تقارير أمنية ترصد تراجعا كبيرا لـ«الإخوان» وتؤكد أن «الجيش المصري الحر» تهويل يغذيه إسلاميون هاربون

مصادر دبلوماسية لـ {الشرق الأوسط} : مشاورات غربية مع القاهرة بشأن المتشددين في المنطقة

منفذ السلوم بين حدود مصر وليبيا («الشرق الأوسط»)
منفذ السلوم بين حدود مصر وليبيا («الشرق الأوسط»)
TT

تقارير أمنية ترصد تراجعا كبيرا لـ«الإخوان» وتؤكد أن «الجيش المصري الحر» تهويل يغذيه إسلاميون هاربون

منفذ السلوم بين حدود مصر وليبيا («الشرق الأوسط»)
منفذ السلوم بين حدود مصر وليبيا («الشرق الأوسط»)

رصدت تقارير أمنية مصرية تراجعا كبيرا لنشاط جماعة الإخوان المسلمين، وأكدت في الوقت نفسه أن «الجيش المصري الحر» الذي جرى تأسيسه في ليبيا «تهويل يغذيه إسلاميون هاربون»، في وقت كشفت فيه مصادر دبلوماسية في العاصمة المصرية لـ«الشرق الأوسط» أمس عن وجود مشاورات غربية مكثفة مع القاهرة بشأن المتشددين في منطقة الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن الزيارة التي يقوم بها وزير الخارجية المصري نبيل فهمي إلى الولايات المتحدة الأميركية لا تتعلق بالعلاقات بين البلدين فقط، ولكنها تطرقت أيضا إلى الكثير من الملفات، كان أبرزها تطورات الملف الليبي.
وأشارت إلى أن الجانب الأميركي يبدي اهتماما متزايدا بهذه القضية، خاصة بعد الزيارة التي قام بها وليام بيرنز، مساعد وزير الخارجية الأميركي، لليبيا الشهر الماضي. بينما قال أحد الدبلوماسيين الغربيين، إن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أصبحوا في حاجة إلى التعاون من أجل «كبح جماح التشدد» الذي أعقب ثورات الربيع العربي، خاصة ليبيا، مثمنا في الوقت نفسه مقترحات قدمت في الجامعة العربية على مستوى المندوبين، بعقد اجتماع وزاري عربي لدول الجوار الليبي، يضم مصر والجزائر وتونس.
لكن وزير الخارجية المصري الأسبق، محمد العرابي، قلل في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» مما يتردد عن الاهتمام الأميركي بإصلاح الأوضاع في ليبيا بالتعاون مع دول منها مصر، وقال: «لو كانوا يفكرون بهذه الطريقة، فإنه سيكون تفكيرا عقلانيا»، لكنه أضاف موضحا: «لا أشعر بأن هذا هو التفكير الأميركي»، مشيرا إلى أن اقتراح عقد اجتماع لدول الجوار العربي لليبيا «لن يكون له فاعلية، لأن الجامعة لم تحقق شيئا لسوريا».
ومن جانبها، أكدت مصادر أمنية رفيعة، أن ما يتردد عما يسمى «الجيش المصري الحر» المناوئ للسلطات في القاهرة انطلاقا من داخل الأراضي الليبية «مجرد تهويل»، و«الأمر يتعلق بعدة مئات من الجهاديين و(الإخوان) وبعض الجماعات المتشددة الأخرى ممن سافروا للجهاد في سوريا أيام حكم الرئيس السابق محمد مرسي»، أو فروا من مصر إلى ليبيا عقب الإطاحة بنظام مرسي الصيف الماضي.
وتمكن المتشددون الإسلاميون من عدة بلدان، من بينها مصر، من تحويل بعض المناطق الليبية إلى ملاذ آمن، خاصة من جانب الفارين الموالين لتنظيم القاعدة من شمال مالي وجنوب الجزائر، وتنظيم أنصار الشريعة في كل من ليبيا وتونس، خاصة بعد أن وضعت الولايات المتحدة هذا التنظيم على قائمة المنظمات الإرهابية أخيرا، بالإضافة إلى محاولات جرى رصدها، وفقا للمصادر، لإقامة معسكرات دائمة للمقاتلين الأجانب في الغابات الواقعة جنوب مدينة درنة على ساحل البحر المتوسط.
وقال مؤسس تنظيم الجهاد السابق، الشيخ نبيل نعيم، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما يسمى «الجيش المصري الحر» في ليبيا، يتكون من مجموعة كانت تقاتل في سوريا سافرت إلى هناك أيام حكم مرسي: «وهذه المجموعة مكونة من نحو 600 إخواني، ونحو 650 من حركة حازمون (تابعة لأحد القيادات الإسلامية وهو مسجون حاليا بمصر ويجري التحقيق معه في عدة قضايا)، ومجموعة أخرى موالية لأيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة، وانضم إليهم عدد من الهاربين من سيناء، وعدد آخر انضم إليهم من بعض الدول العربية والأفريقية؛ أي إن العدد الإجمالي لهؤلاء في ليبيا يصل لنحو ثلاثة آلاف، موزعين في ثلاثة معسكرات»، مشيرا إلى أن هذه المعسكرات تتركز قرب مناطق «الزنتان» غرب ليبيا، و«أبو سليم» بطرابلس، و«درنة» بالمنطقة الشرقية من ليبيا.
ومن جانبه، قال أحد المسؤولين الأمنيين بمصر، إن تقارير عن نشاط لمتشددين مصريين في درنة تضمنت أن المعسكر يضم شبابا من جماعة الإخوان مطلوبين للتحقيق معهم في قضايا تتعلق بالإرهاب بمصر، مشيرا إلى أن العدد هناك لا يزيد على 700، بالإضافة إلى عدة مئات آخرين من الليبيين والمتشددين من جنسيات عربية وأجنبية أخرى، مشيرا إلى أن أحد المشتبه في تورطه في تفجير القنصلية الأميركية ببنغازي في سبتمبر (أيلول) 2012، وكان مسجونا في غوانتانامو، يدير شبكة «من الإرهابيين» في غابات درنة بعيدا عن أعين السلطات الليبية التي تعاني أساسا الضعف والافتقار إلى جيش وقوات أمنية فاعلة.
وتابع المسؤول الذي طلب عدم الكشف عن اسمه لأنه غير مخول له التحدث للإعلام، أن المتشددين المصريين في درنة «مرصودون» و«توجد معلومات عنهم»، «وغالبيتهم تزيد أعمارهم على أربعين سنة». وأضاف: «هم ليسوا جيشا بالمعنى الحرفي للكلمة، ولكنهم يحاولون التضخيم من أنفسهم، ويغذي هذا التوجه إسلاميون متشددون لإعطاء أمل لبقايا أنصار مرسي في مصر، حتى لا ينفرط عقد التحالف الذي يؤيده والذي أصبح على وشك التفكك والاضمحلال».
ومع ذلك، شدد الوزير السابق، العرابي، الذي يشغل حاليا موقع رئيس حزب المؤتمر في مصر، على أنه لا ينبغي التهوين من أي شيء يتعلق بالأمن القومي المصري، خاصة في هذه المرحلة الحساسة التي تمر بها البلاد. وقال في المقابل أيضا إن ما يسمى «الجيش المصري الحر» مجرد مجموعات ليس لها أي تأثير في مصر على الإطلاق، لكن لا بد من متابعة كل ما يتعلق به بدقة وعدم إغفال كل ما يمكن أن يهدد الأمن القومي.
ومن جانبها، أشارت المصادر الدبلوماسية إلى أن فهمي تطرق خلال لقاءاته في واشنطن إلى خطر الإرهاب في المنطقة، ومن بينها شبه جزيرة سيناء التي يعتقد أن عدة آلاف من المتشددين المصريين والفلسطينيين والعرب حاولوا إقامة إمارة إسلامية فيها في العامين الماضيين، بتشجيع من تنظيم القاعدة، وأن «هذا جاء ضمن ظاهرة ضربت المنطقة بعد ثورات الربيع العربي، سواء في سيناء المصرية أو مدن ليبية كمدينة درنة».
وتمكنت السلطات المصرية، خاصة في الفترة التي أعقبت الإطاحة بمرسي، من تقليم أظافر «الإرهاب» في سيناء، إلا أنها، وفقا للمصادر الدبلوماسية نفسها، ما زالت في حاجة إلى مساعدات أخرى وإقناع الدول المعنية بهذا الأمر لمواجهة خطر المتشددين، في إشارة إلى صفقة طائرات الأباتشي الأميركية لمصر التي تعثر الحصول عليها لعدة أشهر.
على صعيد متصل، أكد رئيس الحكومة الليبية السابق، الدكتور علي زيدان، أن مصر ليست لها أطماع في «الشقيقة ليبيا»، مشيرا إلى أن مصر تنازلت عن أشياء كثيرة حرصا على العلاقات الأخوية مع ليبيا، وقال زيدان في حوار مع موقع «مستقبل ليبيا»، إنه التقى المشير عبد الفتاح السيسي، حين كان المشير وزيرا للدفاع، في إطار زيارته لمصر كرئيس للحكومة الليبية بعد ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013، ولا يمكن لفصيل أن يتحكم في الأمر، في إشارة غير مباشرة إلى جماعة الإخوان المسلمين التي تنشط أيضا في ليبيا بشكل كبير، وتواجه في الوقت نفسه احتجاجات شعبية بسبب اتهامات بالتدخل في توجيه البرلمان المؤقت والحكومة وبعض الفصائل المسلحة على الأرض.
وأضاف زيدان قائلا إنه سيلتقي السيسي مرارا، ودعا الشعب المصري لانتخابه رئيسا «فهو رجل عاقل وورع». واستبعد زيدان ما تردد عن محاولات لنقل بعض قيادات جماعة الإخوان من قطر إلى ليبيا، قائلا: «لا أتوقع ذلك، وليبيا لن تقبل (الإخوان)، بل أؤكد لو أن الليبيين عرفوا أن هناك إخوانا في ليبيا تخطط لزعزعة مصر فسيقف الليبيون ضدهم وبقوة»، وأضاف: «يجب ألا نضع الإسلاميين كلهم في سلة واحدة، أنا لست في عداوة مع الإسلاميين جميعا، لكني لا أتفق مع تنظيم الإخوان أو المجموعات المتبنية للعنف، وأنا ملتزم دينيا، والحمد لله، أكثر من (الإخوان) وأتباعهم، وأرفض أن يكون الإسلام مادة للمزايدة أو دغدغة مشاعر الناس».
وألقت السلطات المصرية القبض على المئات من قادة جماعة الإخوان والإسلاميين المتطرفين بعد موجة من العنف تسببت في مقتل المئات منذ منتصف العام الماضي. ويقوم الجيش والشرطة في عموم البلاد بعمليات لملاحقة المتشددين، بالتزامن مع محاكمات بحق مرسي ومرشد الجماعة محمد بديع، وآخرين، حيث صدرت أحكام بالإعدام على المئات طالت بديع نفسه. كما فر المئات من قادة «الإخوان» و«الجماعة الإسلامية» وبعض القيادات السلفية المتحالفة معها، إلى الخارج، خاصة إلى قطر وتركيا وأوروبا.
وقال المسؤول الأمني إن التقارير الأمنية رصدت اتجاه الأوضاع في البلاد نحو الاستقرار بفعل القناعة الشعبية لدى المصريين بأن جماعة الإخوان والجماعات الأخرى «التي تدعمها وتتبنى العنف، لا تصلح للعمل السياسي أو قيادة الدولة»، مشيرا إلى تراجع مظاهرات «الإخوان»، «وانفضاض الناس من حولهم وتغيير ألوف الشباب لمواقفهم بعد إصرار قادة الجماعة في داخل السجون وخارجها على الصدام مع الدولة والمجتمع».
وأضاف أن ما يسمى «تحالف دعم الشرعية» الذي يقوده «الإخوان»، فشل فشلا ذريعا في الدعوات التي أطلقها من أجل التظاهر ضد الدولة، ولم يستجب لها إلا عدة مئات في بعض مناطق القاهرة والمنصورة، إلا أن التحالف جدد دعواته خلال اليومين الماضيين بالاستمرار في تحريض أنصاره ضد العملية السياسية الجارية، وعلى رأسها إجراء الانتخابات الرئاسية بحلول نهاية هذا الشهر.
ومن جانبها، جددت دار الإفتاء المصرية تأكيدها أن «الدم كله حرام»، وقالت إن «حرمته ترقى في الإسلام إلى أن تكون أكبر حرمة من حرمة الكعبة المشرفة، وأن إيذاء الناس سواء بالقول أو الفعل هو أمر منبوذ شرعا». وشددت الدار التي تحظى بثقة قطاعات واسعة من المصريين، في بيان لها أمس، على أن «الصدام مع المجتمع وتبني آراء متشددة ليس من الإسلام وهو محرم شرعا، لأنه يؤدي إلى الفرقة والقطيعة المؤديتين إلى هدم مصالح العباد والبلاد».



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.