أسبوع باريس لخريف 2017 وشتاء 2018 يتبنى القضية النسوية

تصاميم تضمن للمرأة استقلاليتها وتحفظ لها حقوقها المهددة

من عرض جون غاليانو لـ«ميزون مارجيلا» - من اقتراحات بشرى جرار مصممة دار «لانفان» - من عرض «سيلين» - من عرض «كلوي» - من عرض «سان لوران» وتصميم فاكاريللو
من عرض جون غاليانو لـ«ميزون مارجيلا» - من اقتراحات بشرى جرار مصممة دار «لانفان» - من عرض «سيلين» - من عرض «كلوي» - من عرض «سان لوران» وتصميم فاكاريللو
TT

أسبوع باريس لخريف 2017 وشتاء 2018 يتبنى القضية النسوية

من عرض جون غاليانو لـ«ميزون مارجيلا» - من اقتراحات بشرى جرار مصممة دار «لانفان» - من عرض «سيلين» - من عرض «كلوي» - من عرض «سان لوران» وتصميم فاكاريللو
من عرض جون غاليانو لـ«ميزون مارجيلا» - من اقتراحات بشرى جرار مصممة دار «لانفان» - من عرض «سيلين» - من عرض «كلوي» - من عرض «سان لوران» وتصميم فاكاريللو

انتهت دورة الموضة لخريف 2017 وشتاء 2018 في باريس بعد شهر حافل بدأ في نيويورك وانتقل إلى لندن ثم ميلانو. شهر لم تثًر فيه الموضة على السياسات التفريقية فحسب، بل ثارت فيه حتى على نفسها وعلى الصورة النمطية التي رسمتها في الأذهان لعقود طويلة. فإلى جانب أنها احتفلت بالبدانة بشكل واضح في عروض عدة، فإنها تبنت لأول المرة الحجاب بالاستعانة بعارضة أزياء من أصول مسلمة، وأيضا بالمرأة المتقدمة في السن، فيما لم يكن يخطر على البال قبل ثلاث سنوات مثلا.
وإذا كانت تفاصيل القصة في نيويورك سياسية حُبكت كردة فعل على قرارات دونالد ترمب، وفي لندن اقتصادية؛ تحسبا لقُرب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وفي ميلانو إنسانية بسبب أزمة اللاجئين، فإنها في باريس تركزت على حقوق المرأة ومحاولة الحفاظ على ما اكتسبته عبر العقود. ظهر هذا التوجه منذ اليوم الأول مع كل من أوليفييه تيسكينز وجاكوموس و«سان لوران» وتعزز في عروض كل من «لانفان» و«ديور» وغيرهما. سبب هذا التركيز هو الخوف على استقلالية المرأة ومُكتسباتها في وقت تظهر فيه بوادر تراجع وسحب لبعض هذه الحقوق. ولعل ماريا غراتزيا تشيوري كانت أكثر من عبر عن هذا الخوف وضرورة تكاثف الجهود لمحاربة كل المحاولات الرامية إلى إعادة المرأة إلى بداية القرن الماضي. فقد أهدت الحضور منديلا وضحت فيه رأيها هذا. وتجدر الإشارة إلى أن تشيوري بدأت حملتها النسوية في الموسم الماضي، وكل ما في الأمر أنها زادت الجرعة هذا الموسم برفعها شعارات مماثلة تطالب فيها بذوق رفيع بحقوق المرأة ومساواتها مع الرجل في الحياة الاجتماعية والسياسية.
وإذا كانت المصممات، من تشيوري، مصممة دار «ديور»، وفيبي فيلو مصممة «سيلين» وبُشرى جرار، مصممة «لانفان» عبرن عن آرائهن بشكل مباشر، فإن همّ بعض المصممين الآخرين، انصب على ضمان أناقتها وأنوثتها. من هؤلاء نذكر أنطوني فاكاريللو الذي قدم في اليوم الأول من الأسبوع ثاني تشكيله له لدار «سان لوران» كانت مفعمة بالإثارة، رغم افتقادها الجديد بالمعنى الثوري. فقد اكتفى بالنغمة نفسها التي عهدناها إلى حد ما في عهد هادي سليمان، وهي نغمة ترقص على أضواء الديسكو وتغازل الجيل الجديد أولا وأخيرا. كل ما في الآمر، أنه أضاف إليها جرعة عصرية تجلت في الفتحات العالية والتنورات القصيرة جدا والكشاكش، في حين حافظ على روح الثمانينات التي ظهرت في الأكتاف والأكمام المنفوخة، كما في الألوان المعدنية.
أما المصمم أوليفييه تيسكينز فرسم صورة بورجوازية أنثوية باللون الأسود في أول تشكيلة تحمل اسمه الخاص. كانت غنية بالفساتين المحددة على الجسم والجاكيتات المفصلة والمشدودة بحزام لتحديد الخصر، نسقها مع تنورات حينا ومع بنطلونات ضيقة حينا آخرا. في المقابل، تبنى جاكوموس جرأة أكبر من خلال أشكال وخطوط تتميز بأكتافها العريضة وأكمامها المُبتكرة، مع احتفال واضح بالخصر المشدود مثله مثل تيسكينز.
اللافت طوال أسبوع تعالي نغمات من حقبة الثمانينات في الكثير من العروض. وسواء كان الأمر مدروسا ومتعمدا أم مجرد صدفة، فإن دلالات هذا التوجه تستحضر التغيرات التي شهدتها المرأة في هذه الفترة التي شهدت اقتحامها مجالات عمل كانت حكرا على الرجل من قبل، وترجمتها الموضة بالتايورات المفصلة والأكتاف الصارمة. ويبدو أن تأثيرها هذا العام لم يقتصر على الأكتاف وامتد إلى ربطات العنق. فقد ظهرت في عروض كل من «التو» الدار الفنلندية و«جوروني» و«فيكتوريا وتوماس»، حيث أخذت ربطات العنق أشكالا وألوانا عدة في محاولة لتأنيثها من دون إلغاء ما تعنيه من قوة وجدية. الثلاثي وراء ماركة «جور - ني» مثلا نسقوها مع جاكيتات سموكينغ وتايورات بسترات بصف أزرار مزدوجة أو بفساتين قصيرة «ريترو». أما توماس ميريكوسكي، مصمم دار «التو» فتقيد بالأسلوب الكلاسيكي وربطها مع تايورات مقلمة أضفت على العارضات مظهرا ذكوريا لا يمكن تبريره سوى بأنه محاولة لتسليح المرأة بالقوة حتى تُثبت نفسها من جديد، بعد أن ظنت أنها حققت ذلك ولم تعد في حاجة إلى ذلك. فيكتوريا فيلدما وتوماس بيرزين مصمما ماركة «فيكتوريا وتوماس» لم يُخفيا نيتهما في توفير أزياء عصرية للمرأة استوحياها من أساسيات رجالية، وقالا إن «كل ما قمنا به أننا جعلناها مناسبة لمقاييسها الجسدية». ترجمتهما كانت أنهما تركاها مفتوحة ومنسدلة على الجانبين عوض عقدها بالأسلوب الكلاسيكي المتعارف عليه. لكن لا يمكن أن ننسى أن اليوم الأول في كل أسابيع الموضة يكون عادة بمثابة «تسخين» وتحضير لما هو آت؛ فالإيقاع لا يزداد قوة سوى بعد اليوم الأول أو الثاني. وهذا ما حصل تحديدا.
في اليوم الثاني مثلا كان اللقاء مع «ميزون مارجيلا» و«لانفان» ودريز فإن نوتن» وفي الثالث كان مع «بالمان» و«باكو رابان» وفي الرابع مع «ديور» وهكذا.
مجرد الإشارة إلى «ميزون مارجيلا» تجرنا للحديث عن جون غاليانو، مصممها الحالي. فهو يقفز إلى الأمام بخطوات واسعة ليؤكد للعالم بأنه تصالح أخيرا مع وضعه وتأقلم مع أسلوبها. أمر لاحظناه في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي خلال أسبوع الـ«هوت كوتير» وتأكدنا منه في الأسبوع الماضي. فقد نجح في صهر قدراته الإبداعية مع قدراتها الاختبارية ليُبدع تشكيلة ذكرتنا بالذي مضى وبالأيام التي كان يُتحفنا فيها بنظرته الفنية. أيام لا تزال الغالبية منا تتحسر عليها؛ لأنه كان من قلة تُؤمن بأن الموضة فن أولا وأخيرا. ومع ذلك لا يختلف اثنان أن بدايته في «ميزون مارجيلا» شهدت تخبطا خفيفا لم يدم سوى فترة قصيرة لحسن الحظ، حيث تبلور أسلوبه بشكل يشير إلى أنه استرجع ثقته بنفسه بعد صدمة خروجه من «ديور» مطرودا. تشكيلته الأخيرة تشهد على هذه الثقة بألوانها وتصاميمها، واللافت فيها أنها أيضا تتمتع بجانب تجاري.
من الأحداث المهمة التي شهدها الأسبوع عرض المصممة البريطانية كلير وايت كيلر لـ«كلوي». فقد كان آخر عرض تقدمه للدار الفرنسية. والطريف فيه وجود المغنية المخضرمة ماريان فايثفول بين نجمات كثيرات، فما بدا غريبا ونشازا إلى حد ما بالنظر إلى أن التشكيلة كانت تخاطب شريحة الشابات أكثر، ولم يكن فيها الكثير مما يمكن أن يناسب جيل ماريان فايثفول. إلى جانب التنورات والفساتين التي تجلس فوق الركبة، كانت هناك أيضا قمصان بياقات تُعقد على شكل فيونكات بأكمام منفوخة، فضلا عن نقشات «بايزلي» أو طبعات ورود وكائنات طبيعية أخرى. كل ما فيها كان يشي بالانطلاق فيما فاحت من بين ثنياتها وجوانبها رائحة البراءة لأن المصممة وجهتها لبنات زبوناتها. وربما أرادت أيضا أن تكون الخاتمة بالنسبة لها مجرد بداية لفصل جديد ستكتبه دار «كلوي» من بعدها، لهذا لعبت على بعض المعالم المألوفة مثل الرومانسية والخطوط المنسدلة والأحجام الناعمة. نقطة الاختلاف فيها أنها جاءت تتأرجح بين الـ«سبور» والذكوري فيما يمكن اعتباره توجه سائد في الكثير من العروض الباريسية لخريف 2017 وشتاء 2018.
فبشرى جرار أيضا لعبت على الذكوري والأنثوي في ثاني تشكيلة تقدمها لدار «لانفان». صحيح أن التركيز فيها كان على مناسبات السهرة والمساء من خلال تصاميم بتفصيل ناعم وألوان محدودة تتباين بين الأبيض الكريمي والأسود والقليل من الوردي الخفيف، فإنها كانت تضج بالقوة. فكعادتها استعرضت المصممة المغربية الأصل مهارتها في التفصيل من خلال مجموعة من البنطلونات عالية الخصر والتنورات المستقيمة، إضافة إلى مجموعة من الجاكيتات المفصلة زينتها بالكشاكش والتول والتطريز حتى تزيد من جاذبيتها.
اليوم الرابع من الأسبوع كان يوم ماريا غراتزيا تشيوري بلا منازع. فقد قدمت لـ«ديور» لوحات فنية متنوعة كان القاسم المشترك بينها هو اللون الأزرق. فقد قرأت بالصدفة مقولة كتبها كريستيان ديور في عام 1947 يصف فيها هذا اللون بأنه المنافس الوحيد للأسود. وبما أنها تعشق اللون الأسود وتُدمنه في حياتها الخاصة، فإن هذه المقولة على بساطتها، ألهمتها أن تلعب على هذا اللون وتستعمله أساسا لبناء تشكيلة قوية من الناحية التجارية. ورغم أنها ليست أول من تقدم تشكيلة مكونة من عشرات الاقتراحات بلون واحد، فقد سبقها إلى ذلك فالنتينو غارافاني حين قدم تشكيلة كاملة باللون الأبيض، وإيلي صعب عندما قدم تشكيلة كاملة باللون الذهبي تحية لبيروت، فإنها ربما تكون الأكثر جرأة لأنها تلعب برموز دار ليست ملكها. وهذا يعني أن المحاذير أكبر ويمكن أن تُكبل يديها وخيالها. ما يُحسب لها أنها درست الموضوع من كل الجوانب حتى تأتي النتيجة مُرضية على الصعيدين الإبداعي والتجاري، علما بأنه من الظُلم الحكم على ماريا تشيوري، وما إذا كانت نجحت في فهم شخصية الدار الفرنسية أم لا لأنها لا تزال جديدة عليها. المهم في الأمر أنها تجتهد لكي تفهمها وتجعلها مناسبة لجيل بناتها. فهذا الجيل مثلا يميل للألوان لأنها ضرورية لكي تأتي الصورة التي ينشرها على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي موفقة. فقد تكون للأسود جماليات كثيرة، لكنه لا يخدم الصورة مقارنة بالألوان المتوهجة والنقشات المتضاربة. من هذا المنطلق قد يكون الأزرق حلا وسطا يُرضي كل الأطراف، ولا سيما أن الخطوط الغالبة في تشكيلتها الأخيرة «سبور» وهو ما سيُقربها أكثر من هذا الجيل. بالنسبة للمصممة الإيطالية، فإن الأزرق قبل أن يكون منافسا للأسود في عالم الأناقة ومناسبات السهرة والمساء، هو أيضا لون المساواة. فهو الزي المدرسي مثلا، كما أنه زي البحارة والطبقات البروليتارية؛ الأمر الذي يمنحه عملية ويجعله أداة مهمة في حملة ماريا غراتزيا تشيوري النسوية؛ إذ «ليس هناك شيء يعبر عن المساواة في الحياة من الزي الموحد» حسب قولها. وتضيف أن للألوان لغة قوة ودلالات لا يُستهان بها. فهي تُستعمل للتفريق بين الجنسين مثلا، بدليل أن «الأزرق يرتبط بالذكور منذ ولادتهم، بينما يرتبط الوردي بالإناث» عدا أنه «يعبر عن الأحاسيس والمزاج، سواء تعلق الأمر بالحزن أو بصفاء النفس».
أكثر ما برهنت عليه ماريا غراتزيا تشيوري في وقت وجيز، كأول مصممة فنية تدخل «ديور» أنها عقلانية وتعرف حدودها. فقد لا تكون مطالبة ببيع مبادئها والتنازل عنها، إلا أنها مطالبة ببيع الأزياء والإكسسوارات التي تقدمها. بعبارة أخرى، فإن دورها الأساسي في الدار، ليس تغذية نرجسيتها أو خدمة آراءها الشخصية بقدر ما هو خلق توازن بين وجهة نظرها وبين إرث الدار. وهذا تحديدا ما أكدته باعتمادها على إكسسوارات وتفاصيل مُبهرة، البهارات تُخفي بين طياتها إبداع يسهل تسويقه للعالم لأن. إبداع يبدو بسيطا بملامحه الـ«سبور»، لكنه يتضمن ذوقا رفيعا يظهر في كل قطعة وإن كانت مجرد «تي - شيرت» كتبت عليه كلمة حب أو جُملة تعبر عن التكاثف.
لم يكن عرض «سيلين» مناسبا لمن يصاب بالدوران بسهولة، لكن كان مناسبا لكل أنيقات العالم بغض النظر عن أعمارهن وجنسياتهن. ما إن بدأ حتى شعر الحضور بحركة غير عادية. فالمدرجات التي جلسوا عليها بدأت تدور بشكل دائري وببطء شديد لتصل مع نهاية العرض إلى نقطة البداية. فكرة المصممة فيبي فيلو كانت رسم صورة لامرأة قوية ومستقلة وواثقة من زوايا عدة؛ وهو ما تجسد في هذه الحركة كما في مشية العارضات، اللواتي كن يتحركن بسرعة في كل الجهات، أحيانا فرادى وأحيانا جماعات. كانت هناك بلبلة لذيذة تجعلك تتساءل إن كان الزي نفسه قد تكرر أمام ناظريك مرتين أو ثلاثا، أم أن الأمر مجرد تشابه وخلط بين الأمور بسبب دوران الكراسي؟... لكن مع ذلك تخرج بنتيجة أن ما قدمته فيبي فيلو كان قويا رغم أنها لم تقدم جديدا يختلف عما تقدمه عادة. ومع ذلك، فإن لا أحد يُنكر أن تشكيلتها للخريف والشتاء المقبلين تتمتع بترف كلاسيكي وتفصيل عال، وبابتكار واضح في التفاصيل والأحجام. لسان حالها كان يصرخ بأن امرأتها كانت ولا تزال مستقلة وواثقة؛ ما يجعلها واحدة من المصممات العضوات في الحملة النسوية التي تشهدها الموضة حاليا. الفرق بينها وبين غيرها أنها متمرسة في توظيف تصاميمها للحياة اليومية. وهذا ما ظهر في كل قطعة منفصلة اقترحتها، سواء كان معطفا من الصوف أو كنزة مقلمة، أو «تي - شيرت» بسيط أو بنطلون بسحابات يظهر من تحته حذاء أبيض بكعب لا يقل ابتكارا عن الأكتاف التي ظهرت في الأزياء. كانت هناك أيضا مجموعة تظهر فيها العارضات بتايورات «توكسيدو» وهن يحملن ما يشبه بطانيات صوفية وكأنهن يُردن التذكير بأن امرأة اليوم دائمة السفر والترحال. ورغم أن الثقة والاستقلالية كانتا دائما سمة لصيقة بفيبي فيل، بل يمكن القول إنهما ماركتها المسجلة، فإنهما اكتسبا هذا الموسم دلالات تتماشى مع رسالة الأسبوع الداعية لاستكشاف الحياة وخوض غمارها بكل ما أوتيت المرأة العصرية من أسلحة أنيقة. كل ما في الأمر، أنها أضافت إلى هذه الرسالة أنه أصبح لزاما على المرأة ألا تتوقف في مكانها؛ لأن الحياة تتطلب الاستكشاف من كل الزوايا والاتجاهات.



كيف تنسّقين تنورة «الميدي» لإطلالة أنيقة؟

بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
TT

كيف تنسّقين تنورة «الميدي» لإطلالة أنيقة؟

بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)

هناك تصميمات تنتشر انتشار النار في الهشيم، في وقت معيَّن، بعضها يبقى مع المرأة طول العُمر، دون أن يُؤثِر الزمن على جماله، وبعضها الآخر تُقبِل عليه، وبعد سنوات عندما تتطلع إلى صورها فيه تنتابها نوبة من الضحك، أو الخجل كيف كانت تلك الثقة ممكنة. من بين هذه التصميمات تبرز التنورة «الميدي» الصامدة منذ منتصف القرن الماضي إلى اليوم، أبدعها الراحل كريستيان ديور في الخمسينات من القرن الماضي متميِزة باستدارتها الفخمة وأنوثتها الرومانسية، ثم قدَّمها أوسي كلارك في السبعينات من القرن نفسه، مُفعمة بروح شبابية تتراقص على العملية والتمرُّد. الاثنان أيقونتان لا غبار عليهما.

لكن من هذين التصميمين، وُلدت تنورة هجينة، تنسدل من الخصر وتتسع قليلاً، مع طيات قليلة، قد يكون المراد منها إضفاء العملية عليها، إلا أنها لا تخدم كل مقاسات ومقاييس الجسم، إذ يمكنها أن تجعل حتى المرأة الأكثر رشاقة وشباباً تبدو أكبر سناً، أو على الأصح «دقّة قديمة». هذا التصميم خاصة ليس سهلاً ويحتاج إلى كثير من الذوق والتفكير لكي ترتقي به إلى مظهر أنيق.

أميرة وايلز مع ميلانيا ترمب وتنورة من تصميم «رالف لورين» (رويترز)

أحد الأمثلة لهذه التنورة تلك التي ظهرت بها أميرة وايلز، كاثرين ميدلتون، خلال مرافقتها ميلانيا ترمب، زوجة الرئيس الأميركي دونالد، في زيارتهما الرسمية لبريطانيا، العام الماضي. كانت من التويد بلون بُني مع خصر مزوّد بأزرار عند الحزام، مع طيات ناعمة تنسدل من الأمام. ورغم أن هذه الإطلالة لا تُعدّ من أفضل ما ظهرت به حتى الآن، فإن تنسيق الألوان المدروس ولفتتها الدبلوماسية جنّباها أي انتقادات. فالبوت البُني والسترة ذات اللون الأخضر الزيتوني، وكذلك الإيشارب الحريري، أضفت عليها طابعاً ريفياً إنجليزياً متناغماً مع المناسبة الرسمية. أما اللمسة الدبلوماسية، والتي تمثلت في أن التنورة من تصميم دار «رالف لورين» الأميركية، فأسهمت في تقبُّلها.

يُعد هذا الطول حالياً ماركة مسجلة لأميرات أوروبا وأميرة وايلز لأناقته الراقية وكلاسيكيته المعاصرة (رويترز)

باستثناء هذه الإطلالة، لا يمكن اتهام أميرة وايلز بأنها لا تعرف التعامل مع التنورة، «الميدي» تحديداً. بالعكس تماماً، أثبتت أنها ورقتها الرابحة منذ عام 2010. تلعب عليها دائماً بأسلوب يعكس دورها كزوجة ولي العهد البريطاني، وفي الوقت نفسه يُبرز قوامها الرشيق، فقد تعلّمت أن هذا الطول، مستقيماً كان أم مستديراً، منسدلاً ببساطة أم ببليسيهات، يتمتع بحشمة معاصرة، لا تحميها فحسب من انتقادات «شرطة الموضة» المتحفزين، بل أيضاً من أي مطبات هوائية مِن شأنها أن تطير بالتنورة فتفضح المستور. ففي بداياتها، تعرضت لمواقف حرجة بسبب تنورات قصيرة بأقمشة خفيفة.

طول التنورة... ترمومتر اقتصادي

بعيداً عن سيدات المجتمع والنجمات، ما تؤكده الموضة أن التنورة عموماً ليست مجرد قطعة أزياء ترتفع وتنخفض على مستوى الركبة وفق المزاج، بل هي مرآة للمجتمع و«ترمومتر» للتذبذبات الاقتصادية. هذا ما وضّحه الاقتصادي جورج تايلور منذ قرن تماماً عندما وضع، في عام 1926، نظرية تُعرف بـ«مؤشر طول التنورة»، ربط فيها طول الفساتين بالأداء الاقتصادي العالمي: عندما ينتعش ترتفع بجُرأة إلى أعلى الركبة، وعندما يصاب بالركود والانكماش تنخفض لتغطي نصف الساق.

تنورة لمصمم «ديور» جوناثان أندرسون استوحاها من التنورة المستديرة التي تشتهر بها الدار (ديور)

التنورة القصيرة «الميني، مثلاً ظهرت في العشرينات وانتشرت أكثر في الستينات من القرن الماضي، وهما حقبتان شهدتا طفرة اقتصادية. في الأربعينات، أدت الحرب العالمية الثانية إلى تطويلها لتغطي الركبة حتى تكتسب عملية كانت المرأة تحتاج إليها بعد دخولها مجالات عمل ذكورية. ربما تكون نهاية الحرب العالمية الثانية حقبة استثنائية كسَر فيها كريستيان ديور قواعد اللعب عندما قرر أن ينتقم للمرأة ويعيد لها أنوثتها، من خلال تنورات مستديرة بخصور ضيقة وأمتار سخية من الأقمشة المترفة. أصبحت هذه التنورة معياراً للأناقة الراقية، لكنها بقيت محصورة بالمناسبات المهمة. في أواخر الستينات، أخرجها المصمم أوسي كلارك من هذه الخانة بتقديمه نسخة مرنة وعصرية مناسبة للحياة اليومية.

الموضة المعاصرة

بيوت أزياء مهمة مثل «شانيل» وغيرها طرحتها بخامات مختلفة ما جعلها أكثر جاذبية (لاكوست، شانيل، رالف لورين)

في عروض الأزياء لخريف وشتاء 2025، تصدَّر التصميم المستقيم المشهد، ونجح تجارياً، مما شجَّع على التوسع لأشكالٍ أكثر جرأة من باب التنويع. وربّما هذا ما أسهم في ظهور التنورة الهجينة في عروض كل من «شانيل» و«ديور» و«أكني استوديو» و«بوتيغا فينيتا» و«عز الدين علايا»، أسماء أكسبتها مصداقية، وفتحت عيون المحلات الشعبية مثل «مانغو» و«زارا» و«إتش أند إم» عليها، التي التقطت إشاراتها وطرحت فساتين ومعاطف وتنورات بطول «الميدي»، تخاطب شرائح واسعة بأسعار معقولة. لم تكتفِ بتصميماتها، واستعانت بمؤثرات السوشيال ميديا للترويج لها باستعراض طرق مُثيرة لتنسيقها مع باقي القطع والاكسسوارات، على صفحاتهن.

كيف تختارينها؟

أصبحت متوفرة بشتى الألوان والأشكال لهذا الصيف (موقع زارا)

ورغم أن الألوان الكلاسيكية والأحادية مضمونة أكثر، فلا تترددي في تجربة ألوان زاهية بنقشات صارخة على شرط تنسيقها مع قطعة علوية بلون أحادي؛ حتى لا يحصل أي تضارب بينهما. ويفضل أيضاً أن تكون القطعة العلوية محددة لإبراز نحول الخصر والتنورة. في الصيف ومع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن الاستعاضة عن القميص ببلوزة قصيرة عند الخصر أو فوقه بقليل.

اختيار الخامات لا يقل أهمية عن التصميم نفسه. فالأقمشة الخفيفة مثل الحرير أو الموسلين تمنحها انسيابية وتضفي نعومة على صاحبتها، بينما تضيف الأقمشة الثقيلة مثل التويد طابعاً أكثر رسمية.

كما يلعب الحذاء دوراً حاسماً في إنجاح هذه الإطلالة أو العكس. فبينما يمنحها الكعب العالي أناقة أنثوية، والحذاء الرياضي أو الصندل دون كعب شبابية، يُفضل تجنب الحذاء الرياضي السميك، ولا سيما إذا كُنت ناعمة.

التوازن ثم التوازن

بعد ظهورها على منصات عروض الأزياء التقطت محلات شعبية إشاراتها وطرحتها بألوان وأشكال متنوعة (موقع زارا)

في النهاية، ورغم أهمية التصميم والخامة والألوان والاكسسوارات، يبقى العامل الأهم في منح هذه القطعة جاذبيتها وأناقتها، هو أنت، وذلك بأن تأخذي في الحسبان النسبة والتناسب. فبعض النساء يفضّلنها أطول ببعض السنتيمترات عن نصف الساق أو أقصر بقليل، وهذا يعتمد على طول وحجم الجسم. فسنتيمترات قليلة جداً، زائدة كانت أم ناقصة، يمكن أن تُغير الإطلالة تماماً: ترتقي بها أو تُفسدها.


حقائب اليد هذا الموسم... تصاميم تجمع بين الإبداع والهوية

تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
TT

حقائب اليد هذا الموسم... تصاميم تجمع بين الإبداع والهوية

تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)

عندما أعلنت دار «مالبوري» مؤخراً تعيين الاسكوتلندي كريستوفر كاين، مديراً إبداعياً لها، ركَزت في بيانها وتصريحات مسؤوليها على دوره في إعادة إحياء خط الأزياء الجاهزة المتوقف منذ عام 2017. غير أن ما يُدركه المتابعون والعارفون لخبايا صناعة الموضة، أن التحدي الحقيقي الذي سيواجهه المصمم، لا يكمن فقط في إبداعه أزياء مفعمة بالأناقة والجمال، بل في ابتكار حقيبة يد قادرة على تحقيق النجاح التجاري. فهذا الإكسسوار هو الترمومتر الذي يرفع من أسهم أي مصمم في السوق أو يؤثر على سمعته بالقدر نفسه. وهو أيضاً الورقة التي تراهن عليها بيوت الأزياء لزيادة الأرباح.

حقيبة «مانتا» بتصميم هندسي مستوحى من شكل سمكة المانتا تحصل على أول حملة مصورة في مشهد مائي مثير (ماكوين)

ولعل ما نشهده اليوم من سباق محموم بين بيوت الأزياء لإعادة طرح تصاميم مستلهمة من أرشيفها، يؤكد هذه الحقيقة، وكأنها بها تحاول استعادة «سحر» نجاحات سابقة، يعينها على مواجهة التراجع الذي تعيشه. فالأزمات الاقتصادية المتتالية زادت حجم الضغوط، كما جعلت المستهلك أكثر انتقائية وتطلباً، ولم تعد الخامات المترفة وحدها تكفيه، ولا التصاميم الموسمية قادرة على إقناعه.

عناصر أخرى أصبحت ضرورية، مثل كيفية تقديم هذه الحقائب للسوق، سواء من خلال التصوير والترويج والقصص السردية. دار «ماكوين» مثلاً، كشفت مؤخراً عن حقيبتها «مانتا» مُطلقة، ولأول مرة، حملة مصورة مُخصَّصة لها. صوَّرتها عدسة البريطاني تيم ووكر، في مشهد مائي حالم يستلهم قوة الطبيعة وجمالها. وتجدر الإشارة إلى أن التصميم نفسه ليس جديداً بالكامل، فهو استعادة لتصميم «دي مانتا» الذي قُدِّم ضمن مجموعة أزياء ربيع وصيف 2010 أطلقت عليها الدار تحت عنوان «Plato’s Atlantis».

«أختين» والتفصيل الخاص

هذا التحول والاهتمام بأدق التفاصيل يتجلّى بوضوح في كيفية تقديم معظم حقائب هذا الموسم. انتبه الكل إلى أنها لم تعد مجرد إكسسوار مكمل للإطلالة بقدر ما أصبحت قطعاً تُعبِّر عن شخصية صاحبتها وذوقها الخاص، وبالتالي يُفضَّل أن تحمل في طيَّاتها قصة عندما تُروى، تزيد جاذبيتها.

توفر «أختين» كل ما تحتاج إليه المرأة لتصميم حقيبة مُطرَزة ببصماتها الخاصة (أختين)

ما قدّمته علامة «أختين» المصرية، بإدارة الشقيقتين آية وموناز عبد الرؤوف، مؤخراً، خير دليل على هذا التحول. فقد أدخلتا المرأة عالمهما بإطلاق خدمة تفصيل في الإمارات والسعودية تتيح لها تصميم حقيبتها وفق رؤيتها وذوقها الخاص. تُوفِران لها الأقمشة المطرزة يدوياً، والزخارف وكل التفاصيل من أحجار كريستال وغيرها، لتختار منها ما يروق لها ويُعبِّر عنها. بعد انتهائها من وضع لمساتها عليها، تضع الأحرف الأولى من اسمها داخل الحقيبة، وهكذا تتحول التجربة من مجرد احتفاء بالحرفية ومفهوم «صُنع باليد» إلى قطعة تحمل طابعاً شخصياً خاصاً، يبقى معها طول العمر، تُورِّثه للبنات وتحكيه للحفيدات.

موسكينو... بين الدعابة والفن

حقائب مستوحاة من الـ«بوب آرت» (موسكينو)

على طرف آخر من الإبداع الفني، تقف دار «موسكينو» وفية لأسلوبها المفعم بروح الدعابة. قدّمت خلال عرضها الأخير حقائب تنبض بروح الـ«بوب آرت» تمزج الجريء بالفني المبتكر في تودّد صريح لامرأة لا تكتفي بالتميز فحسب، بل تسعى للفت الأنظار بخفة الظل. فقد استلهمت الدار أشكالها من عناصر يومية غير متوقعة، مثل قطع حلوى وحصالات نقود وهواتف كلاسيكية من الخمسينات وغيرها من الأشكال التي من شأنها أن تخلق نقاشات فنية وفكرية حول مفهوم الحقيبة في عصرنا الحالي.

«كارولينا هيريرا»... الكلاسيكية الأنثوية

حقيبة «ميمي» مستوحاة من علبة أحمر شفاه (كارولينا هيريرا)

حقائب دار «كارولينا هيريرا» في المقابل تعيدنا إلى الكلاسيكي المعاصر. استوحت تصاميمها من فن العمارة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، مع تركيز واضح على نقاء الخطوط الهندسية وعلى بُعدها النحتي، كما تَصوَّره مديرها الإبداعي ويس غوردن.

غير أن تفاصيلها المستوحاة من عالم الأزياء هي ما يمنحها فرادتها: نقشة «البولكا» تتحول إلى أقفال، والشرابات تعيد تشكيل الأحزمة فيما تضيف السلاسل الذهبية لمسة بريق. لم يكتف المصمم بهذا، بل جعل كل حقيبة تحمل اسم امرأة تركت بصمتها في الدار أو حياة كارولينا هيريرا، المؤسسة. حقيبة «ميمي بوكس» مثلاً تستحضر ذكرى والدة زوجها، التي كانت لا تستغني عن صندوق صغير خاص بأحمر الشفاه تحمله معها أينما كانت.

تستمدّ حقيبة «كونسويلو فان» شكلها من مراوح يدوية قابلة للطي اعتادت كونسويلو كريسبي وهي صديقة مقرَبة لكارولينا حملها (كارولينا هيريرا)

وتستمر هذه اللغة الشعرية في حقائب أخرى مثل «فيغا» المستوحاة من انعكاسات ضوء القمر على نوافير مزرعة «هاسيندا» التابعة لعائلة هيريرا. تأتي بشكل هلال يعكس ملمسها الضوء. هناك أيضاً حقائب «بيا» و«كونسيلو» وغيرها من التصاميم التي تُوازن بين الفن والوظيفة.

«ديور كرنشي»... العملية الأنيقة

حقيبة كرنشي الجديدة من تصميم جوناثان أندرسون (ديور)

من جهتها، قدمت دار «ديور» حقيبة «ديور كرنشي»، موضحة أن مديرها الإبداعي الجديد جوناثان أندرسون أعاد فيها تفسير نمط «كاناج» الأيقوني بأسلوب معاصر. أكثر ما يُميزها تفاصيل ثلاثية الأبعاد، وجلد مُجعّد يضفي عليها عمقاً بصرياً وملمساً غنياً، إضافة إلى كثافة «الكرانش» ومرونة الجلد، تتمتع الحقيبة بالعملية بفضل حجمها ومقابضها التي تتيح حملها بطرق متعددة تلائم إيقاع الحياة اليومية.


جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.