صراع دولي على كعكة واردات السلاح الهندية

أكثر دول العالم استيراداً تسعى لتوطين الصناعات الدفاعية

تمثل واردات الهند من المعدات العسكرية 70 في المائة من إجمالي وارداتها (إ ب أ)
تمثل واردات الهند من المعدات العسكرية 70 في المائة من إجمالي وارداتها (إ ب أ)
TT

صراع دولي على كعكة واردات السلاح الهندية

تمثل واردات الهند من المعدات العسكرية 70 في المائة من إجمالي وارداتها (إ ب أ)
تمثل واردات الهند من المعدات العسكرية 70 في المائة من إجمالي وارداتها (إ ب أ)

بدأت خطوط المعركة بين كبار اللاعبين العالميين في مجال الدفاع والطيران تُرسم على الأرض في الهند. وكانت أول تجلياتها حرص اللاعبين الكبار على افتتاح مقار تجارية بالهند، بوصفها أحد أكبر الدول إنفاقاً على التسليح والمعدات العسكرية.
ودخل منتجو الأسلحة من الهند والسويد وفرنسا وإسرائيل وبريطانيا وروسيا في صراع مستعر بعد إعلان رئيس الوزراء الهندي عن منح عقود توريد أسلحة ودفاع بقيمة 250 مليار دولار أميركي سواء للشركات الهندية أو الشركات المشتركة.
وتشمل المعدات الطائرات المقاتلة، والغواصات، والمدافع الأرضية، والصواريخ، وبنادق القنص، ونظارات الرؤية الليلية، وجميعها معدات يحتاجها الجيش الهندي الذي يواجه اضطرابات إقليمية مع الجارتين، باكستان والصين.
واحتلت الهند قائمة أكبر المستوردين للأسلحة في القائمة التي أعدها معهد ستوكهولم الدولي للأسلحة على مدار السنوات السبع الماضية، وتمثل واردات الهند من المعدات العسكرية 70 في المائة من إجمالي وارداتها.
وبدأت الشركات المحلية الهندية الدخول في مجال تصنيع الأسلحة منذ 15 عاماً بعد فتح المجال أمام الاستثمارات الخاصة، غير أن هذا النشاط لا يزال ناشئاً؛ نظراً للبينة التحتية المحلية المحدودة المطلوبة لصناعة السلاح، ناهيك عن تفضيل الحكومة للأسلحة المستوردة ذات الجودة الأعلى.
وقامت الحكومة الهندية برفع السقف أمام الاستثمارات الأجنبية في مجال الدفاع، وشجعت على الشراكة بين الشركات الأجنبية والمحلية في ظل حملة «اصنع في الهند».
وسيتعين على الشركات الأجنبية الفائزة بالعطاء تقديم التكنولوجيا للشركات المشتركة التي ستتولى تصنيع منتجاتها في الهند.
وتسعى حملة «اصنع في الهند» لإنهاء اعتماد الهند على الأسلحة المستوردة، ولتحويل البلاد إلى كعبة للصناعات الدفاعية.
وفي السياق ذاته، صرح أنكور غوبتا، نائب رئيس شركة «إرنيست أند يونغ» لشؤون الدفاع والطيران ومقرها نيودلهي، بأنه «من المتوقع أن تعزز نقل التكنولوجيا والخبرات من وضع الصناعات والتكنولوجيا الهندية ومن قدرتها على إبرام عقود تسليح متطورة عالية المستوى وتصدير معدات دفاعية، والغرض من سياسة الشراكة حث كبرى الشركات الهندية للتحول إلى مجال الأنظمة المدمجة»، مضيفًا أن من ضمن الشركاء «بوينغ» العملاقة المنتجة للطائرات، وشركة «لوكهيد مارتن» الأميركيتين، وعملاق المعدات العسكرية السويدية «ساب»، وشركة «يروسبيس اندستريس» الإسرائيلية المحدودة، وشركة «داسولت» الفرنسية، وشركتي «أر أي سي ميغ» و«يروفايتر» الروسيتين، وجميعهم على وشك البدء في الدخول بشراكة مع نظرائهم في الهند لتصنيع معدات عسكرية.
وعلى صعيد متصل، صرح مانوهار باروكار، وزير الدفاع الهندي: «ما أقوله هو ما أريده بالفعل، أريد أن يكون الشعار هو صنع في الهند، فالتصدير إلى دولة ثالثة ميزة إضافية. فإن أراد شخص ما نقل مصنعه من مكان آخر إلى هنا، أو أن يبني مصنعا جديدا هنا، فالخيار له».

الصفقات الأميركية
حضر عملاق الطائرات الأميركي «بوينغ» للهند تحت اسم شركة «بوينغ ديفينس إنديا»، وصرح براتيش كومار، مدير شركة بوينغ إنديا الجديدة لوسائل الإعلام قائلاً: «سعت شركة بوينغ لتسريع وتيرة الاستثمار في الصناعة عن طريق تنمية المهارات الهندسية في البلاد. وستشرف شركة «بوينغ إنديا» على الاستثمارات الحديثة في الهند، ومنها شركة «تاتا بوينغ يروسبيس ليميتد» المشتركة، ومركز محاكاة الطيران والتدريب، وكذلك نشاطات التصنيع التي تتولاها «بوينغ»، ومبيعاتها وعمليات التسويق، وتوسعة المركز الهندسي التابع للشركة.
وتسعى «بوينغ» في الهند إلى تصنيع طائرة مقاتله طراز إف أيه 18 التي تعد الدعامة الأساسية للأسطول البحري الأميركي.
وأضاف كومار أنه «من خلال بوينغ الهندية، تعمل شركة بوينغ على تعزيز شراكتها مع وزارة الدفاع الهندية لتقديم قدرات متطورة، وتطوير حالة الاستعداد لدى عملاء الهند العسكريين، وكذلك تطوير وتأسيس قاعدة توريد قادرة على المنافسة في البلاد بالتعاون مع شركة بيونغ الأم التي تمثل المورد الأكبر لتلك السلسلة العالمية».
وأفاد أس بي شكلا، مسؤول الطيران والدفاع بمجموعة ماهندرا التي تنافس للحصول على عقود لإنتاج مدافع ومركبات عسكرية مختلفة، بأن «الهند قد تصبح مصدرة لمنظومة الصناعات العسكرية على المدى البعيد»، مضيفاً: «عندما تبدأ الهند في تصنيع الطائرات المروحية وطائرات الركاب، والطائرات المقاتلة داخل الهند لن نكون أكبر مستورد».
وصرح وزير الطيران المدني، أشوك كجباتي راجو، بأن «بوينغ» بالفعل تنتج الدعامات المعدنية في مدينة ناغبور الهندية، فيما تنتج شركة «هندوستان أيرونيتكس المحدودة» الأبواب لصالح شركة «إيرباص».
وفي إطار صفقات أخرى، وقعت شركتا بوينغ وإيرباص اتفاق تفاهم لتأسيس «مركز التمييز» لمهارات صناعة الطيران بمدينة حيدر أباد بالتعاون مع حكومة تلنغرا، ومؤسسة تطوير المهارات الهندية وشركة إيروكمباس الفرنسية.
وسيتولى المركز الذي سيجرى إنشاؤه بمطار بوغمبيت تدريب كوادر على صناعة الطائرات وعلى عمليات الإمداد اللوجيستي والصيانة والإصلاح والتعامل مع العمليات الأرضية وعمليات الطيران الخاصة.
وكانت شركة «لوكهيد مارتن» الأميركية الكبرى المتخصصة في معدات الدفاع عرضت في أغسطس (آب) الماضي نقل خط إنتاجها الوحيد المختص بإنتاج أحدث طائرات إف 16 بلوك 70 من ولاية تكساس إلى الهند لتوفير احتياجات الهند والعالم في هذا المجال.
وكان الرئيس الأميركي ترمب انتقد بشدة سعي الشركات الأميركية لنقل عملياتها إلى خارج الولايات المتحدة، ثم بيع منتجاتها إلى الولايات المتحدة مرة أخرى، وطالبهم بدلاً من ذلك بالعودة إلى الإنتاج في الولايات المتحدة. غير أن شركة «لوكهيد» لا تنوي بيع طائرات إف 16 في الولايات المتحدة.
وصرح لوكهيد بأن إدارة ترمب تعيد النظر مجددًا بشأن مقترح شركة «لوكهيد مارتن» لتأسيس قاعدة صناعية لها في الهند.

الصفقات الإسرائيلية
تسعى إسرائيل إلى الدخول بقاعدة صناعية في الهند بقيمة 2.1 مليار دولار عن طريق شركتها «رفائيل أدفانس للأنظمة الدفاعية» التي دخلت في شراكة بقيمة 2.5 مليار دولار مع «كليني غروب» الهندية.
وتتطلع الشركة المشتركة إلى تطوير وتصنيع مجموعة كبيرة من الصواريخ وأنظمة التسليح ذات القدرة على التحكم عن بعد وأنظمة وقائية متطورة.
ووفق قوانين الاستثمار الجديدة في القطاع التي تنص على أن يحصل الشريك الهندي على غالبية الأسهم، سوف تمتلك مجموعة «كالوني» 51 في المائة من الأسهم في الشركة المشتركة، فيما ستمتلك شركة رفائيل بقية الأسهم.
تعد الشركة الإسرائيلية ثاني أكبر شركة دفاع إسرائيلية، حيث تنتج مجموعة متنوعة من المعدات العسكرية منها الأنظمة التي تعمل تحت الماء في القوات البحرية، ومعدات أخرى تعمل على الأرض وفي الجو، ناهيك عن معدات للفضاء.

صفقات سويدية وفرنسية
وأوروبية وغيرها
أفادت شركة «ساب أب» السويدية التي عرضت أحدث طائراتها بمعرض «يرو إنديا 2017» بمدينة بنغلورو بأنها تعتزم إنشاء مصنع في الهند على أحدث الطرز العالمية لإنتاج طائرات مقاتلة، حيث دخلت الشركة في مفاوضات مع شريكها الهندي «أداني غروب».
وأسست «رلاينس غروب» الهندية شركة مشتركة مع الشركة الفرنسية «داسولت أفيشن» لتصنيع 36 طائرة طراز رفائيل التي طلبتها الهند مقابل 8.5 مليار دولار.
وكشفت مصادر أن الشركة المشتركة سوف تنتج أيضاً قطع غيار ستتولى «داسالت» توريدها لسلاح الطيران الهندي على أن تقوم الشركة الهندية بإنتاجها لاحقاً. وكانت «داسالت» تعهدت بمساعدة الهند في إنتاج 50 في المائة من قطع الغيار وفق شروط العقد.
ستمتلك الشركة الهندية 51 في المائة من الأسهم في الشركة الجديدة، فيما ستمتلك الشركة الفرنسية بقية الأسهم.
تعتزم الحكومة الهندية إنفاق 100 مليار دولار لشراء طائرات مقاتلة، ومروحيات، وسفن، وتتطلع إلى أن تقوم الأسواق المحلية بتوفيرها.
وكشفت شركة «ريلاينس ديفنس ليميتد» أيضاً أنها وقعت اتفاقية مع شركة «ستارتا» المختصة بتصنيع الطائرات، وهي شركة مملوكة بالكامل لشركة «مبدالا ديفيلوبمنت» الإماراتية، وتهدف إلى تعزيز التعاون في مجال تصنيع الطائرات بين الهند والإمارات.
وبمقتضي العقد، ستقوم الشركة الهندية بإنتاج ألياف الكربون المستخدم في صناعة جسم الطائرة، وكذلك رسومات ثلاثية الأبعاد لمكونات الفضاء وتصنيع الألواح المستخدمة في الطائرات.
وتعتزم شركة «ريلاينس ديفينس ليميتد» استخدام ساحة «درباني أمباني بارك» الموجود بقرية البضائع بمطار نجبور في إطار خططها الصناعية المقبلة.
كذلك دخلت شركة «إم بي دي أيه» لأنظمة الصواريخ في شراكة مع شركة «إنديان لارسن وتربو» لتصميم وتصنيع وتوريد الصواريخ وأنظمة الصواريخ.
وأسست شركة «إيرباص» الأوروبية شركة مشتركة مع «تاتا أدفانسد سيستمز» الهندية المحدودة لإنشاء خط تجميع نهائي لطائرات نقل الجنود «سي 295 دابليو» في الهند. ودخلت «إيرباص» أيضاً في شراكة مع «ماهيندرا ديفينس» الهندية لتصنيع المروحيات العسكرية. وتهدف المجموعة إلى جعل الهند كعبة عالمية لتصنيع مروحيات «إيه إس 565 بانثر» للأسواق المحلية والدولية على حد سواء.

الصفقات البريطانية
وفي توقيت متزامن، أسست شركتا «سيكا إيروسبيس أند ديفينس إنديا» الهندية و«يروتوك أفيشن انجنيرينغ المتحدة» البريطانية شركة مشتركة تحت اسم «إيروتيك سيكا أفيشن انجنييرنغ» ومقرها الهند.
وتأسست الشركة المشتركة في إطار مبادرة «اصنع في الهند» بغرض تصنيع وصيانة وإصلاح ميكانيكا الطائرات.
تأسست «أيروتيك سيكا» كشركة مثيلة للشركة الأم في بريطانيا، سواء فيما يخص المرافق أو العمليات وفق المقاييس العالمية.
كذلك وقعت شركة «ثالس يو كيه» العالمية العاملة في مجال الطيران والنقل والدفاع والأمن، مذكرة تفاهم مع شركة «إنديان بهرات ديناميكس المحدودة» لنقل تكنولوجيا صناعة أنظمة صواريخ أرض جو «ستار ستريك» المحمولة والمستخدمة في جيش المملكة المتحدة حالياً، وتنتج عددا من الأنظمة الدفاعية في عدد من دول العالم.
وفي وقت متزامن، أعلن عملاقة إنتاج المحركات البريطانية «رولز رويس» عن افتتاح أول مركز خدمه لها في الهند لتوفير الدعم المتطور لنحو 750 محركا مستخدما في طائرات الجيش الهندي.
ومن المتوقع أن تستضيف مدينة بنغلارو مقر الشركة، تحديداً منطقة «منياتا تكنكال بارك»، لتوفير الدعم الفني والهندسي المطلوب لسلاحي الطيران والأسطول البحري الهندي.

الصفقات الروسية
شكلت روسيا لعقود طويلة العمود الفقري لجيش الدفاع الهندي، بيد أن بعض الخلافات حدثت بين الدولتين بسبب ميل الهند للغرب والولايات المتحدة مؤخراً، فيما يخص احتياجاتها الدفاعية.
ويعمل الجانبان حالياً على عقد صفقات تحت شعار «اصنع في الهند».
وتنتج شركة «هندوستان ايؤروناتكيس ليميتد» حاليا طائرات مناورة مقاتلة من طراز «سو 30 إم كي أي» بمقتضى ترخيص من شركة سوخوي الروسية.
بالإضافة إلى ذلك، وقعت الهند وروسيا اتفاقاً للمشاركة في تصنيع 200 مروحية طراز كي «إيه 226 تي» لصالح الجيش الهندي.



أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.