هل يمكن أن تتحول الثقافة إلى منتج اقتصادي منافس؟

مؤتمر في عُمان يناقش الاستثمار في حقولها

الدرمكي خلال الاستعداد لإطلاق مؤتمر «الاستثمار في الثقافة»
الدرمكي خلال الاستعداد لإطلاق مؤتمر «الاستثمار في الثقافة»
TT

هل يمكن أن تتحول الثقافة إلى منتج اقتصادي منافس؟

الدرمكي خلال الاستعداد لإطلاق مؤتمر «الاستثمار في الثقافة»
الدرمكي خلال الاستعداد لإطلاق مؤتمر «الاستثمار في الثقافة»

تشهد العاصمة العُمانية مسقط، اليوم الثلاثاء، عقد مؤتمر بعنوان «الاستثمار في الثقافة» تشارك فيه 15 دولة عربية وأجنبية، ويسلط الضوء على سبل الاستفادة من الإرث الثقافي لخدمة المجتمع وتنميته.
ينظم المؤتمر النادي الثقافي في سلطنة عمان، بالتعاون مع وزارة التراث والثقافة، والجمعية الاقتصادية العمانية، ومؤسسة بيت الزبير ويستمر 3 أيام، ويشارك فيه باحثون وأكاديميون من السعودية والكويت وقطر والبحرين والسودان والمغرب ومصر واليمن وتونس والجزائر وإيران وفرنسا وألمانيا وباكستان، إضافة إلى سلطنة عمان. ويشمل المؤتمر 8 جلسات على مدى 3 أيام بالمتحف الوطني في مسقط والنادي الثقافي ومؤسسة بيت الزبير. ويهدف المؤتمر إلى «زيادة الإجابة عن مجموعة من التساؤلات من أهمها: كيف يتم تحويل المواد الثقافية إلى مواد اقتصادية إلى جانب نوع المشروعات الاقتصادية التي يمكنها الاستثمار في الثقافة، فضلاً عن كيفية استفادة المشروعات الصغيرة والمتوسطة من مواد الثقافة اقتصادياً، إضافة إلى عرض أهم التجارب الاستثمارية الاقتصادية العربية أو العالمية التي نجحت في استثمار الثقافة»، كما تقول عائشة بنت حمد الدرمكي رئيسة مجلس إدارة النادي الثقافي العُماني.
وتضيف رئيسة مجلس إدارة النادي الثقافي العُماني: «إذا كنا نعتقد أن (التهجين) و(التنوع الثقافي) هما الرهان لـ(الصمود) أمام تيار العولمة المتسارع الذي يسعى ليكون المجتمع العالمي شكلاً وفكراً (وحيداً)، فإن هذا (الصمود) لا يعني عدم الانفتاح وإنما يعني قدرة تلك المجتمعات على الحفاظ على (هُويتها)، في ظل المتغيرات المتسارعة والمتلاحقة التي (تستهدف) جوهر المجتمع (الثقافة)، ومن هنا تأتي أهمية التركيز على (الاستثمار في الثقافة)».
وهي ترى أن «الاستثمار لا يعني إهدار المكوِّن الثقافي الذي تُبنى عليه المجتمعات بقدر ما يعني قدرة تلك المجتمعات على المضي قدما في الحفاظ على هويتها وإنتاج أشكال جديدة من الثقافة تتماشى مع جوهرها من ناحية والتطور العلمي والتكنولوجي من ناحية أخرى». وإن الدول المتقدمة، كما تضيف: «أولت الثقافة عناية فائقة من حيث تعزيز قدراتها الاقتصادية والتخطيط الاستراتيجي القائم على تدعيم المنتجات الثقافية، وتحسين مناخات الاستثمار فيها، وزيادة الإنتاجية والقدرات التنافسية للأنشطة والمشروعات التي يؤسسها المثقفون بكل شرائحهم المجتمعية، وانطلقت تلك العناية من الكوادر البشرية المنتجة للمكوِن الثقافي، حتى أصبح الابتكار والإبداع الثقافي مجالين واسعين للاستثمار الاقتصادي».
وأوضحت الدرمكي أن فكرة هذا المؤتمر جاءت تماشياً مع تلك المتغيرات التنموية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها مجتمعاتنا اليوم، فهي متغيرات تتأسس على البعد الثقافي الذي يشمل قطاعات المجتمع كلها، فعلى الرغم من وجود مجموعة من المشروعات الاستثمارية في مجالات الثقافة، سواء أكانت في التراث أو الآداب أو الفنون أو المتحفية أو غيرها، فإن تلك المشروعات تطالعنا باستحياء غير قادرة على المضي قدماً نحو النماء الاقتصادي الذي يمكن أن يشكل سيرورة اقتصادية على المستوى المحلي، بل إن البعض منها يكتفي بأن يسمي نفسه تنمية «مجتمعية»!.
وحددت لجنة إعداد المؤتمر 4 عناوين رئيسية هي: محور «دور القطاع الخاص في دعم المشاريع الثقافية»، و«النهوض الاقتصادي بالقطاع الثقافي وإعداد الموارد البشرية»، و«الاستثمار الاقتصادي للمبدعين في المجال الثقافي»، و«نماذج دراسات جدوى اقتصادية في مجالات الثقافة». لكن، كما تشير رئيسة مجلس إدارة النادي الثقافي العُماني، لم يتقدم إلى هذه المحاور أي باحث بأي أطروحة يمكن أن تكون مدخلاً لدراستها، وهو أمر لافت لا بد من تأمله والرجوع إلى أسبابه؛ إذ كان التركيز على فكرة استثمار المنتج الثقافي من خلال المحاور المطروحة في البرنامج.
يشمل اليوم الأول للمؤتمر (اليوم) الذي يشهد حفل الافتتاح عقد جلستي عمل، الجلسة الأولى، بعنوان: «البعد الاقتصادي للثقافة: أهمية الثقافة كونها عاملاً من عوامل توليد الثروة والتنمية الاقتصادية (الأسس النظرية)»، يقدّم فيها الدكتور يوسف بن حمد البلوشي، ورقة عمل بعنوان: «تعزيز ونشر ثقافة الاستثمار في الثقافة»، والدكتور محمد بن حمد الندابي، ورقة بعنوان: «أثر الاستثمار في الفعاليات الثقافية في بناء رأس المال الاقتصادي».
أما الجلسة الثانية، فتحمل عنوان: «تمويل الثقافة والنهوض بالصناعات الثقافية: التنمية الثقافية وثقافة التنمية»، يقدّم فيها محمد رضا اللواتي، ورقة عمل بعنوان: «نحو البرنامج الوطني للتنمية الثقافية»، وحمود بن سليمان الجابري ورقة بعنوان: «صناعة المنتج الثقافي. الإمكانات والكوامن لتجذير الصناعات الثقافية»، والباحث الجزائري الدكتور رشيد بن مالك، ورقة عمل بعنوان: «تمويل الثقافة وإشكالية النهوض بالصناعات الثقافية»، والأكاديمي البحريني محمد السلمان، ورقة بعنوان: «النهوض الاقتصادي وإعداد الموارد البشرية في قطاع الثقافة»، والأكاديمي المصري عبد الحكيم خليل سيد، ورقة بعنوان: «الاستثمار في الثقافة الشعبية تنمية مستدامة».
أما اليوم الثاني للمؤتمر (غداً) فيشهد 6 جلسات عمل، الأولى بعنوان: «الاستثمار الثقافي ووضع السياسات الاستثمارية»، يقدم فيها الدكتور مسعود بن سعيد الحضرمي ورقة بعنوان: «انعكاس ثقافة المجتمع في التوجه نحو تحقيق التنمية الثقافية. الفرص والتحديات»، والدكتور سعيد بن سليمان العيسائي، ورقة بعنوان: «السياحة الثقافية في سلطنة عمان خطوة على طريق الاستثمار في الثقافة»، وأفراح بنت مصبح المقبالي، ورقة بعنوان: «الاستثمار الثقافي ووضع السياسات الاستثمارية»، كما تشارك جليلة راشد الغافري، وزيانة عبد الله أمبوسعيدي بورقة تحمل عنوان: «واقع الاستثمار الحكومي لرأس المال الثقافي في المجتمع العماني وآليات تفعيله من وجهة نظر الشباب العماني»، والباحث اليمني ياسر عماد الهياجي بورقة بعنوان: «الأُسس الاستراتيجية لاستثمار التراث الثقافي في التنمية السياحية وتعزيز النواحي الثقافية... منظور اقتصادي»، وعائشة بنت حارب البحرية، بورقة «مشروع الحكايات والأساطير المرتبطة بالأمكنة العمانية، من ذاكرة رواة إلى استثمار اقتصادي».
الجلسة الثانية، بعنوان: «بناء مؤشرات قياس البعد الاقتصادي للثقافة»، يقدم فيها الأكاديمي المغربي الدكتور عبد الفتاح الزين، ورقة بعنوان: «مكانة الشباب في البناء الوطني و(أوراش التنمية البشرية): المغرب نموذجاً»، والباحثة الباكستانية المقيمة في عمان، ورقة بعنوان: «البعد الاقتصادي للثقافة، وأهمية الثقافة كعنصر للتنمية الاقتصادية وتوليد الثروة». وورقة عمل مشتركة بين الباحثين المصريين أمير نبيه تادرس، وهويدة عيد السيد بعنوان: «الاقتصاديات الإبداعية في قارة أفريقيا الطموحات والتحديات».
أما الجلسة الثالثة فهي بعنوان: «الإبداع والمقاولة: المشروعات الثقافية الصغيرة والمتوسطة»، يتحدث فيها علي سليمان الرواحي بعنوان: «خصخصة الثقافة العمانية»، وخالد بن عبد الله الخروصي بعنوان: «المخطوطات العمانية في القرن 13 الهجري. التجربة والاستثمار»، وزوينة بنت سلطان الراشدية، بعنوان: «مشروع استثماري تطويري تسويقي للحرف التقليدية العمانية».
في الجلسة الرابعة، ستقدم عدة أوراق منها: «الموارد المحلية المتوفرة في الاستثمار في الثقافة»، تتحدث فيها وضحاء بنت شامس الكيومية بعنوان «آليات تفعيل الأبنية الثقافية ما بعد الأزمة الاقتصادية في المجتمع العماني»، والباحث المغربي الدكتور سعيد علوش بعنوان: «الاستثمار الاقتصادي للتراث اللامادي في الثقافة الوطنية من منظور النقد الثقافي»، وورقة عمل مشتركة بين الباحثين العمانيين الدكتورة شيخة عبد الله المنذري، والدكتور بدر سالم القطيطي بعنوان: «الاستثمار الاقتصادي المعرفي في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها»، والباحثة المصرية نورهان محمود الجنجيهي الاستثمار الثقافي في تصميم المدن المستدامة، والباحثة التونسية هالة الهذيلي حمودة بعنوان: «الاستثمار الثقافي الفني وآليات الانغماس عبر الوسيط الافتراضي»، والناقد والسينمائي الإيراني الدكتور محمد علي حسين نجاد بعنوان: «الاستثمار في تجربة السينما الإيرانية».
الجلسة الخامسة تعقد مساء اليوم بعنوان: «نماذج دراسات جدوى اقتصادية في مجالات الثقافة»، يشارك فيها أحمد محمد الرحبي بعنوان: «تجربة بيت الغشام للنشر والترجمة في استثمار الثقافة في عمان»، والباحثة الكويتية بزة الباطني باستعراض تجربة «مشروع بيت الحزاوي»، وورقة عمل مشتركة بين خالد بن سعيد النبهاني ومحمد بن سالم الحارثي بعنوان: «التاريخ والإنتاج الفني: هوم سينما ومشروع عكاسة»، والباحث السعودي الدكتور سيف الدين علي مهدي، بعنوان «المكون الثقافي للشعوب وأثره على التنمية الاقتصادية. مع التركيز على حالات بعض الدول».
الجلسة الأخيرة بعنوان «تجارب محلية ودولية في الاستثمار في الثقافة»، تشارك فيها الباحثة القطرية سميرة عبيد بعنوان: «المشروع الثقافي والاستثمار الاقتصادي (كتارا) نموذجاً»، ولويزة ناظور بعنوان: «تجارب دولية في الاستثمار الاقتصادي في الثقافة (فرنسا) نموذجاً»، ونصر بن ناصر البوسعيدي بعنوان: «تجارب محلية في الاستثمار في الثقافة، (دار الأوبرا السلطانية وموقع البليد الأثري والمتحف الوطني) نموذجا».



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.