة إنه يريد الخروج من أوروبا أو من العملة الموحّدة. لكن المنطق يبين أن اتباع الطريق التي يرسمها تقود إلى إحداث تغيير أساسي في فرنسا وفي الاتحاد الأوروبي. فالرجل الذي يريد أن يتخلى عن «الجمهورية الخامسة» وينتقل إلى «جمهورية سادسة» يغلب عليها النظام البرلماني، يريد أن يهتم بالطبقتين الدنيا والوسطى. ومن الإجراءات التي يدعو إليها توفير الحماية الاجتماعية والضمان الصحي بنسبة 100 في المائة، والهبوط بسن التقاعد إلى 60 سنة وإنزال ساعات العمل إلى 32 ساعة أسبوعياً - بدل 35 ساعة حالياً - وتوفير المسكن لكل الفرنسيين مع نهاية العهدة الرئاسية المقبلة. ويخطط ميلونشون لزيادة الحد الدنى للرواتب ليصل إلى 1300 يورو، ولمنع التسريح الاعتباطي، خصوصا الهادف إلى تحقيق أرباح في البورصة. ويريد توظيف 10 آلاف رجل أمن، وتقديم فرص عمل للعاطلين، والتخلي عن الطاقة النووية لصالح الطاقة المتجددة. أما بالنسبة لقانون الضرائب، فإنه بعكس المرشحين الثلاثة الذين يريدون إلغاء «الضريبة على الثروة»، فإنه يريد فرض ضريبة بنسبة 100 في المائة على كل ما يتخطى عشرين مرة الراتب المتوسط، أو ما يزيد على 400 ألف يورو سنويا. واجتماعيا، يقترح السماح بتعاطي حشيشة الكيف، ويدعو إلى توفير حق المشاركة في الانتخابات المحلية للأجانب الذين يعيشون في فرنسا.



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.