{عين الحلوة} ... الخارج عن السيطرة

المخيم الفلسطيني تعقّد أوضاعه أحداث المنطقة

{عين الحلوة} ... الخارج عن السيطرة
TT

{عين الحلوة} ... الخارج عن السيطرة

{عين الحلوة} ... الخارج عن السيطرة

يُعد ملف مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين، الواقع شرقي مدينة صيدا، عاصمة جنوب لبنان، أكثر الملفات تعقيدا للدولة اللبنانية والفصائل الفلسطينية. واليوم تجد الدولة والفصائل نفسها، على الرغم من كل الجهود التي تبذلها، عاجزة عن فك ارتباط هذه البقعة الجغرافية، التي لا تتخطى مساحتها الكيلومتر المربع الواحد ويعيش فيها ما يزيد على 100 ألف لاجئ، بالمخاوف الأمنية التي تتربص بلبنان منذ عشرات السنوات.
وخلال الأيام القليلة الماضية، تبلور اتفاق لبناني – فلسطيني على ضوء المعارك الأخيرة التي شهدها المخيم بين الجماعات الإسلاموية المتشددة وعناصر حركة «فتح»، قضى بتسليم كل المطلوبين اللبنانيين المتوارين في المخيم، ورفع الغطاء عن الجماعات التي تحميهم وتؤويهم.
الموقع الحساس لمخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في ضواحي مدينة صيدا، عاصمة جنوب لبنان وبوابته، وتحوله بمرور الوقت مأوى لأخطر المطلوبين بملفات إرهاب، واعتماده في كثير من المراحل «مطبخاً» لعمليات أمنية استهدفت الداخل اللبناني، كلها عناصر تتراكم لتفاقم من المأساة الإنسانية التي يرزح تحتها مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين. ولقد ازدادت معاناة هؤلاء بعدما انضم إليهم عشرات آلاف إضافية من اللاجئين الجدد الذين هُجروا من سوريا مع اندلاع الأزمة هناك في عام 2011.
وإذا كان قادة الفصائل الفلسطينية نجحوا طوال السنوات الماضية في تجنيب المخيمات اللبنانية الانجرار إلى آتون الحرب السورية، رغم توجه عدد لا بأس به من أبنائها للقتال هناك، فإنهم لم يتمكنوا من الحفاظ تماما على استقرار مخيم عين الحلوة، الذي لا يزال كل فترة يشهد «خضة» أمنية تترك تأثيرات كبيرة على الداخل اللبناني الهش.
ولعل الإشكالية الرئيسة التي تجعل المخيمات الفلسطينية في لبنان أشبه بـ«قنابل موقوتة» هو انتشار السلاح فيها وغياب القوى الأمنية اللبنانية من داخلها، بحيث تتولى قوى فلسطينية مشتركة أمن المخيمات، وتعتمد بمعظم الأوقات على حلول أمنية بـ«التراضي» ما يُفاقم من المشكلات من دون أن يُساهم ذلك بحلها. وربما كان أصدق تعبير عن ذلك انهيار القوة الأمنية في عين الحلوة الشهر الماضي نتيجة خلافات بين الفصائل حول فاعلية هذه القوة التي كانت تقيد حركتها لجنة عليا تتخذ قراراتها بالتوافق.
هذا التوافق كان يعيق التصدي لحالات أمنية شتى توسعت في المخيم لحد إنشاء «مربعات أمنية» تسيطر عليها جماعات متشددة تحمي العدد الأكبر من المطلوبين للسلطات اللبنانية، وأبرزهم الفنان المعتزل فضل شاكر، المتهم بالمشاركة بقتال الجيش في أحداث شهدتها مدينة صيدا خلال صيف عام 2013، إضافة إلى شادي المولوي المتهم بالانتماء إلى جماعات إرهابية والمشاركة بمعارك شهدتها مدينة طرابلس عاصمة شمال لبنان في عام 2012، والأهم تحريك خلايا نائمة أخيرا لتنفيذ عمليات أمنية في الداخل اللبناني.

أزمة المطلوبين

خلال الأيام القليلة الماضي، تبلور اتفاق لبناني – فلسطيني على ضوء المعارك الأخيرة التي شهدها مخيم عين الحلوة بين الجماعات المتشددة وعناصر حركة «فتح» قضى بتسليم كل المطلوبين اللبنانيين المتوارين في المخيم، ورفع الغطاء عن الجماعات التي تحميهم وتؤويهم. وكان لافتا التجاوب السريع لكل الفصائل الرئيسية مع الموضوع، وأبرزهم «عُصبة الأنصار» التي سارع المتحدث باسمها الشيخ «أبو شريف عقل» للطلب من «كل لبناني مطلوب للدولة أن يسلم نفسه أو يخرج من المخيم؛ لأن الوضع لم يعد يحتمل»، قبل أن يعود ويؤكد بعد ساعات أن الفصائل لم تتعهد بتسليم المطلوبين، لكنها وعدت بمطالبتهم بالخروج من المخيم.
راهناً، يتجاوز عدد المطلوبين اللبنانيين المتوارين في مخيم عين الحلوة الـ20، وفق عضو المكتب السياسي لـ«جبهة التحرير الفلسطينية» صلاح اليوسف، في حين يتخطى عدد المطلوبين من جنسيات غير لبنانية وأبرزها فلسطينية الـ150 ينتمون إلى مجموعات «جند الشام» و«فتح الإسلام» و«القاعدة» الإرهابية. وللعلم، كان عشرات المطلوبين قد سلموا أنفسهم خلال الأشهر القليلة الماضية إلى استخبارات الجيش اللبناني، غير أن معظمهم ممن هم متهمون بقضايا غير معقدة، وتلقوا وعودا بالحصول على محاكمات سريعة وأحكام مخففة لحث باقي المطلوبين على حذو حذوهم.
إلا أن قيادة الجيش اللبناني، من جانبها، لا تزال تنتظر خطوات أكبر وأكثر فاعلية من قادة الفصائل في هذا المجال. وهذا ما دفعها أخيرا إلى ممارسة ضغوط كبيرة عليهم من خلال بناء جدار إسمنتي ضخم على شكل حزام يلف المخيم، مع توجه لتركيب بوابات كهربائية، ووضع أبراج مراقبة لضبط المعابر غير الشرعية، وأيضاً حركة الدخول والخروج من وإلى المخيم.
ويذكر أن بناء هذا الجدار أثار سخطا شعبياً واسعاً، باعتبار أنه يفاقم مصاعب حياة اللاجئين المحاصرين في هذه البقعة الصغيرة، وهم الممنوعون أصلاً من العمل في مجالات واسعة للحد من منافسة اليد العاملة اللبنانية. أضف إلى ذلك، أنهم ممنوعون أيضا من التملك؛ خوفا من التوطين.
الحديث كان قد كثر في الآونة الأخيرة عن أن الجدار، الذي أوشك الجيش اللبناني الانتهاء من بنائه، إنما شيد بطلب دولي، وبالتحديد، من شركات عالمية ستتوجه قريبا إلى لبنان للتنقيب عن النفط والغاز، تعتبر المخيم «بقعة خارجة عن السيطرة»، وبالتالي تهدد أمن العاملين فيها. إلا أن الجهات الأمنية اللبنانية تربط موضوع الجدار بأمن اللبنانيين، وتدعي أن المخاوف لم تعد تقتصر على وجود «مطلوبين خطيرين» في المخيم لا يتوانون عن إعداد أو تنفيذ عمليات إرهابية، بل على تسلل المزيد منهم إلى لبنان بحجة وجود مكان آمن لهم كعين الحلوة في ظل الخسائر التي تطالهم في العراق وسوريا.

تقرير «شاهد»
من جهة ثانية، في تقرير أعدته «المؤسـسة الفلسطينية لحقوق الإنسان» (شاهد)، فإن ملف المطلوبين يترك انعكاسات اجتماعية واقتصادية وأمنية خطيرة داخل المخيم، باعتبار أن المطلوب للقضاء اللبناني أو للأجهزة الأمنية، سواء لارتكابه جنحة أو جناية يشكل «عبئا» اجتماعيا واقتصاديا وأمنيا على سكان المخيم بشكل عام، وعلى البيئة المحيطة.
وتقدر أوساط اللجان الشعبية عدد المطلوبين بالمئات، أكثر من 90 في المائة ارتكبوا جُنحاً (إطلاق نار في الهواء، تجاوزات مالية، مشكلات مع الجيران...)، أو اعتبروا أنفسهم مطلوبين بناء على تقارير أمنية بحقهم ربما تكون خاطئة.
ووفقا للتقرير، فإن هؤلاء المطلوبين يتحولون عبئاً على أهلهم الذين يتوجب عليهم، إذ ذاك، تقديم الرعاية الشاملة لهم من المال والطعام والشراب والمأوى والحماية؛ وذلك لعجزهم عن الخروج من المخيم.
وقد يعتمد هؤلاء على رعاية من جهات سياسية فيصبحون أسرى لها، أو أنهم يصابون باليأس فينتقلون من تهمة الجنحة إلى الجنايات فيمارسون القتل والعنف.
ويشير التقرير كذلك إلى أنه «... من القضايا المثيرة للجدل في ملف المطلوبين هي الرحلة الطويلة التي يقطعها المطلوب أو المتهم الذي يلقى القبض عليه، فيحدث أقرانه وجيرانه عن المعاملة القاسية التي تعرض لها في مراكز التحقيق، ويترك ذلك انطباعا سلبيا جدا؛ مما يجعل المطلوبين يترددون ألف مرة إذا فكروا أن يسلموا أنفسهم للأجهزة الأمنية».
وعليه، يطالب الفلسطينيون، بهذا الخصوص، بمنح المطلوبين «عفواً خاصاً، أو تسوية أوضاعهم بطريقة تحفظ حق الدولة اللبنانية وأمنها واستقرارها وهيبتها ويعالج مشكلاتهم، على غرار تسويات أمنية حصلت سابقا».

صدى لأحداث المنطقة
في هذه الأثناء، تعتبر مصادر مواكبة عن كثب للوضع في مخيم عين الحلوة، أنه يعكس تماماً ما يحصل في المنطقة. وتلفت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إلى تعذر فصل أي مستجد على الساحة الإقليمية عن أي حدث ولو صغير يشهده المخيم الفلسطيني، قائلة: «إذا كانت سوريا حقيقة تتجه لنوع من التقسيم عبر إعطاء مناطق نفوذ لأميركا وأخرى لروسيا وواحدة لإيران وتركيا وإسرائيل، فلا شك أن ذلك لن يمر بسلام على لبنان؛ إذ ستستيقظ أحلام المسيحيين بـ(الكانتون) المسيحي، وحلم بعض السنة بالإمارة الإسلامية، كما توق الدروز إلى منطقة خاصة بهم تتصل بالسويداء، إضافة إلى تمدد الشيعة وتعزيزهم قبضتهم في مناطق على غرار المناطق المذهبية الأخرى».
وترى هذه المصادر، أن «أي مشروع أمني للبنان لا بد أن يبدأ من عين الحلوة، الذي لم يعد عبارة عن مخيم واحد خاضع للجنة أمنية مشتركة فاعلة، بل تحول إلى مجموعة مخيمات صغيرة يخضع كل منها لفصيل معين، في حين يخضع بعضها لمجموعات متشددة تنفذ أجندات خارجية». وتضيف، أن «الخلافات بين الفصائل الكبرى تغذي هذه المجموعات من منطلق أن حركة حماس، مثلاً، لا تسمح لحركة فتح بمواجهة هذه المجموعات كي لا تتفرد بإدارة المخيم... كما أن فتح أصلاً في حاجة إلى غطاء رسمي لبناني في حال قررت خوض مواجهة عسكرية داخل عين الحلوة، وهو غطاء غير متوافر حالياً». وتخلص المصادر إلى القول إن «مخيم عين الحلوة غدا أشبه بقنبلة موقوتة قابلة للانفجار بأي وقت، وكلما اقتربت التسوية السورية باتت الأمور أصعب في المخيم».

«حزب الله» ومناصروه
وفي سياق مواز، تخشى قوى 8 آذار (المؤيدة لمحور طهران – دمشق) وعلى رأسها «حزب الله» من أن يكون ما يُحضر لمخيم عين الحلوة هدفه قطع طريق الجنوب. وهذا ما عبر عنه رئيس المجلس النيابي نبيه بري صراحة قبل أيام. وتربط جهات في هذه القوى هذه المخاوف والتهديدات الإسرائيلية الجديدة بشن حرب على لبنان، زاعمة أن ذلك يعني «خطة ما لقطع طريق المقاومة بين بيروت والجنوب، وهنا خطورة ما يجري الإعداد له لجهة إشغال «حزب الله» بمواجهات داخلية تدور بالتزامن مع التصدي للحرب الإسرائيلية».
وعلى الرغم من مرور أكثر من 25 سنة على انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، فإن المخاوف من دخول العنصر الفلسطيني على الخط في أي مواجهات داخلية لبنانية – لبنانية، تبقى قائمة، باعتبار أن ما يفوق الـ500 ألف لاجئ يعيشون في لبنان منذ عام 1948، وكما سبقت الإشارة، أضيف أخيرا إليهم مليون لاجئ سوري، ما يضع التوازنات اللبنانية الهشة في دائرة الخطر.

هاجس «التوطين»
ولا تقتصر مخاوف 8 آذار على ذلك، بل تتعداه للكلام عن «خطة دولية بدأت تتبلور معالمها لفرض التوطين كأمر واقع، وبخاصة أن الرئيس الأميركي الجديد (دونالد ترمب) واضح تماما بانحيازه للموقف الإسرائيلي في هذا المجال».
وهنا تشير المصادر إلى أن «التصريحات المتتالية للرئيس الفلسطيني محمود عباس التي يؤكد فيها أن اللاجئين (ضيوف)، ويبدي تجاوباً كبيراً بموضوع السلاح الفلسطيني داخل المخيمات وخارجها، تصريحات تنسف المواقف السابقة للقيادات الفلسطينية التي كان تؤكد تمسكها بالسلاح لمواجهة أي اعتداء إسرائيلي، واعتباره حاجة لتأمين العودة إلى فلسطين. وبالتالي، فإن تصريحات عباس تؤسس لسحب هذا السلاح وما قد يعنيه ذلك من تمهيد لتذويب اللاجئين في المجتمع اللبناني».
في هذا المجال، تبدو حركة «فتح» متجاوبة مع «أي صيغة جديدة قد تتفق عليها الحكومة اللبنانية بموضوع السلاح الفلسطيني، وتؤمّن السيادة اللبنانية، وتحافظ على حق العودة ووجود المخيم، على أن يترافق ذلك مع تأمين الحاجات الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية الأساسية للاجئين». وفي المقابل، تعرب حركة «حماس» عن تشدد في موضوع الصيغ الجديدة الجاري التداول فيها، مؤكدة تمسكها «بما اتفق عليه الأفرقاء اللبنانيون على طاولة الحوار في عام 2006، لجهة سحب السلاح خارج المخيمات وتنظيمه داخلها».
ويعتبر رئيس لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني الوزير السابق حسن منيمنة، أن للسلطات اللبنانية «مسؤولية كبيرة في موضوع ما يجري في عين الحلوة»، ويضيف «الاتفاق الذي عقد منذ 11 سنة لم توضع حتى الساعة المراسيم التطبيقية له باعتبار أن هناك قوى لبنانية ترفض تطبيق هذه التفاهمات الوطنية السابقة». وشدد منيمنة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أنه «قد آن أوان فتح هذا الملف من جديد، واتخاذ قرار بسحب السلاح من داخل المخيمات وخارجها وضمان عودتها إلى كنف الدولة». وأردف «هذا الأمر ممكن ومتاح من خلال حوار فلسطيني – لبناني جدي وصريح، وبخاصة أن ما يحصل في عين الحلوة بات عبارة عن انعكاس واضح للصراعات الإقليمية والدولية المحتدمة».

«داعش» في المخيم
على صعيد آخر، تحدثت جهات أمنية لبنانية في الفترة الأخيرة عن «تمدد تنظيم داعش داخل عين الحلوة». واعتقلت مخابرات الجيش اللبناني في سبتمبر (أيلول) الماضي من وصفته بـ«أمير التنظيم» في المخيم الفلسطيني عماد ياسين، عبر عملية أمنية نوعية وخاطفة حدت من نشاط «داعش» في لبنان، وساهمت، حسب الجهات، في انتزاع الكثير من المعلومات من الموقوف. وكان الحديث الجدي عن وجود لـ«داعش» في المخيم بدأ في عام 2015 من خلال تصريحات متتالية لوزير الداخلية نهاد المشنوق، تلت التفجير الانتحاري المزدوج الذي استهدف منطقة جبل محسن العلوية، بمدينة طرابلس، خلال يناير (كانون الثاني) من العام نفسه. ولقد تحدث المشنوق عن «مربع موت» جديد للتنظيم الإرهابي المتطرف يمتد بين جرود بلدة عرسال اللبنانية ومخيم عين الحلوة وسجن رومية (شرقي بيروت) إلى العراق والرقة.
في المقابل، لم يعلن «داعش»، حتى الساعة، أي وجود رسمي له في لبنان أو في مخيم عين الحلوة. وهو يعتمد، كما يبدو، على تنظيمات ومجموعات متطرفة بعيدة عن الضوء كجماعة «الشباب المسلم» التي تضم أعضاء من تنظيم «فتح الإسلام» المتطرف الذي خاض في عام 2007 مواجهات دامية مع الجيش اللبناني في مخيم نهر البارد (شمال لبنان). إلا أنه وفق مصادر فلسطينية قيادية في مخيم عين الحلوة، فإن العناصر التي تنتمي فعليا إلى «داعش» أو قامت بمبايعته لا تتعدى أصابع اليدين. وهي تلفت إلى أن العدد الأكبر هو من المتعاطفين مع التنظيم. وللعلم، ترددت معلومات أخيرا عن توجه عدد من هؤلاء إلى الرقة للمشاركة في القتال هناك، فيما عاد بعضهم بعد تلقي خبرات قتالية في المعقل الرئيسي للتنظيم في سوريا.
422 ألف لاجئ و12 مخيماً
> وفقاً لإحصاءات «الأونروا» (هيئة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين) في عام 2009، وصل عدد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين إلى 4.766.670 لاجئاً، يعيش 422.188 منهم في لبنان 222.776 لاجئاً داخل المخيمات و199.412 لاجئاً خارج المخيمات.
ويمثل اللاجئون الفلسطينيون في لبنان ما نسبته 9 في المائة من مجموع اللاجئين المسجلين لدى «الأونروا»، ونحو 12 في المائة من مجموع سكان لبنان.
ويقول ناشطون فلسطينيون، إن هذه الأرقام «غير دقيقة؛ لأنها تعتمد على معلومات يتقدم بها اللاجئون طواعية ليستفيدوا من الخدمات التي يستحقونها، وهناك لاجئون فلسطينيون في منطقة عمليات (الأونروا) غير مسجلين لديها، فضلاً عن وجود لاجئين من فاقدي الأوراق الثبوتية يعيشون في المخيمات والتجمعات».وكانت «الأونروا» تشرف على 16 مخيماً رسمياً، دمر منها ثلاثة أثناء سنوات الحرب الأهلية في لبنان، وتحديداً بين عامي 1974 و1976، وهي مخيم النبطية بجنوب لبنان، ومخيما تل الزعتر (الدكوانة) وجسر الباشا في بيروت. وهناك مخيم رابع هو مخيم غورو ببعلبك (شمال شرقي لبنان) جرى إجلاء أهله عنه ونقلهم إلى مخيم الرشيدية في قضاء صور (جنوب لبنان) إبان ستينات القرن الماضي. وفي الوقت الراهن، يقيم أكثر من نصف اللاجئين في 12 مخيماً منظماً ومعترفاً بها من قبل «الأونروا»، هي: الرشيدية وبرج الشمالي والبص (في قضاء صور) وعين الحلوة والمية ومية (ضواحي صيدا)، وبرج البراجنة وشاتيلا ومار آلياس وضبية (بيروت وضواحيها)، ويفل (الجليل) (قرب بعلبك بشرق لبنان)، والبداوي ونهر البارد (شمال لبنان).



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.