معيتيق رئيسا للحكومة الليبية

نائب رئيس المؤتمر الوطني رفض الاعتراف بفوزه وعده انقلابا

أحمد عمر معيتيق
أحمد عمر معيتيق
TT

معيتيق رئيسا للحكومة الليبية

أحمد عمر معيتيق
أحمد عمر معيتيق

بعد جلسة مثيرة للجدل، تخللتها مشاحنات كلامية وعملية تصويت اتسمت بالفوضى، حسم المؤتمر الوطني العام (البرلمان) في ليبيا موقفه وانتخب المليونير ورجل الأعمال الليبي من مصراتة أحمد عمر معيتيق رئيسا للحكومة الجديدة، بعد إعلان حصوله على 121 صوتا، وطلب منه رسميا تشكيل حكومته خلال فترة أسبوعين بدأت منذ الأمس.
وعلمت «الشرق الأوسط» أن عز الدين العوامي، النائب الأول لرئيس البرلمان، رفض الاعتراف بهذه النتيجة، وأعلن أن ما حدث يعد انقلابا، مشيرا إلى أنه «كقائم بأعمال رئاسة (المؤتمر)، قرر رفع الجلسة بعدما حصل معيتيق على 113 صوتا فقط لا غير، وهو أقل بسبعة أصوات من النصاب القانوني الذي تنص عليه اللائحة الداخلية لـ(المؤتمر)، التي تقضي بحصول الفائز بالمنصب على 120 صوتا».
وقال أعضاء في البرلمان لـ«الشرق الأوسط»، إن العوامي قال إنه قرر رفع الجلسة وخرج من القاعة بعد هذه النتيجة، قبل أن يفاجأ لاحقا بأن الجلسة مستمرة في غيابه، مؤكدا أنه لا يعترف بمعيتيق رئيسا للحكومة، وأن عملية فوزه شابتها مشاكل قانونية ودستورية.
ونقل الأعضاء عن العوامي قوله إنه سيلجأ إلى النائب العام الليبي لفتح تحقيق رسمي في ملابسات كل ما حدث خلال الجلسة، لكن مصادر أخرى قالت إن هناك محاولات تجري لإقناع العوامي بالعدول عن موقفه.
وقرر أعضاء مؤيدون لمعيتيق تشكيل وفد لعقد اجتماع عاجل مع العوامي، لم تتضح نتيجته حتى ساعة إعداد هذا التقرير مساء أمس، بالتزامن مع إعلان العوامي اعتزامه عقد مؤتمر صحافي لشرح وجهة نظره. وقال أعضاء في «المؤتمر» لاحقا لبعض وسائل الإعلام المحلية، إن فوز معيتيق بمنصب رئيس الحكومة غير قانوني، ويمثل اعتداء على الشرعية الدستورية. ومن شأن هذه التصريحات أن تؤثر سلبا على علاقة معيتيق مستقبلا بأعضاء «المؤتمر»، علما بأنه يتعين عليه تقديم قائمة بأعضاء حكومته إلى «المؤتمر» في أسرع وقت ممكن لاعتمادها.
وشارك 152 نائبا، من أصل 200 هم إجمالي عدد أعضاء البرلمان، الذي يعد أعلى سلطة دستورية وسياسية في البلاد، في الاقتراع الذي سبقته مباحثات حول الأسلوب الواجب اعتماده للاختيار بين المرشحين. وأدى معيتيق اليمين الدستورية من ورقة مكتوبة معدة سلفا، حيث تعهد بأن يؤدي مهام عمله بكل أمانة وإخلاص، وأن يظل مخلصا لأهداف ثورة 17 فبراير (شباط) عام 2011 ضد نظام حكم العقيد الراحل معمر القذافي.
وبعد عزف النشيد الوطني، قال صالح المخزوم، النائب الثاني لرئيس البرلمان، إن «المؤتمر» كلف معيتيق تشكيل الحكومة الجديدة على أن يجري ذلك خلال فترة أسبوعين، داعيا إياه إلى الإسراع في اختيار حكومته قبل انتهاء هذه المهلة نظرا لحاجة البلاد إلى حكومة لديها ميزانية عمل.
ومن أصل سبعة مرشحين، وصل معيتيق وعمر الحاسي من بنغازي (شرق) إلى الصدارة يوم الثلاثاء الماضي بحصولهما على 67 و34 صوتا على التوالي من أصل 152 نائبا حضروا الجلسة في الدورة الأولى، علما بأنه جرى تعليق الدورة الثانية بسبب هجوم شنته مجموعة مسلحة لا تزال دوافعها مجهولة، على مقر البرلمان.
وكان البرلمان عين عبد الله الثني رئيسا للوزراء بالوكالة بعد أن أقال سلفه علي زيدان خلال شهر مارس (آذار) الماضي، إثر صراع بين السلطة التنفيذية والتشريعية. وفي غياب توافق، صدق البرلمان على تعيين الثني في الثامن من الشهر الماضي، لكن الثني أعلن بعد خمسة أيام استقالته بعدما تعرض لاعتداء، بحسب ما قال.
في غضون ذلك، أعلن علي الترهوني، رئيس هيئة صياغة مشروع الدستور، أمس في مدينة بنغازي، أن الشريعة الإسلامية ستكون مرجعية الهيئة في كتابة الدستور الجديد، واعدا بالاستماع إلى كل الليبيين من دون تمييز.
وقال الترهوني، وفقا لما بثته وكالة الأنباء المحلية، إن «اللجنة مستقلة لا سلطان عليها سوى الله»، لافتا إلى أنه «لن يسمح لأي جسم أو حزب أو تكتل ولا حتى أعلى سلطة في الدولة (البرلمان) بالتدخل أو فرض أي بنود أو نصوص على اللجنة»، مشيرا إلى أن «اللجنة بدأت تتماسك وهي تسير في الطريق الصحيح».
ورأى أن «نجاح اللجنة يكمل في التواصل المباشر مع جميع الشرائح من الناس وأن مؤسسات المجتمع المدني سيكون لها دور كبير في عمل الهيئة وسنتواصل معهم دائما»، مشيرا إلى أن «اللجنة إذا وصلت إلى ما يريده الشارع الليبي، فإن ذلك سيكون مقياسا حقيقيا لنجاحها وتحقيق دولة القانون والدستور، دولة ليبيا الجديدة».
وكشف الترهوني عن أن الهيئة تعمل حاليا لبحث مشكلة عزوف بعض المكونات عن المشاركة في صياغة الدستور مثل الأمازيغ والطوارق والتبو، بالإضافة إلى التغلب على المشاكل الأمنية التي وقعت في مدينتي درنة وتوكرة.
من جهة أخرى، أعلنت وزارة الثقافة الليبية اعتزامها إعداد مسلسل تلفزيوني عن سيرة العاهل الليبي الراحل محمد إدريس السنوسي ودوره في تاريخ ليبيا الحديثة. وقال بيان مقتضب، بثته الحكومة على موقعها الإلكتروني، إنه جرت الموافقة على مقترح المسلسل من الناحية التاريخية والفنية لضمان أن يكون مطابقا لأحداث التاريخ الليبي على أن تقدم الوزارة مقترحا للميزانية المطلوبة وخطة التنفيذ.
كما أعلنت الحكومة موافقتها على اقتراح وزير الثقافة بشأن دفع الديون المستحقة على قناة «الساعة» الموجودة في المنطقة الحرة المصرية وإعادة هيكلة مجلس إدارتها وتفعيلها والاستفادة من خدماتها.

* معيتيق.. أصغر رئيس وزراء ليبي منذ سقوط القذافي
* القاهرة: «الشرق الأوسط»
يتحدر أحمد عمر معيتيق من قبيلة زمورة في مصراتة، وهو نجل المليونير الليبي المعروف عمر معيتيق الذي صادر العقيد الراحل معمر القذافي أغلب أمواله. وهو أيضا ابن شقيقة سياسي ليبي اشتهر محليا بإثارته للجدل هو عبد الرحمن السويحلي.
معيتيق من سكان مدينة طرابلس وحصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة لندن.
وفي تقديمه لنفسه لأعضاء البرلمان، قال معيتيق: «عمري 42 عاما، ومدير مجموعة من المؤسسات الاقتصادية والتنموية. وأحد الثوار الذين ساهموا في حرب التحرير، وعضو غرفة تحرير طرابلس، وأعمل في مجالات اقتصادية. ولا أحمل أي جنسية أخرى غير ليبية».
ويتضمن برنامج حكومته أربعة بنود رئيسة لتحقيق الاستقرار والأمن، في مقدمتها بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية وتحسين مستوى المعيشة ورفع الدخل والمصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية وملف الحكم المحلي واللامركزية.
ويعتقد معيتيق، الذي يعد سادس وأصغر رئيس للحكومة منذ سقوط نظام القذافي عام 2011، أن عمر حكومته الزمني سيكون قصيرا للوصول إلى مرحلة الانتخابات المقبلة وانتخاب مجلس جديد للنواب.
وسبق أن تولى رئاسة الوزراء في ليبيا عقب انتهاء فترة حكم القذافي خمسة وزراء هم كل من: محمود جبريل (تحت اسم رئيس المكتب التنفيذي)، ثم عبد الرحيم الكيب. ثم انتخب مصطفى أبو شاقور وكلف تشكيل حكومة، لكن البرلمان رفض منح الثقة لحكومته مرتين مما أجبره على التنحي.
وبعدها جرى انتخاب علي زيدان رئيسا للوزراء، إلى أن أقاله البرلمان في 11 مارس (آذار) الماضي، وكلف وزير الدفاع عبد الله الثني بخلافته مؤقتا.
 



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.