رئيس وفد المعارضة المفاوض: ندفع ثمن سياسات أوباما في سوريا

قال لـ «الشرق الأوسط» إن غاتيلوف لم يقدم وعودا وشكا من تمهل واشنطن في تحديد سياستها

د. نصر الحريري (أ.ف.ب)
د. نصر الحريري (أ.ف.ب)
TT

رئيس وفد المعارضة المفاوض: ندفع ثمن سياسات أوباما في سوريا

د. نصر الحريري (أ.ف.ب)
د. نصر الحريري (أ.ف.ب)

في لقاء صباحي مطول في مقر إقامة وفد الهيئة العليا للمفاوضات في جنيف، عرض رئيس الوفد المفاوض الدكتور نصر الحريري بالتفصيل لـ«الشرق الأوسط»، مجريات ما حصل في محادثات جنيف 5. ما حققته، وما لم تحققه وهو الأهم. وشكا الحريري من «ازدواجية» الدور الروسي بين ما تقوم به الطائرات الروسية ميدانيا وما يصدر عن دبلوماسيتها وتحديدا عن نائب وزير خارجيتها الموجود في جنيف منذ بداية الأسبوع المنتهي. ولم يستبعد الحريري أن يكون غاتيلوف بصدد الضغط على النظام كما فعل في الجولة السابقة، لكنه استدرك بقوله إن النظام يقبل ثم يتراجع ويضع العصي في دواليب الحل السياسي وعنوانه عملية الانتقال السياسي.
وليس الحريري بعيدا عن اعتبار أن الحل لن يخرج من رحم محادثات جنيف التي لم تتحول بعد إلى مفاوضات بسبب رفض النظام الانخراط فيها لقناعته أن أي تنازل سيكون بداية النهاية. وفي أي حال يرى الحريري أنه لو قبل النظام تسوية ما «وهو أمر مستبعد لأنه يرفض حل الحد الأدنى»، فإن إيران ستعارضها. كذلك شكا الحريري من «الغياب» الأميركي حيث تتمهل واشنطن في تحديد سياستها وخياراتها إزاء الملف السوري. وإذ أعرب رئيس وفد الهيئة العليا عن قناعته بأن استمرار المبعوث الأممي في مهمته، أفضل من وصول مبعوث جديد، رأى أنه «رهينة» الطرفين السوريين: النظام والمعارضة «لأن الأسرة الدولية امتنعت عن فرض الحل».
وفيما يلي نص الحوار:
* أصدر ائتلاف قوى المعارضة والثورة السورية بيانا أدان فيه «الجريمة التي ارتكبتها طائرات الاحتلال الروسي» في منطقة إدلب عصر الأربعاء. وسؤالي هو: كيف يمكن التوفيق بين ما تقوم به القوات الروسية ميدانيا وما تسمعونه خلال تواصلكم مع نائب وزير الخارجية الروسي هنا في جنيف؟ هل هناك ازدواجية روسية بين ما تقول دبلوماسيتها وما تقوم به الطائرات الروسية؟
- صحيح. نحن نطرح دائما هذا السؤال عند البحث في طبيعة العلاقات التي تحكم تواصلنا مع روسيا. فنحن نلاحظ وجود تناقض بين ما يجري ميدانيا وما يجري في المفاوضات. وفي الوقت الذي نصب الروس أنفسهم ضامنا لاتفاقية وقف إطلاق النار، مثلا، نجد أن من أشرف على عملية وادي بردى هو ضابط روسي وأن من قاد المفاوضات بخصوص حي الوعر حمص هو أيضا ضابط روسي. كذلك فإن عمليات الاستهداف المستمرة «ضد مناطقنا» يقوم في جزء منها النظام والجزء الآخر روسيا. وللأسف الشديد أن ذلك يأتي دائما بحجة محاربة الإرهاب ولا أحد يلتفت أو يعترف بالجرائم الكبرى التي قام بها النظام «ويقوم بها» منذ ست سنوات حتى الآن وهي واضحة وموثقة تماما. والحال أن الطرف الروسي يغض الطرف عنها لا بل إنه يساهم بها عن طريق استهداف المناطق الآمنة المدنية بحجة محاربة الإرهاب. والحقيقة أن هذه العمليات لا تستهدف إلا المناطق التي تسيطر عليها المعارضة حصرا وكأنه لا يوجد إرهاب في سوريا، إلا عند من يعارضون نظام بشار الأسد. ونحن نرى أن هذه طريقة واضحة لدعم النظام وتصفية خصومه. وفي الوقت نفسه، في الميدان السياسي، معلوماتنا تقول إنه كانت هناك ضغوط روسية على النظام المرة الماضية من أجل قبول الدخول في العملية التفاوضية وهو وافق ظاهريا. لكن النظام في هذه الجولة «الخامسة» لم يقبل مناقشة السلال الأربع «باستثناء التركيز على ملف الإرهاب وحده»، في حين أن وفد الهيئة العليا ناقش كافة الأمور. وهذا الأمر قمنا بتوضيحه للمسؤول الروسي بشكل كامل. «وما يحصل ميدانيا» يجعلنا نتساءل عما إذا كانت هناك جدية لديهم في دعم اتفاق وقف النار وعملية الانتقال السياسي؟
* هل يمكن أن تطلعنا على ما طلبتموه من غينادي غاتيلوف، أول من أمس، وما الذي عرضه أو اقترحه عليكم؟ وحقيقة، لماذا هو في جنيف؟
- نحن عرضنا في البداية موقفنا السياسي ومجريات العملية التفاوضية وطريقة مقاربتنا للعملية السياسية، وركزنا على أنها تندرج في سياق تنفيذ قرارات مجلس الأمن وبيان جنيف 2012 وغرضها الانتقال السياسي وليس شيئا آخر. وهذه العملية واضحة بالنسبة إلينا ومعرفة في قرارات مجلس الأمن. وموقفنا الثابت أنه لن يكون لبشار الأسد أو لأي من أركان نظامه دور لا في المرحلة الانتقالية ولا في مستقبل سوريا. وقلنا أيضا إن النظام لم يدخل حتى هذه اللحظة في أي مناقشات جدية مع المبعوث الدولي. كذلك تم عرض للوضع الإنساني ولواقع اتفاقية وقف النار وخروقها وعدم الالتزام بها وضرورة وضع حد لها.
من جانبه، عرض غاتيلوف موقف موسكو الذي يقول إنه يدعم العملية السياسية التي يقودها السوريون ويريد أن تتوصل إلى نتائج تفضي إلى الحل السياسي، مع التشديد على أن السوريين هم من يقررون مصير بشار الأسد. وغاتيلوف لم يقدم لنا وعودا بل حصل نقاش وتحديد العوائق. ورأينا أنه يتعين على الطرف الروسي أن يعمل على تجاوزها عن طريق ممارسة الضغوط على النظام حتى يكون للعملية السياسية في جنيف والمفاوضات العسكرية في آستانة، معنى، وأن تؤدي إلى نتائج. كذلك نرى أنه إذا استمر النظام على رفضه الدخول في المفاوضات، فيتعين عندها على المبعوث الدولي أن يضع حدا لها. نحن نعي تماما أن النظام لن يقبل الدخول في نقاش حول الانتقال السياسي أو القضايا الدستورية والانتخابية لأنه يعرف أنه إذا قبل بذلك، فسينتهي.
* بحسب المعلومات التي وصلتنا، يبدو أن غاتيلوف مارس ضغوطا هذه المرة على وفد النظام لقبول مناقشة كافة الملفات وليس التمترس وراء ملف مكافحة الإرهاب. هل وصلتكم أصداء حول هذه النقطة بالذات؟
- عندما شرحنا له ما هو حاصل في جنيف، تبين لنا أنه يتفهم ما نقول وأنه يعرف هذه الحقيقة. ولذا نحن ننتظر أن يكشف لنا المبعوث الأممي ما حصل في لقاءاته مع النظام، للتأكد مما إذا كانت قد حصلت ضغوط وما إذا كان لها تأثير على موقف وفد النظام. لكن المشكلة هي أن النظام يمكن أن يوافق «بداية» ولكنه يرتد أو يلتف على الموافقة بطرق أخرى، وبالتالي فإن مسارا كهذا سيطول. هو مستمر في اللعب بالأدوات نفسها ويعمد إلى وضع العصي في الدواليب. وطالما لم يتوافر ضغط حقيقي من أجل دفعه للانخراط في العملية السياسية، فإننا سنستمر في هذه العملية ربما لعشرين سنة.
* وما الفائدة من الاستمرار في هذا السياق إذا كان الشرط الأساسي، أي قبول الطرف الآخر العملية السياسية، غير متوافر؟
- بداية، أذكر أن القرار 2254 يتحدث عن ستة أشهر تبدأ مع بداية العام 2016 للوصول إلى تشكيل هيئة الحكم. والحال أن هذا الهدف لم يتحقق. ونحن نعرف أن هذا الهدف لن يتحقق هذه المرة أيضا. وما أنا بصدد قوله لك يعكس حقيقة ما يجري بيننا وبين المبعوث الأممي. ونحن نحقق تقدما في النقاشات معه، لكن المفاوضات السياسية «مع النظام» لم تبدأ بعد.
* لكن هذا يحصل بينكم وبين دي ميستورا وليس مع وفد النظام.
- صحيح وهذا لا يعني بطبيعة الحال أنه حصل تقدم في المفاوضات مع النظام ولكنني أعتقد أن الشكل النهائي للمفاوضات وخلاصاتها النهائية، لن يكون بين المعارضة والنظام.
* مع من إذن؟
- إذا كان المجتمع الدولي ينتظر أن يوافق النظام على الحل السياسي وأنه سيدخل في التفاوض حول المواضيع السياسية للوصول إلى اتفاق مع المعارضة وقوى الثورة يتم بعدها الإعلان عن الاتفاق السياسي، فإن هذا في نظري حلم لن يتحقق. ورأينا أنه حتى لو وافق النظام فلن توافق إيران وكلا الطرفين ليس لهما مصلحة بالوصول إلى حل سياسي لأن هذا لحل، حتى لو كان وفق المفهوم الروسي، فإنه يمثل لهما (النظام وإيران) نهاية كل شيء.
* هل لديكم اليقين من أن موسكو تدفع باتجاه حل سياسي؟ أم أنها تريد شيئا على مقاس النظام؟
- شعوري وفقا لمشاركتي السابقة في اجتماعات آستانة ولقاءاتي هنا أنها تريد حلا ولكن وفق المقاس الروسي.
* هل المقاس الروسي هو مقاس النظام؟
- ربما يقبل النظام تقديم بعض التنازلات الشكلية بحيث يدعي الوصول إلى حل سياسي بشكل يخالف كل القرارات الدولية. لكننا نرى أن «حل الحد الأدنى» ليس مقبولا من النظام. هو نظام شمولي ويعرف أنه إذا قدم تنازلا في مكان ما ستنهار المنظومة كلها، وهذا ما يفسر سبب رفضه الدخول في مفاوضات جدية.
* يبدو أن دي ميستورا مستمر في مهمته وفق ما فهمناه من تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة في الأردن ومساعد الناطق باسمه في نيويورك قبل ثلاثة أيام. هل هذا يريحكم أم كنتم تفضلون شخصا آخر يأتي بدينامية جديدة؟
- اعتقادي أن المشكلة ليست في الدينامية بل في غياب الإرادة الدولية في الوصول إلى حل. ولا أستطيع أن أحمل كل المسؤولية لمبعوث من المبعوثين الأمميين الثلاثة. ولو توافرت لأي منهم الإرادة الدولية للوصول إلى الحل، لكان هذا تحقق. لذا لا أعتقد أن المشكلة عند دي ميستورا خصوصا أنه يحظى برضى روسيا والولايات المتحدة والأوروبيين وجامعة الدول العربية... كذلك المشكلة ليست في الدينامية بل في القوى التي يمكن أن توفر الدينامية المطلوبة.
اليوم، تتوفر لدى ميستورا معرفة تفصيلية للملف السوري وهو مر بمخاضات صعبة حتى استطاع أن يشكل الرؤى التي ربما تكون أرضية مناسبة للانطلاق باتجاه الحل السياسي. وفي اعتقادي أن شخصا خبيرا بالملف السوري وله القدرة أن يتعاطى معه بمعطياته الحقيقية، سيكون الأفضل، لأن أي مبعوث جديد سيحتاج إلى ستة أشهر حتى يطلع على ملف معقد عمره زاد على ست سنوات.
* اتفقنا على شخص دي ميستورا ولكن ما رأيك بـ«منهجه» في العمل وتحديدا ترك الحرية لكل طرف لطرح الملف «السلة» الذي يريد؟
- نحن نرى أن دي ميستورا يحاول مخاطبة المجتمع الدولي وليس مخاطبة الأطراف السورية. وأعني أنه يحاول التوصل إلى معطيات ناجمة عن المحادثات «هنا» لتقديم تصور عن شكل الحل في سوريا وهو يعرف أكثر منا أن النظام لن يقبل الحل. لذا يحاول، بالاستناد إلى المرجعيات الدولية والمعطيات التفاوضية، أن يرسم إطارا من أجل الوصول للحل السياسي. ما يفعله دي ميستورا حاوله قبله المبعوث الخاص السابق الأخضر الإبراهيمي من حيث تجزيء المواضيع. لكن غياب الإرادة الحقيقية دوليا للوصول إلى الحل وبالتالي امتناع الأسرة الدولية عن وضع المنهج الذي تلزم به الأطراف يعني أن دي ميستورا بقي رهينة الطرفين «السوريين»، وأحدهما «النظام» لن يوافق على أي شكل من الأشكال. من هنا سعيه لمقاربة تخدم الهدف الأساسي لكن مع ضمان انخراط الجميع.
* لكن ما تقومون به هو البحث مع المبعوث الدولي ليس إلا؟
- صحيح، نحن في مفاوضات غير مباشرة و«فائدتها» أنها توفر مزيدا من الحرية والحركة. ولكن هذا قد لا يفضي إلى شيء «عملي» وقد تكون عبثية إلا إذا توصل دي ميستورا، بعد المرحلة الأولى «التي تعطي لكل طرف حرية طرح ما يريد»، على إلزام الطرفين مناقشة كافة المواضيع وتقديم كل منهما رؤيته بشأنها من أجل التقدم. وإذا رفض أحدهما تكون العملية السياسية قد دخلت في طريق مسدود. وهنا يأتي دور المجتمع الدولي ودور روسيا.
* عند الحديث عن المجتمع الدولي أفهم أنك تتحدث عن الدور الأميركي. هل سننتظر إلى ما لا نهاية أي حتى تنجز إدارة الرئيس ترمب «مراجعة» السياسة التي ستعمل بموجبها إزاء الملف السوري؟
- «بعد تنهد»... نحن ندفع ثمنا مرتفعا للغاية عن الأخطاء الكارثية لسياسة أوباما. واليوم سياسة أميركا وأدواتها التنفيذية لم تتضح تماما، وما برز منها بعض الملامح وما يتم الإعلان عنه هو محاربة الإرهاب وتحجيم الدور الإيراني. وإذا كان لإدارة ترمب نية حقيقية لمحاربة الإرهاب فإن ذلك سيكون لمصلحة الشعب السوري لأننا نعرف أن الأسد طالما استخدم الإرهاب ونسق معه لقتل الشعب السوري. وإذا كانت صادقة وجادة في تحديد ولجم النفوذ الإيراني فإن ذلك سيكون أيضا لمصلحة الشعب السوري، لأنه لولا تدخل الإيرانيين لما بقي نظام الأسد. والنقطة الثالثة والجوهرية هي أن الإدارة الأميركية لن تستطيع محاربة «داعش» والقضاء عليه ولجم الدور الإيراني، من دون أن تنطلق من الانتقال السياسي. ولدينا قناعة أنه إذا لم يصل الشعب السوري إلى الحل السياسي المقنع الذي يرضيه، سيبقى الإرهاب وبأشكال مختلفة موجودا هنا وهناك.
* هل من تواصل مباشر مع الطرف الأميركي؟ هل من أشياء ملموسة؟
- لا جديد حتى الآن في الموقف الأميركي. هم داعمون لعملية جنيف ويرون أن هذه العملية تتطور ولكن ببطء، ولا بد من الاستفادة من لقاءات آستانة الميدانية بما يخدم عملية جنيف. لا جديد يضاهي الدور الروسي في المنطقة. هذا غير موجود. وفيما خص سؤالك، هناك تواصل وحصلت زيارات من الهيئة العليا للمفاوضات ومن الائتلاف وهناك تخطيط لزيارة من الهيئة العليا لمتابعة التواصل مع واشنطن.
* اليوم الجمعة، تنتهي الجولة الخامسة. ماذا ستحملون في جعبتكم كمحصلة لجنيف 5؟
- بعد ست سنوات، يعلم الجميع أن الموضوع السوري لا يحل في عشرة أيام، ولكن هذا لا يعني أننا نعفي أنفسنا من السعي وراء النتائج. نحن نتابع الوضع الإنساني والمعتقلين ووقف النار إضافة إلى المفاوضات السياسية. وحتى هذه اللحظة، لم يتحقق شيء ملموس لكن هناك تقدم في المناقشات السياسية مع المبعوث الخاص، والنظام لم ينخرط حتى الآن، ونحن نقول إننا نؤسس أرضية للوصول للحل السياسي. ونرى أن هذا الموضوع يمكن أن يتضح أكثر في نهاية هذه الجولة أو في الجولة المقبلة. ولكن ما لم نبدأ بالتوصل إلى نتائج ملموسة سواء في المسار السياسي أو الإنساني، وقتها ستكون العملية السياسية في وضع حرج.



«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)

أدان وزراء الخارجية العرب التهديدات الإيرانية الرامية إلى إغلاق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة الدولية، مطالبين في اجتماع، الثلاثاء، عبر تقنية الاتصال المرئي، بإلزام طهران بالتعويض وجبر الضرر عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن هذه التهديدات.

وأكد الأمين العام للجامعة، أحمد أبو الغيط، أن «الدول العربية لم تكن ولن تكون رهينة في يد إيران لتصفية الحسابات».

وبناء على طلب البحرين، عقد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى وزراء الخارجية، الثلاثاء، اجتماعاً غير عادي، لـ«بحث الهجمات الإيرانية ضد الدول العربية والتزامات إيران المترتبة بموجب القانون الدولي والجهود المبذولة لإنهاء الأزمة التي تشهدها المنطق».

وجدد وزراء الخارجية إدانتهم «بأشد العبارات للهجمات الإيرانية السافرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد الأردن والإمارات، والبحرين، والسعودية، وسلطنة عُمان، وقطر، والكويت، والعراق»، وعدُّوها، بحسب القرار الصادر عن الاجتماع، «انتهاكاً جسيماً لسيادة تلك الدول، يقوض السلم والأمن في المنطقة، ويمثل خرقاً صارخاً للقانون الدولي... ويشكل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين».

وأكدوا أن «إيران تتحمل المسؤولية الدولية الكاملة عن هجماتها غير المشروعة وغير المبررة ضد الدول العربية، وأنها ملزمة، بموجب قواعد القانون الدولي، بجبر الضرر الكامل عن جميع الأضرار والخسائر الناجمة عن تلك الهجمات، بما في ذلك، الرد، والتعويض، والترضية»، وطالبوها بالوقف الفوري «لجميع هجماتها السافرة ضد الدول العربية والامتثال لالتزاماتها الدولية».

آلية لتوثيق الانتهاكات

أعاد الوزراء التأكيد على «دعم الدول العربية الكامل لحق الدول العربية المتضررة في اللجوء إلى المؤسسات الدولية والإقليمية لاستصدار قرارات تدين هذه الهجمات وتحمّل إيران المسؤولية عن تبعاتها»، داعين الهيئات العربية والإقليمية المختصة بالتنسيق مع الدول المتضررة إلى النظر في إنشاء آليات مناسبة «لتوثيق الانتهاكات وتقييم الأضرار والخسائر ومتابعة السبل الكفيلة بجبر الضرر عبر الوسائل الدبلوماسية والقانونية وغيرها من الوسائل السلمية».

وجدد الوزراء «إدانتهم للإجراءات والتهديدات الإيرانية الهادفة إلى إغلاق مضيق هرمز وباب المندب بعدّها انتهاكاً لأحكام القانون الدولي ولمبدأ حرية الملاحة في المضايق الدولية». وأكدوا في هذا الصدد على حق الدول العربية في الدفاع عن سفنها ووسائل نقلها وفقاً للقانون الدولي.

وكيل وزارة الخارجية السعودية عبد الرحمن الرسي خلال رئاسة وفد المملكة في الاجتماع (حساب الخارجية السعودية على منصة «إكس»)

وشدد وزراء الخارجية العرب على «رفض واستنكار استمرار إيران في تمويل وتسليح وتحريك الميلشيات التابعة لها في عدة دول عربية خدمةً لمصالحها، وبما يُشكل تهديداً خطيراً لأمن واستقرار تلك الدول والمنطقة». وجددوا التأكيد على الحق الأصيل للدول العربية المتضررة في الدفاع عن النفس، فردياً أو جماعياً، وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.

وقال أبو الغيط في كلمته إن الاجتماع «لا يهدف فقط إلى إدانة الهجمات الإيرانية الآثمة على عدد من الدول العربية»، وإنما يستهدف «مطالبة المجتمع الدولي بتحميل المعتدي كامل المسؤولية عن اعتداءاته غير القانونية وغير المبررة وغير المقبولة على عدد من الدول العربية».

«خرق جسيم»

وأضاف الأمين العام للجامعة العربية أن إيران لم تمتثل لقرار مجلس الأمن 2817 الصادر في 11 مارس (آذار) الماضي بالوقف الفوري للعدوان، ولم تعترف بأن اعتداءاتها على الدول العربية في الخليج والأردن والعراق مثَّلت خرقاً جسيماً للقانون الدولي، وانتهاكاً مرفوضاً لسيادة الدول، وتجاوزاً صارخاً لكل معاني حُسن الجوار.

وطالب أبو الغيط إيران بـ«الامتثال فوراً لقرار مجلس الأمن، وبتحمل المسؤولية كاملةً عما تسببت فيه هذه الهجمات غير المشروعة من أضرار وخسائر، بما يقتضي التعويض وجبر الضرر بحسب ما ينص عليه القانون الدولي في هذه الحالات».

وقال إن «تصورات إيران عن التحكم في الخليج العربي وفي مضيق هرمز باطلة قانوناً، ولا تستند لحجة أو مسوغ، ومرفوضة جملة وتفصيلاً».

وأكد أن «حرية الملاحة في المضايق والممرات الدولية، ومنها مضيق هرمز، أمرٌ كفله القانون الدولي... ولا يمكن لإيران أن تنتزع لنفسها حق التحكم في مضيق هرمز، لأنها ببساطة لا تملكه».

واستطرد قائلاً إن الجامعة العربية «تعتبر الاعتداء على أي دولة عربية، أو ممارسة التهديد والترويع ضد سكانها المدنيين، اعتداءً على الدول العربية جميعاً»، مؤكداً أن «الجميع يقف صفاً واحداً في التضامن مع الدول التي تعرضت للهجمات الآثمة». وشدد على أن «هذه الاعتداءات الغاشمة سوف تنتهي، وستخرج الدول العربية من هذه الأزمة أكثر قوة وأشد ترابطاً وتعاضداً».

تنسيق وتشاور

وهذه هي المرة الثالثة، منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، التي يجتمع فيها مجلس الجامعة على المستوى الوزاري لبحث تطورات التصعيد الإقليمي.

وكان وزراء الخارجية العرب قد أدانوا في اجتماع طارئ عبر تقنية الاتصال المرئي يوم 8 مارس (آذار) اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ثم جددوا إدانتهم للاعتداءات في اجتماع الدورة العادية الـ165 نهاية الشهر الماضي التي اقتصرت أعمالها على مناقشة الاعتداءات الإيرانية على دول عربية.

وتأتي الاجتماعات العربية المتكررة في سياق التنسيق والتشاور العربي وتأكيد التضامن والدعم لدول الخليج، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، رخا أحمد حسن، الذي قال لـ«لشرق الأوسط» إن الاجتماعات المتتالية «تستهدف تأكيد دعم دول المنطقة التي تعرضت لخسائر مادية واقتصادية بسبب الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران»، مشيراً إلى تأثر سلاسل الإمداد بسبب تهديد إيران للملاحة في مضيق هرمز الذي قال إنه مضيق دولي لا يحق لطهران التحكم فيه بموجب القانون الدولي.

Your Premium trial has ended


لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.