السلطات الروسية أمام تحديات جديدة

بعد تفجير محطة مترو سان بطرسبرغ

السلطات الروسية أمام تحديات جديدة
TT

السلطات الروسية أمام تحديات جديدة

السلطات الروسية أمام تحديات جديدة

لم يكن التفجير الذي وقع في مترو (قطار الأنفاق) بمدينة بطرسبرغ، ثاني أهم وأكبر المدن الروسية، مجرد عمل إرهابي انتحاري أودى بحياة أبرياء. ذلك أنه، فضلا عن نتائجه المأساوية إنسانياً، شكل صدمة نوعاً ما لمؤسسات الدولة الروسية المعنية بمكافحة الإرهاب، ناهيك بالصدمة التي خلفها في أوساط المجتمع الروسي. التفجير – كما هو معلوم – وقع في واحدة من أكثر المنشآت حساسية هي شبكة النقل عبر المترو، التي تشكل فضاء محصوراً نوعاً ما، يحتشد فيه دوماً أعداد كبيرة من الناس وبكثافة عالية في المكان، ما يعني أن أي تفجير من الممكن أن يؤدي إلى نتائج كارثية.
حتى الآن لم يتضح للسلطات الأمنية الروسية التي تحقق في تفجير مترو (قطار أنفاق) مدينة بطرسبرغ قبل بضعة أيام كيف تمكن المشتبه به من الوصول ومعه حقائب فيها عبوات ناسفة إلى داخل شبكة المترو. لكن الأمر الأكيد أن أجهزة الأمن الروسية ستعيد صياغة منظومة الأمن على المواصلات، آخذة بالحسبان دروس مأساة مترو بطرسبرغ.
من جانب آخر يضع التفجير في المترو عمليات التكامل الاقتصادي بين روسيا وحلفائها في آسيا الوسطى أمام امتحان معقد. فمنفذ التفجير واحد من أبناء آسيا الوسطى كان قد انتقل للعيش في روسيا، لأسباب اقتصادية على الأرجح. ومن ثم فإن منع تكرار مثل تلك الأعمال، من دون أن يترك ذلك أثراً سلبياً على العمالة الوافدة من آسيا الوسطى إلى السوق الروسية، يتطلب تدابير عالية الدقة وتعاوناً وثيقاً بين مؤسسات الأمن في الفضاء السوفياتي السابق.

يوم الحادث
في الثالث من أبريل (نيسان) بدأ كثيرون في مدينة بطرسبرغ، يومهم كما أي يوم طبيعي، ولم يكن هناك ما ينذر بمأساة. ولكن في تمام الساعة 14:40، ظهيرة ذلك اليوم، انفجرت عبوة ناسفة في عربة من عربات مترو المدينة بينما كان يسير بسرعة، كما جرت العادة، متجهاً من محطة تيخنولوغيتشسكي إنستيتوت (المعهد التقني) إلى محطة «سينايا بلوشاد». وخلال الساعات الأولى، كانت الأنباء متضاربة حول ما جرى وأعداد الضحايا، فبداية أعلنت مصادر أمنية روسية عن تفجير أودى بحياة عشرة مواطنين. وبحلول مساء ذلك اليوم أكدت وزارة الصحة الروسية سقوط 14 قتيلا ونحو 50 جريحاً نتيجة التفجير.
أيضاً، في الساعات الأولى قال الأمن الروسي إنه يدرس كل الاحتمالات الممكنة لما جرى، بما في ذلك احتمال «عمل إرهابي». واللافت أن هذا كله جرى في بطرسبرغ، بينما كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين - ابن بطرسبرغ - موجوداً في المدينة، ما يعني أن الإجراءات الأمنية، كما هو مفترض، يجب أن تكون «فوق مشددة» في المدينة بشكل عام.
وبعد ساعات على التفجير في المترو، أقرت السلطات أن ما جرى عمل إرهابي، وأشارت إلى مشتبه به بين الضحايا، ما يعني أنه عمل انتحاري. وفي الوقت ذاته أعلنت الهيئة الوطنية الروسية لمكافحة الإرهاب عن العثور على عبوة ناسفة يدوية الصنع في محطة مترو «بلوشاد فوستانيا»، وقال أندريه برجيزدومسكي، مدير المكتب الصحافي الهيئة في حديث لقناة «روسيا - 24»، إن الأمن عثر في محطة مترو «بلوشاد فوستانيا» في بطرسبرغ، على عبوة ناسفة يدوية الصنع وقام بتعطيلها.
وبينما كانت لجان التحقيق تواصل عملها للكشف عن ملابسات ما جرى أعلنت سلطات مدينة بطرسبرغ الحداد لمدة ثلاثة أيام على أرواح ضحايا تفجير المترو. وقالت محافظة المدينة في بيان على «تويتر»: «بموجب أوامر محافظ بطرسبرغ غيورغي بولتافتشينكو، يُعلن الحداد في المدينة ثلاثة أيام». ونقلت وكالة «تاس» عن اللجنة تأكيدها أن «الاستخبارات والمؤسسات الأمنية تواصل عملياتياً إجراءاتها الرامية إلى الكشف عن أي تهديد إرهابي وإحباطه».

هوية الجاني
وفي اليوم التالي أعلنت لجنة التحقيق الفيدرالية الروسية أنها تمكنت من تحديد هوية الشخص الذي يعتقد أنه نفذ التفجير في مترو سان بطرسبرغ، إذ قالت سفيتلانا بيترينكو، المتحدثة الرسمية باسم اللجنة إن الشخص الذي يتوقع أنه نفد التفجير اسمه أكبرجون جليلوف، وأنه من مواليد مقاطعة أوش في جمهورية قيرغيزيا (قيرغيزستان) بآسيا الوسطى عام 1995. وتابعت المتحدثة القول إن المحققين عثروا على أشلائه في العربة الثالثة من القطار. ويرجح المحققون أن جليلوف حمل العبوة الناسفة التي فجرها داخل حقيبة، كان يضعها على ظهره لحظة الانفجار.
كذلك أشارت التحقيقات إلى أن جليلوف نفسه هو من وضع عبوة ناسفة في محطة مترو «بلوشاد فوستانيا»، وحسب كلام بيترينكو، فإن إن تحاليل الحمض النووي وتسجيلات كاميرات المراقبة تشير إلى أن الشخص الذي فجر نفسه في عربة المترو أثناء توجهها من محطة «تيخنولوغيتشسكي إنستيتوت» إلى محطة «سينايا بلوشاد» هو ذاته الذي وضع في محطة «بلوشاد فوستانيا»، حقيبة فيها عبوة ناسفة معدة للتفجير.
ومن ناحية أخرى، أكد مصدر في الاستخبارات القيرغيزية إن المشتبه به في التفجير هو أكبرجون جليلوف من مواليد مقاطعة أوش. وأوضحت السلطات القيرغيزية إن جليلوف انتقل مع أسرته للعيش في بطرسبرغ، وحصل على الجنسية الروسية.

اتجاهات التحقيق
بعد تحديد كل تلك المعطيات اتجه مسار التحقيق نحو تحديد ما إذا كان جليلوف قد نفذ العملية بمفرده، أم أنه فعل ذلك ضمن ارتباطات مع تنظيمات إرهابية ما. لذلك دوهمت شقة كان استأجرها جيلوف في المدينة، وأخذ الأمن منها 9 بكرات شريط لاصق ومواد أخرى تفيد في التحقيق. كذلك قام بدراسة تحركاته يومها وأظهرت لقطات سجلتها كاميرات المراقبة قرب المبنى نفسه جليلوف، وهو يغادر المنزل حاملاً حقيبة وحقيبة ظهر، يُتوقع أن الأولى كانت فيها العبوة التي وضعها في محطة مترو «بلوشاد فوستانيا» والثانية، حقيبة الظهر، كانت فيها العبوة التي فجرها في عربة المترو.
وفي السياق ذاته أعلن الأمن الروسي عن توقيف ثلاثة أشخاص، يُعتقد أنهم شركاء لجليلوف. وذكرت وكالة «إنترفاكس» للأنباء نقلاً عن مصدر أمني أن «ثلاثة أشخاص تم اعتقالهم في مبنى يطل على شارع توفاريشسكي في بطرسبرغ، ويحقق الأمن حالياً في احتمال صلتهم بالانتحاري جليلوف». ووفقاً لمصادر الأمن القيرغيزي فإن أكبرجون جليلوف، من شعب الأوزبك لكنه مولود في منطقة أوش القيرغيزية. وتضيف أنه ربما قام بتنفيذ التفجير الانتحاري بعدما وقع تحت تأثير جماعة «التوحيد والجهاد» التي تقاتل راهناً - حسب المصادر – في سوريا. وتقول الاستخبارات القيرغيزية أيضاً إن مئات الأوزبك - وهو الشعب التركي المسلم الأكبر تعداداً في جمهوريات آسيا الوسطى - بمن فيهم شبان من الأوزبك من أبناء منطقة أوش القيرغيزية يقاتلون اليوم في صفوف تلك الجماعة المتطرفة.

الصلة مع سوريا
والحقيقة أنه حاول البعض ربط التفجير في المترو بالعملية العسكرية الروسية في سوريا، غير أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف رفض بغضب شديد هذه الأحاديث. وللعلم، كان تنظيم داعش الإرهابي قد دعا إلى ضرب روسيا بعد تدخلها المباشر بنهاية سبتمبر (أيلول) عام 2015 في سوريا لدعم قوات النظام السوري. ومنذ ذلك الحين وقعت هجمات عدة في روسيا، لكنها كانت بصورة رئيسية في جمهوريات القوقاز. وتعلن قوات الأمن الروسية بصورة شبه يومية عن عمليات في تلك المنطقة، تقوم خلالها إما بقتل أو بإلقاء القبض على إرهابيين، بينما تعلن اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب عن توقيف أشخاص ينشطون بتجنيد الشباب في الجماعات الإرهابية، بما في ذلك أعلنت خلال الأشهر الماضية عن عمليات توقيف مماثلة لمواطنين من جمهوريات آسيا الوسطى، خلال عمليات في العاصمة موسكو وريفها.

روسيا... مهددة
ويقول مراقبون إن روسيا كانت مهددة بوقوع أعمال إرهابية كثيرة وخطيرة، لولا جهود السلطات الأمنية في التصدي مبكراً لكل أشكال التطرف، وملاحقة أي شخص يشتبه بميوله الإرهابي أو علاقته بتنظيمات إرهابية.
ومن أهم العمليات الأمنية التي نفذتها هيئة الأمن الفيدرالية وقوات الداخلية والحرس الوطني الروسي، اعتقال أعضاء خلية سرية تابعة لتنظيم داعش في جمهورية داغستان (القوقازية ذاتية الحكم داخل روسيا الاتحادية) في الخامس من مارس (آذار) الماضي. وقالت اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب في بيان رسمي إن عناصر هيئة الأمن الفيدرالي (كي جي بي سابقاً) ومعهم عناصر وزارة الداخلية الروسية تمكنوا من اعتقال أعضاء الخلية، وإنهم «مجموعة من أربعة أشخاص، من سكان داغستان، كانت لديهم نيات بارتكاب جرائم بحق ممثلي مؤسسات السلطة وعناصر المؤسسات الأمنية». وحسب المعطيات المتوفرة لدى اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب، فإن الأشخاص الأربعة أعضاء فيما يُطلَق عليه «خلية نائمة» مرتبطة بتنظيم داعش، وشاركوا جميعهم في هجمات مسلحة على السكان المحليين.
فضلاً عن ذلك أسهمت العمليات الأمنية في مختلف مناطق روسيا بإحباط عمليات إرهابية جرى التحضير لتنفيذها في العاصمة موسكو، وأيضاً في مدينة بطرسبرغ وجمهورية إنغوشيا (الذاتية الحكم التابعة أيضاً لروسيا في القوقاز)، فضلاً عن عمل إرهابي بالقرب من السفارة الفرنسية في موسكو. وحسب معطيات الهيئة الوطنية الروسية لمكافحة الإرهاب، أمكن عام 2016 القضاء على 140 مقاتلا إرهابياً، و24 عصابة مسلحة، وتوقيف أكثر من 900 إرهابي ورجل عصابات، ومتواطئين معهم. كذلك نجحت الأجهزة الأمنية بضبط ومصادرة كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر، ودمرت 50 ورشة ومختبراً لصناعة الأسلحة، وعطلت 199 عبوة ناسفة يدوية الصنع. هذا فضلا عن القضاء في مدينة بطرسبرغ، نفسها، على ثلاثة من قادة المجموعات الإرهابية النشطة في جمهورية قبارديا (أو القبرطاي والبلكار، الذاتية الحكم التابعة أيضاً لروسيا في القوقاز).
وفي شهر مارس أيضاً ألقت قوات الأمن في روسيا القبض على إرهابي من «داعش»، قالت إنه كان ينوي تنفيذ عملية انتحارية خلال الاحتفالات في العاصمة الروسية موسكو بمناسبة «يوم المرأة» (يوم 8 مارس). ونقلت صحيفة «إزفستيا» عن مصدر أمني روسي قوله إن عناصر الأمن في واحد من مطارات موسكو ألقوا القبض على مواطن طاجيكي اسمه عظة الله (بالغ من العمر 23 سنة) كان قد وصل في مطلع مارس آتياً من إسطنبول، وخلال التحقيق حطم عظة الله هاتفه الجوال، وحاول بعد ذلك الانتحار لتفادي ترحيله إلى طاجيكستان عندما أخذ مقصاً وغرسه في رقبته، إلا أن عناصر الأمن تمكنوا من استعادة المقص، وبادروا لنقله إلى المشفى. وبعد ذلك أقر المواطن الطاجيكي الآتي من إسطنبول (وفق التقارير الأمنية) أنه أتى إلى موسكو لتنفيذ عمل انتحاري خلال الاحتفالات بـ«يوم المرأة» في موسكو. واتضح أنه كان قد شارك قبل ذلك في القتال ضمن صفوف «داعش» في سوريا.
وذكر المصدر الأمني للصحيفة الروسية أن فرق التحقيق تواصل عملها حالياً للكشف عن الأشخاص الذين كانوا سيقدمون المساعدة للانتحاري الطاجيكي بعد وصوله إلى موسكو، وتحديداً تزويده بالمواد المتفجرة كي ينفذ عمليته. وبعد الانتهاء من التحقيقات قامت السلطات الروسية بتسليم عظة الله لقوات الأمن في طاجيكستان.

هاجس آسيا الوسطى
أيضاً، في نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2016 أعلن الأمن الروسي عن إلقاء القبض على أربعة إرهابيين أعضاء في مجموعة تخريبية، في مدينة موسكو وريفها، تضم مواطنين من جمهوريتي طاجيكستان ومولدوفا الأعضاء في «رابطة الدول المستقلة» (للجمهوريات السوفياتية السابقة). ووفق هيئة الأمن الفيدرالي أن المجموعة كانت تنوي استخدام عبوات ناسفة يدوية الصنع بقدرة تفجيرية عالية جداً في هجمات إرهابية خطط أفرادها لها. وزعمت وكالة «إنترفاكس» - نقلاً عن الأمن الروسي - إن الموقوفين كانوا يعدون العدة لتنفيذ عمليات إرهابية مدوية في العاصمة الروسية بتعليمات مباشرة من مواطن موجود على الأراضي التركية ويمثل تنظيم داعش. وسبق ذلك عمليات توقيف مماثلة جرت في موسكو لمجموعات اتهمتها السلطات بالتعاون مع «داعش»، غالبية أعضائها من أبناء جمهوريات آسيا الوسطى السوفياتية سابقاً.
هذا، وعلى الرغم من أن المجتمع الروسي أظهر تماسكاً بعد التفجير في مترو بطرسبرغ، ولم تظهر أي علامات خلل في نظرة المواطنين الروس إلى آلاف الشبان من آسيا الوسطى الذين يعملون في المدن الروسية، غير أن تكرار عمليات كهذه قد يؤدي في نهاية المطاف إلى أزمة في الداخل الروسية نحو أولئك الشبان. هذا الأمر يمكن أن يضع السلطات الروسية أمام تحديات جدية، وقد تضطر من أجل تفادي ظهور أزمة في العلاقة نحو المواطنين من آسيا الوسطى إلى تعاون وثيق مع الجهات الأمنية في جمهوريات آسيا الوسطى، فضلاً عن إطلاق عمل «تربوي اجتماعي» لا بد منه في الداخل الروسي. وتجدر الإشارة، إلى أنه بعد كل عمل إرهابي في روسيا أو خارجها، يحرص المسؤولون الروس على التأكيد بأنه لا هوية وطنية أو دينية للإرهاب.

هجمات إرهابية... بالجملة
> التفجير الانتحاري في مترو بطرسبرغ الأول من نوعه خلال العام الحالي الذي يقع في مدينة وسط روسيا، أو بصورة أدق في مدينة بعيدة عن منطقة القوقاز. ولكن روسيا شهدت هجمات إرهابية كثيرة، بعضها متصل بالحرب في الشيشان والبعض الآخر متصل بالتطورات الدولية الراهنة، لا سيما ظهور «داعش» الإرهابي. وكان «داعش» قد تبنى هجوماً شنته مجموعة من المسلحين يوم 25 مارس على قاعدة للحرس الوطني الروسي في الشيشان، وأودى الهجوم إلى مقتل ستة عسكريين روس.
أما العمليات الإرهابية المرتبطة بالحرب في الشيشان، فهي كثيرة. منها على سبيل المثال:
- سيطرة مسلحين شيشانيين على مشفى بوديونسك عام 1995، وكان في المشفى حينها نحو 1600 مريض. وانتهت العملية بانسحاب المسلحين بعد مواجهات مع الأمن وأخذوا معهم رهائن على متن الحافلات، أطلقوا سراحهم لاحقاً. وسقط حينها قرابة 130 قتيلاً.
- وقع تفجير في مبنى سكني في مدينة بوينسك بجمهورية داغستان عام 1999، أدى إلى سقوط 64 قتيلا وإصابة 150 بجروح.
- في العام ذاته فجر الإرهابيون في موسكو مبنيين سكنيين ما أدى إلى سقوط 224 قتيلاً.
- في عام 2002 اقتحمت مجموعة من الانفصاليين الشيشانيين مبنى مسرح «نورد إست» في موسكو واحتجزوا كل الموجودين داخله رهائن، وطالبوا السلطات الروسية بسحب قواتها من الشيشان. وسقط خلال تلك العملية أكثر من 120 من الرهائن، فضلاً عن مقتل المهاجمين كلهم.
- في الأول من سبتمبر عام 2004 احتجز إرهابيون 1200 شخصا في مدرسة بيسلان (جمهورية أوسيتيا الشمالية الذاتية الحكم التابعة لروسيا). وسقط نتيجة الهجوم 334 قتيلاً بينهم 186 طفلاً.
- في خريف عام 2011 انفجرت عبوة ناسفة في مطار دوموديدوفا في موسكو.
- في أغسطس (آب) 2007 وقع تفجير استهدف تفجير قطار «نيفسكي إكسبرس». وأدى إلى وقوع إصابات دون ضحايا، بينما خرج القطار عن السكة وانقلبت بعض عرباته.
- في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2009 انفجرت عبوة ناسفة على السكة الحديدية أثناء عبور قطار «نيفسكي إكسبرس» للنقل السريع بين موسكو وبطرسبرغ، وأدى التفجير إلى مقتل 27 مدنياً وإصابة 150 بجروح.
كذلك تعرضت روسيا عام 2013 لهجمات إرهابية انتحارية مزدوجة أسفرت عن مقتل 34 شخصاً وأثارت حالة من القلق حيال أمن دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في سوتشي. حينها أدى انفجار قنبلة في محطة السكك الحديد الرئيسية في مدينة فولغوغراد الجنوبية إلى مقتل 18 شخصاً بينما استهدف اعتداء آخر حافلة ركاب، مما أسفر عن مقتل 16 شخصاً. كما سبق أن وقعت تفجيرات إرهابية في محطات المترو في مدن روسية. ففي فبراير (شباط) عام 2001 انفجرت عبوة ناسفة كانت موضوعة في محطة مترو «بيلاروسكايا»، مما أدى إلى إصابة 20 شخصا بينهم أطفال بجروح. وفي يوم 6 فبراير عام 2004 وقع تفجير إرهابي في عربة المترو بين محطتي «أفتوزافودسكا» و«بافيليتسكايا» على الخط الأخضر من شبكة مترو موسكو. وسقط نتيجة ذلك التفجير الإرهابي 41 قتيلاً. وفي 31 أغسطس عام 2004 قامت انتحارية بتفجير نفسها في محطة مترو ريجسكايا في موسكو وقتل نتيجة ذلك 9 أشخاص، وأصيب 50 بجروح، وأعلن شامل باسايف مسؤوليته عن تلك العملية. وفي 29 مارس عام 2010، قامت انتحاريات بتفجير في محطتي مترو «بارك كولتوري» و«لوبيانكا» القريبة من المقر الرئيسي لهيئة الأمن الفيدرالي. ووقع التفجير في ساعات ذروة الازدحام في المترو صباحا. وسقط نتيجة التفجيرين 40 قتيلاً.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.