سلطات الاحتلال الإسرائيلي تفرض «الموت البطيء» على مرضى السرطان في غزة

تعتقلهم ومرافقيهم في معبر بيت حانون وتعرضهم للمضايقة والابتزاز الأمني

طبيب بملابس مهرج يرفّه عن طفلة مريضة في قسم الكلى في مستشفى الرنتيسي للأطفال في غزة (غيتي)
طبيب بملابس مهرج يرفّه عن طفلة مريضة في قسم الكلى في مستشفى الرنتيسي للأطفال في غزة (غيتي)
TT

سلطات الاحتلال الإسرائيلي تفرض «الموت البطيء» على مرضى السرطان في غزة

طبيب بملابس مهرج يرفّه عن طفلة مريضة في قسم الكلى في مستشفى الرنتيسي للأطفال في غزة (غيتي)
طبيب بملابس مهرج يرفّه عن طفلة مريضة في قسم الكلى في مستشفى الرنتيسي للأطفال في غزة (غيتي)

تعاني «أم نافذ» (54 عاما) من سكان مدينة خان يونس، جنوب وسط قطاع غزة، الكثير من الألم والمشقة والمعاناة الجسدية، منذ إصابتها نتيجة بمرض السرطان، قبل عامين، واكتشف متأخرا وقد بلغ مراحل متقدمة وخطيرة، ما يجعلها عرضة للموت في أي وقت.
وقد حاولت أم نافذ الخروج من قطاع غزة، خلال العامين الماضيين، للعلاج في مستشفيات إسرائيلية، إلا أنها كانت تصطدم في كل مرة، بالمنع لأسباب، يقول ضباط جهاز المخابرات الإسرائيلية، في معبر بيت حانون «إيرز»، إنها أمنية. وكانت آخر مرة قدمت فيها «أم نافذ» طلبا للحصول على تصريح خروج إلى المستشفيات الإسرائيلية، قبل أقل من عشرة أيام، حيث قضت 6 ساعات تتنقل بين صالة الانتظار تارة، وغرفة ضابط المخابرات الإسرائيلية تارة أخرى، متمسكة ببصيص من الأمل، في أن يسمح لها بمغادرة قطاع غزة، للخضوع للعلاج، على أمل أن تكون رحلتها هذه المرة، بداية مرحلة شفاء جديدة، تقضي على مرضها.
وتتعمد السلطات الإسرائيلية، منع إصدار أي تصاريح للمرضى من غزة، قبل أن تستدعيهم لمقابلة في معبر بيت حانون، في حين كانت تمنح مثل هذه التصاريح، وتعطي الموافقة على التوجه إلى الضفة الغربية أو غيرها، بعد تدقيق أمني تجريه من دون حاجة إلى مقابلة المرضى أو استجوابهم من قبل ضابط المخابرات الإسرائيلية.
وحاولت أم نافذ، التي فضلت عدم ذكر اسمها، لأسباب تتعلق بإمكانية رفض الاحتلال، بشكل نهائي، السماح لها بتقديم أي طلب لتصريح، فيما لو أعطت تصريحات إعلامية، الخروج بتحويلة طبية إلى مصر لتلقي العلاج، إلا أن الأطباء في غزة نصحوها بالعلاج في المستشفيات الإسرائيلية بسبب تطور مراحل المرض.
وأشارت إلى أنها قدمت، خلال العامين الأخيرين، 10 طلبات للحصول على تصريح أمني للذهاب إلى أحد المستشفيات للعلاج، إلا أن غالبية هذه الطلبات، رفضت مبكرا، ولكن سمح لها بمقابلة ضباط المخابرات، الذين كانوا يحاولون ابتزازها لتقديم معلومات عن أقارب لها، ينتمون لفصائل المقاومة الفلسطينية. ومع نفيها أي علاقة بهم ورفضها لتقديم أي معلومات، كان يُطلب منها العودة إلى القطاع وتحرم من السفر، كما قالت لـ«الشرق الأوسط».
ووفقا لمؤسسة «أطباء من أجل حقوق الإنسان» التي تساعد المرضى في غزة، فقد حصلت خلال عام 2016، زيادة في حالات منع المرضى من الحصول على تصاريح الانتقال للمستشفيات بالضفة أو القدس أو تل أبيب. وأن تلك الزيادة بلغت 44 في المائة مقارنة بالعام الذي سبقها.
وقالت المؤسسة، إن 69 طلبا تمّ رفضها خلال 2016، مقابل 48 في عام 2015 و23 في 2014.
وتقول أم نافذ لـ«الشرق الأوسط»، إنها تعرضت لوعكة صحية خفيفة، تسببت في كشف مرض السرطان لديها، ما شكل لها صدمة نفسية كبيرة، استمرت أسابيع، استطاعت التغلب عليها بمساعدة زوجها وأبنائها.
وأضاف: «لن أخضع لمحاولات الابتزاز الإسرائيلية، وسأستمر في تقديم طلبات الحصول على تصريح أمني، إلى أن أنجح في تحقيق مرادي، على أمل أن أخضع للعلاج الذي قد يكون لي فيه الأمل الأخير في مواجهة المرض الذي بات ينهش جسدي».
وبحسب إحصائية رسمية صدرت نهاية عام 2016 فقد وصل معدل الإصابة بالسرطان بين الفلسطينيين، إلى 83.9 حالة جديدة لكل مائة ألف نسمة من السكان في قطاع غزة، و83.8 حالة جديدة لكل مائة ألف نسمة من السكان في الضفة الغربية. وبحسب الإحصائية عينها، فإن 52.5 في المائة من حالات السرطان الجديدة، المسجلة لدى الفلسطينيين، هي بين الإناث، و47.5 في المائة بين الذكور.
ويسجل في قطاع غزة أسبوعيا، 12 حالة سرطان على الأقل، حيث شهد قطاع غزة عام 2016 زيادة بنسبة 30 في المائة في عدد الإصابات عن العام الذي سبقه، وفقا لإحصائية صادرة عن مركز العون والأمل لرعاية مرضى السرطان.
ويرجع مختصون ارتفاع عدد الإصابات في غزة، إلى الظروف البيئية وإلى المواد المستخدمة في الأغذية، خصوصا الخضراوات التي تزرع في أراضٍ تعرضت للحروب ولمواد مشعة، حيث تتهم مؤسسات دولية قوات الاحتلال الإسرائيلي باستخدام مواد خطيرة خلال حروبها المتكررة على قطاع غزة.
وتعاني «أم فضل» (41 عاما)، كثيرا من سياسات الاحتلال ومنعها من السفر عبر معبر بيت حانون «إيرز». وقد أبلغت «الشرق الأوسط»، أنها تنتظر ساعات طويلة في غرف التحقيق وخارجها، أثناء المقابلات مع ضباط المخابرات الإسرائيلية، الذين يحاولون ابتزازها للحصول على معلومات، مقابل الموافقة لها على تصريح الذهاب للعلاج. وتقول بلكنة يغلب عليها الوجع والألم: «يحاولون قتلنا بالموت البطيء... يريدون منا إما أن نموت هنا، وإما نكون عملاء لهم». مشيرة إلى أن ضباط المخابرات، يمارسون ضغوطا نفسية هائلة على المرضى خلال المقابلات الأمنية.
وأشارت أم فضل، إلى أن ضباط الاحتلال، يتعمدون إجبار المرضى والمرافقين لهم، على خلع ملابسهم قبل الوصول إلى البوابات، ولا يسمحون لأحد بالاقتراب منهم، قبل خلع ملابسه بشكل شبه كامل، في محاولة لإذلاله.
ولفتت أم فضل، إلى أن الاحتلال يماطل في السماح لها بالخروج من غزة للعلاج، مضيفة أن «الاحتلال لا يقتلنا فقط بأسلحته وصواريخه، إنما يتعمد قتلنا أيضا بالأمراض».
وتشير وزارة الصحة في قطاع غزة، إلى أن 60 في المائة من المرضى الذين يتم إرجاعهم من معبر بيت حانون، هم من مرضى السرطان. مشيرة إلى أن الاحتلال، اعتقل خلال العام الماضي، 4 من المرض، و5 من بين مرافقيهم، وماطل في إعطاء تصاريح العبور لـ67 مريضا.
ومن المشاكل التي تواجه مرضى السرطان في قطاع غزة، نقص بعض أنواع العلاج الكيماوي والعلاج المساعد في رفع مستوى المناعة، وفي عدم وجود مسح ذري وعلاج إشعاعي، وعدم وجود قدرة على عمل «صورة كومبيوتر بالصبغة الدالة على الأورام»، وعدم وجود غرف عزل خاصة للمرضى، لانخفاض مناعتهم نتيجة العلاج الكيماوي، والنقص في التمريض، ونقص عدد الأطباء أصحاب الاختصاص في مجال الأورام.
ووفقا لإحصاءات حصلت عليها «الشرق الأوسط»، من مركز الميزان لحقوق الإنسان، فإن 10 مرضى فلسطينيين توفوا في مستشفيات الضفة وإسرائيل، نظرا لتردي أوضاعهم الصحية، نتيجة إعاقة وصولهم للمشافي في الوقت المناسب، بسبب إجراءات الاحتلال على حاجز «إيرز»، ونقص الإمكانيات الطبية في غزة.
ورصد المركز اعتقال قوات الاحتلال لـ34 من المرضى داخل المعبر، واعتقال 16 من مرافقيهم، وطلبت مخابرات الاحتلال، مقابلة 2222 مريضاً، خلال السنوات الست الماضية.
وتطال الإجراءات العقابية مرافقي المرضى، حيث تشترط قوات الاحتلال، إجراءات عدة خلال عملية تنسيق مرور المرضى، من خلال معبر بيت حانون، من حيث المرافق وسنه وتاريخ تقديم الطلب والفحص الأمني، وجميعها تفضي إلى عرقلة عملية وصول المرضى إلى مستشفياتهم.
فيما دعا برنامج العون والأمل لرعاية مرضى السرطان، في قطاع غزة، وزارة الشؤون المدنية لوضع قضية تصاريح المرضى على رأس أولوياتها، بصفتها الجهة المخولة بضمان هذا الحق لهم، والضغط على الجانب الإسرائيلي في هذا الاتجاه، ووقف العمل معه في حال لم يستجيب لمطالبهم بتسهيل سفر المرضى للعلاج.
وطالب البرنامج وزارة الصحة في حال الرفض للعلاج داخل مشافي الخط الأخضر، والسفر إلى الأردن، عمل خطة طوارئ بديلة لحل هذه المشكلة الدائمة، وإنقاذ حياة المرضى، وتوفير الأدوية والجرعات داخل غزة، وتخفيف معاناة الممنوعين من السفر.
وكان حسام زملط، مستشار الرئيس الفلسطيني للشؤون الاستراتيجية، قال أول من أمس، إن إسرائيل ترتكب جريمة إنسانية تفوق جريمة الحرب بحق مرضى السرطان في قطاع غزة.
ودعا زملط، المجتمع الدولي للتدخل، ووضع حد لهذه الجرائم التي ترتكب بحق فئة أنهكها المرض.
وحذر من الابتزاز الذي يتعرض له المرضى وذووهم خلال سعيهم لتلقي العلاج أثناء المرور عبر معابر الاحتلال الإسرائيلي، مشددا على ضرورة بناء قدرات المؤسسات التي تعنى بهذه الفئة، والمساهمة في النهوض بواقع مرضى السرطان، وتمكينهم من التعامل مع متطلبات الحيــاة، والمساهمة في تقديم الخدمة الصحية والتأهيلية والتعليمية لمرضى السرطان، وتمكين أسر مرضى السرطان وتعزيز صمودهم.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.