الانتخابات الرئاسية الإيرانية... تحريض {أيتام رفسنجاني} ضد {فتيان خامنئي}

الرئيس المنتخب سيلعب دوراً بارزاً في تحديد من يتولى منصب المرشد المقبل

الانتخابات الرئاسية الإيرانية... تحريض {أيتام رفسنجاني} ضد {فتيان خامنئي}
TT

الانتخابات الرئاسية الإيرانية... تحريض {أيتام رفسنجاني} ضد {فتيان خامنئي}

الانتخابات الرئاسية الإيرانية... تحريض {أيتام رفسنجاني} ضد {فتيان خامنئي}

يقول بعض المحللين إنها ليست أكثر من مجرد عرض للدخان والمرايا، بينما هناك محللون آخرون يأملون أنها قد تؤدي إلى تغيير حقيقي في السلوكيات الإيرانية. ولكن هناك حقيقة واحدة وأكيدة: الانتخابات الرئاسية في إيران، التي تعقد مرة كل أربع سنوات، هي ذات أهمية كبرى لسببين رئيسيين.
أولا، يمكن اعتبارها النسخة الإيرانية من الانتخابات التمهيدية التي عقدت في الولايات المتحدة الأميركية بواسطة الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وعلى الرغم من انقسامها إلى أربعة فصائل متنافسة على أدنى تقدير، فإن المؤسسة الحاكمة في إيران، في واقع الأمر، ليست إلا تكتلا سياسيا واحدا. وبالتالي، فإن الانتخابات الرئاسية هي وسيلة تهدف إلى تحديد أي الفصائل الذي سوف يُسمح له بتولي مقاليد السلطة في البلاد في أي وقت من الأوقات.
ثانيا، تمكن الانتخابات الرئاسية الإيرانية الشعب الإيراني، أو على الأقل أولئك الراغبين في التصويت من بين جموع الشعب الإيراني، من الإشارة إلى أي من الفصائل المتناحرة التي يحبها أو يكرهها أكثر من الأخرى.
وانتخابات العام الحالي في إيران هي من الأهمية بمكان لسبب آخر. بصرف النظر تماما عن شخصية الرئيس المنتخب، فهو سوف يلعب دورا بارزا في تحديد من سوف يتولى منصب «المرشد الأعلى» المقبل في إيران.
يقول هادي قشتمند المحلل السياسي من طهران: «من المحتمل للغاية أن يخرج المرشد الأعلى علي خامنئي من المشهد السياسي الإيراني بالكلية خلال السنوات الأربع المقبلة أو نحوها. وفي واقع الأمر، لقد بدأت التكهنات بالفعل في الداخل الإيراني حول (من) سوف يخلفه في المنصب المهم».
وهكذا، من المحتمل للرئيس الإيراني المقبل أن يرتقي بنفسه درجات سلم السلطة لأن يحتل منصب «المرشد الأعلى». وإن لم يفعل، فسوف تكون له الكلمة القوية المؤثرة في اتخاذ القرار بشأن من سوف يصعد إلى أعلى درجة في سلم السلطة الإيرانية.
ومن السمات الأخرى المثيرة للاهتمام في انتخابات هذا العام في إيران هي الاحتمال القوي لأن يكون الرئيس الحالي حسن روحاني أول رئيس لإيران يخفق في تأمين فترة الولاية الثانية. وعلى الرغم من أنه من السابق لأوانه كثيرا أن نسطر المصير السياسي لروحاني، فإن هناك إشارات تفيد بوجود دوائر نافذة في داخل المؤسسة الحاكمة الإيرانية تعتقد أنه قد تجاوز فائدته المحددة بالوجه الباسم القادر على إجراء الحوار العقلاني مع الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما.
يقول هوشانغ أمير أحمدي البروفسور الجامعي الإيراني الأميركي: «لقد رحل الرئيس أوباما ورحل برفقته وزير خارجيته جون كيري، ولم يعد بإمكانهما صنع أي شيء لصالح إيران. وبالتالي ليس هناك سبب يدعو المؤسسة الحاكمة في إيران للاحتفاظ بوجود روحاني».
والأسوأ من ذلك، تعرض روحاني لهجوم قاس ومرير من قبل شخصيات قوية ونافذة في الداخل الإيراني مثل محافظ طهران محمد باقر قاليباف، الذي اتهم الرئيس الإيراني بقيادة إيران إلى «أزمة عميقة».
وقال قاليباف، الذي ترشح لرئاسة البلاد في مناسبتين سابقتين، إنه لن يخوض السباق الرئاسي هذه المرة ولكنه هدد بأنه سوف يفعل كل ما في وسعه لأجل مساعدة «المرشح الراديكالي الحقيقي» في مواجهة روحاني.
ومن بين «المرشحين الراديكاليين الحقيقيين» الذين يؤيدهم قاليباف، آية الله إبراهيم رئيس السادات، الذي غير اسمه إلى «آية الله رئيسي»، وهو المسؤول الحالي عن مؤسسة ضريح الإمام الرضا المقدس، وهي ثاني أكبر التكتلات الاقتصادية الإيرانية بعد شركة النفط الوطنية.
وينتمي رئيسي إلى جيل الشباب من الثوريين الخمينيين الذين يرتقون سلم السلطة في إيران. ولقد كان في سن المراهقة عندما استولى الملالي على السلطة في البلاد عام 1979، وعندما بلغ 19 عاما من عمره أصبح المدعي العام الإسلامي في مدينة كراج غرب طهران، حيث نال سمعة إصدار أحكام الإعدام الكثيرة ضد معارضي النظام.
وبعد ذلك بعامين، أصبح المدعي العام الإسلامي في العاصمة طهران، وأحد الخمسة رجال الذين نالوا التصريح من آية الله الخميني لإصدار أحكام الإعدام من دون المرور عبر القنوات القانونية التقليدية. وفي عام 1988 كان جزءا من اللجنة التي نظمت إعدام 4000 سجين سياسي في عطلة نهاية الأسبوع.
ولدى رئيسي أصول أخرى. فهو من أبناء مدينة مشهد، وهي مسقط رأس المرشد الأعلى الحالي علي خامنئي. كما أنه أيضا صهر آية الله علام الهدى، أحد أبرز المؤيدين والمناصرين للصقور المتشددين من الملالي في داخل النظام الإيراني الحاكم.
والأهم من ذلك، ربما، أنه يعتمر العمامة السوداء، التي تشير إلى أنه ينحدر من سلالة آل البيت وسليل الخليفة علي بن أبي طالب. ويدعي بعض رجال الدين أن أولئك الذين يتمتعون بهذا النسب هم الأكثر التزاما بالنظام الخميني. وكان الرئيس روحاني والرئيس الراحل هاشمي رفسنجاني من أصحاب العمائم البيضاء، التي تشير بالانتساب إلى «عامة الشعب». ويزعم رجال الدين الأكثر تشددا أن كلا الرجلين كان خارج النظام السياسي في إيران بدرجة أو بأخرى، لأنهما كانا من «الغرباء» على آل البيت.
وبرغم ذلك، لا يعد رئيسي المرشح الراديكالي الوحيد الذي قد ينافس روحاني في الانتخابات المقبلة، شريطة حصوله على موافقة مجلس صيانة الدستور للترشح مرة أخرى.
أما المتشددون من غير رجال الدين، والمرتبطون ارتباطا وثيقا بأقسام الحرس الثوري الإيراني، فلديهم مرشحان محتملان بارزان. أحدهما هو مستشار الأمن القومي الأسبق سعيد جليلي الذي كان يستعد لخوض الحملة الانتخابية طيلة السنوات الأربع الماضية. كما أن جليلي هو من أبناء مدينة مشهد، ومن المقربين للمرشد الأعلى علي خامنئي، ويشاركه موقفه القوي الصارم ضد الولايات المتحدة الأميركية ورؤيته للتحالف الاستراتيجي مع روسيا.
والمرشح الراديكالي المحتمل الآخر هو العضو الأسبق في المجلس الإسلامي مهرداد بازرباش. وهو خطيب مفوه وقوي التأثير، ولقد رسخ من نفوذه بمعارضته الشديدة والقوية لما يسمى بالاتفاق النووي الإيراني بين روحاني وأوباما. وفي الانتخابات البرلمانية الأخيرة، فقد مقعده في المجلس الإسلامي عن طهران بسبب أن الكثير من الشعب الإيراني، في ذلك الوقت، كانوا يأملون في أن الاتفاق النووي سوف يُخرج إيران من عزلتها الدولية ويعيد تأسيس الاقتصاد الإيراني المنهك. ولم يحدث من ذلك من شيء، وأصبح بمقدرة مهرداد بازرباش الآن أن يعزف على نغمة «لقد قلت لكم ذلك» لإثارة غضب الجماهير في إيران.
ولقد حاز مهرداد بازرباش بالفعل على تأييد صحيفة كيهان اليومية، التي يعتقد أنها تعكس وجهات نظر المرشد الأعلى خامنئي.
ومن المثير للاهتمام أن الحرس الثوري الإيراني يبدو أنه قد اتخذ القرار بعدم الدفع بمرشح رئاسي من بين صفوف رجاله. فعلى غرار محمد باقر قاليباف، الجنرال في الحرس الثوري الإيراني، هناك الجنرال محسن رضائي القائد الأسبق للحرس الثوري الذي نأى بنفسه تماما عن خوض السباق الرئاسي. والشائعات التي تدور هنا وهناك بأن رحيم صفوي القائد الأسبق لقوات الحرس، يفكر في خوض الانتخابات الرئاسية الإيرانية، هي شائعات لم تسفر عن أي نتيجة حقيقية في أرض الواقع.
ومن بين أنماط الراديكالية الإيرانية، كمثل ما يحلو للبعض تسميتها بـ«الشعبوية»، لديها هي الأخرى مرشحها الرئاسي في الانتخابات الإيرانية. إنه حميد بقائي، الذي شغل منصب المستشار الخاص للرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد.
ولقد رغب أحمدي نجاد في خوض السباق الرئاسي بنفسه ولكنه تلقى الأمر من علي خامنئي نفسه بالابتعاد عن ذلك. وبالتالي، فإن حميد بقائي هو المرشح البديل مع فرصة ضعيفة للفوز أو حتى الانتقال إلى الجولة الثانية من التصويت. ويأتي ترشيحه مثل إبراز حضور الفصيل المؤيد لأحمدي نجاد، ذلك الفصيل الذي يحاول إيجاد مزيج من الإسلام والقومية الفارسية باعتباره نسخة جديدة من الإسلاموية الراديكالية الإيرانية.
وزعيم هذا الفصيل هو الملا الغامض المدعو حسن يعقوبي الذي ألف بالفعل أربعين كتابا ولكنه نادرا ما يظهر في العلن. وفي عامه الأخير من رئاسة البلاد، اختلف محمود أحمدي نجاد علانية مع علي خامنئي، واشتد انتقاده في الشهر الأخير من رئاسته لشخص المرشد الأعلى بسبب أساليبه الديكتاتورية المزعومة.
ولا يزال الفصيل المعروف بـ«أيتام رفسنجاني» يأمل بأن يُسمح لروحاني بالترشح لفترة رئاسية جديدة.
ولكن ذلك الفصيل، ومن واقع التخطيط لمواجهة أسوأ السيناريوهات إن لم يفلح روحاني، بدأ يدفع بالكثير من المرشحين المحتملين الآخرين. ومن بينهم وزير الصحة السابق مسعود بيزيشكيان، ووزير الطاقة السابق بارفيز فتاح، وعضو المجلس الإسلامي الأسبق مصطفى كوكبيان.
ويملك «أيتام رفسنجاني» دوائر قوية في طهران والكثير من المدن الكبرى الأخرى، ولكن قد يواجه صعوبة خاصة في الحصول على أغلبية مباشرة. وفي الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فاز روحاني بنسبة أعلى بقليل من 50 في المائة من مجموع الأصوات، وهو أصغر هامش مسجل للفوز في تاريخ الانتخابات الرئاسية في إيران.
وبرغم ذلك، لدى ذلك الفصيل أكبر ميزة من حيث السيطرة على وزارة الداخلية، الأمر الذي لم يتمكن منه خلال السنوات الأربع الماضية. وتعتبر هذه الوزارة مسؤولة عن كافة جوانب الانتخابات الرئاسية من يوم الاقتراع وحتى يوم الإعلان عن النتائج. ويمكنها، كما فعلت في الماضي، «إدارة» نتائج الانتخابات لكي تتناسب مع الخطة الموضوعة مسبقا.
وكما تبدو الأوضاع الآن، يبدو من المرجح أن الفصيل الأكثر تشددا، المرتبط بعلي خامنئي، يرغب في استعادة السيطرة على مؤسسة الرئاسة، والتخلص من روحاني، على الرغم من خبرته الطويلة في الخدمة داخل الأجهزة الأمنية، ومع رحيل الرئيس أوباما، قد تبنى الآن سياسة علي خامنئي الخارجية التي تقضي بالتوجه شرقا.
وعلى الرغم من ذلك، سوف يكون من الحكمة أيضا التخلص من حسن روحاني لسبب واحد، إن تم حرمانه من فرصة الترشح الثانية، فإنه قادر على تقسيم المؤسسة الحاكمة في إيران في وقت محفوف بالمخاطر وبشكل خاص.



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.