أنفاق الموت تخطف المزيد من حياة الغزيين

مصرع 3 منهم في نفق جديد... وعائلاتهم تقول إن ضيق الحال دفعهم إلى «مهنة الموت»

أنفاق الموت تخطف المزيد من حياة الغزيين
TT

أنفاق الموت تخطف المزيد من حياة الغزيين

أنفاق الموت تخطف المزيد من حياة الغزيين

تلقت عائلة الصوفي التي تقطن في مدينة رفح جنوب قطاع غزة الصدمة الثانية لها في غضون أسبوعين بعد مصرع أحد أبنائها فجر السبت، في نفق تجاري على الحدود بين القطاع ومصر إلى جانب عاملين آخرين، أحدهما تزوج منذ خمسة أشهر فقط وينتظر طفله البكر.
ولم تكد العائلة التي تعاني ظروفا اقتصادية صعبة كما حال غالبية السكان في قطاع غزة، تنسى جراحاتها بعد مصرع أحد شبابها في أحد الأنفاق منذ أسبوعين، حتى واجهت فاجعة جديدة بخسارة آخر مرة ثانية، أثناء عمله في نفق تجاري فجره الجيش المصري مساء الخميس الماضي على الحدود مع القطاع قبالة حي السلام في مدينة رفح.
وأعلن صباح السبت عن مصرع ثلاثة عمال جراء استنشاقهم مواد سامة ناتجة عن تفجير الجيش المصري للنفق الذي توجهوا لترميمه بعد عملية التدمير التي طالته، فيما أنقذت طواقم طبية وأمنية 12 عاملا آخرا كانوا بداخل النفق ذاته.
وقالت مصادر طبية فلسطينية إن الجثث تعود للعمال عبيد الصوفي (25 عاما)، وعبد الله النامولي (23 عاما)، وسلامة أبو شوشة (24عاما) وجميعهم من مدينة رفح المحاذية للحدود الفلسطينية مع جمهورية مصر العربية.
وتوفي منذ بداية العام الحالي 6 فلسطينيين في تلك الأنفاق، حيث لقوا مصرعهم جمعيا خلال شهر فبراير (شباط) الحالي، من بينهم عاملان قتلا جراء غارة جوية من طائرة مجهولة نفى الجيش الإسرائيلي علاقته بها، وهما حسام الصوفي (24 عاما) ومحمد الأقرع (38 عاما)، في دليل على محاولات إعادة الحياة للأنفاق بين غزة ومصر على الرغم من الحرب المصرية ضدها والاتفاق مع حماس كذلك.
وتعيش عائلة الصوفي حزنا شديدا بعد أن فقدت في غضون أسبوعين اثنين من أبنائها في تلك الأنفاق التي عادت للعمل مجددا بشكل جزئي، بعد توقف نحو عام، وباتت تجذب عشرات الشبان مؤخرا للعمل فيها لكسب قوت يومهم.
وقال خالد الصوفي لـ«الشرق الأوسط»، إن أبناء عمومته فقدوا حياتهم وهم يبحثون عن لقمة عيش يستطيعون توفيرها لأنفسهم ولعوائلهم التي تعيش ظروفا اقتصادية صعبة، مشيرا إلى أن غالبية الشبان يضطرون للعمل في تلك الأنفاق لتأمين احتياجات منازلهم ولعدم وجود عمل آخر يمكن أن يكسبوا منه قوت يومهم.
وأضاف: «إنهم مضطرون وكانوا يرون أيضا أنهم في مهمة إنسانية لإدخال مواد غذائية وتجارية مختلفة لسكان القطاع. لقد كانوا يخاطرون بأنفسهم من أجل أكثر من مليوني محاصر في غزة».
وأشار الصوفي (43 عاما) إلى أن غالبية التجار في قطاع غزة يعتمدون على الأنفاق في إدخال المواد الغذائية والتجارية المختلفة لغزة، لافتا إلى ما يعنيه هذا بالنسبة لمئات العائلات التي يعمل أبناؤها لدى هؤلاء التجار.
وقال: «توقف إدخال تلك المواد يعني انعدام حياتهم تماما كما كانت حياة أبناء عمومتي معدومة نتيجة الظروف الصعبة التي يعيشها القطاع وفرض إسرائيل حصارا خانقا».
ولم يكن المشهد أفضل حالا لدى عائلة الشاب عبد الله النامولي (23 عاما)، الذي كان منذ نحو خمسة أشهر فقط يحتفل أمام منزل عائلته في رفح بحفل زفافه.
وتتذكر زوجته كيف قضى ساعاته الأخيرة مع زوجته التي تنتظر ولادة طفله البكر قبل أن يغادر منزله إلى عمله بالأنفاق، ويقول ياسر النامولي أحد أعمام الشاب إن الظروف الصعبة التي يعيشها عبد الله وعائلته دفعته للعمل في الأنفاق لكسب المال كي يستطيع تأمين مصاريف عائلته ويؤمن مستقبل طفله الذي كان ينتظره على أحر من الجمر.
ويضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «حديثا بدأ عبد الله العمل في الأنفاق على أمل أن يكسب قوت يومه ويستطيع أن يؤسس عائلة ويكون له مستقبل زاهر، إلا أن الموت المقدر عاجله في شبابه وترك في عائلته غصة ستلقي بظلالها عليهم لأشهر وسنوات، خاصة زوجته التي كانت تأمل في أن تعيش معه أجمل لحظات استقبال طفلهم البكر».
وتابع: «الحصار أفقد الشباب كثيرا من الفرص للحصول على فرصة عمل أقل خطورة من العمل في الأنفاق، ولو وجدوا طريقة أخرى لكسب قوت يومهم لما خاطروا بحياتهم ومستقبلهم».
ودعا النامولي المسؤولين الفلسطينيين، خاصة في قطاع غزة، لتبني عوائل عمال الأنفاق بشكل كامل ورعايتهم وتقديم حياة كريمة لهم بعد أن فقدت عائلهم، مشددا على ضرورة توفير فرص عمل للشباب حتى لا يدفعوا بأنفسهم للموت لأجل العيش في حياة كريمة.
وأضاف: «الأوضاع الصعبة هي التي تدفع شبابنا للعمل في مهنة الموت».
وعلى الرغم من فقدان كثيرين داخل الأنفاق، لكن يبدو أن كثيرا من الشبان في غزة لا يجدون بديلا معقولا.
وتأتي هذه الحوادث في ظل حالة من التوافق بين مصر وحركة حماس في أعقاب الاجتماعات الأخيرة التي أظهرت تحسنا في العلاقات بين الجانبين نتج عنه اتفاق لضبط منطقة الحدود في ظل التقارير التي تتحدث عن إقدام متطرفين على التسلل من وإلى سيناء.
وشددت قوات أمن حماس مؤخرا من قبضتها الأمنية على الحدود بزيادة قواتها العسكرية وفرض رقابة دائمة لمنع أي عمليات تسلل من وإلى قطاع غزة، لكن ذلك لم يشمل الأنفاق التجارية.
وتتطلع حماس إلى استمرار عمل هذه الأنفاق لما تدره من أموال كذلك، لكن المصريين يواصلون الحرب على هذه الأنفاق.
ولجأ الفلسطينيون في عامي 2006 - 2007 لحفر آلاف الأنفاق التجارية بين قطاع غزة ومصر لمحاولة كسر الحصار الإسرائيلي الذي فرض آنذاك، وما زال يتواصل للعام الحادي عشر على التوالي ويشتد من حين إلى آخر.
واستغنى كثيرون في غزة بسبب هذه الأنفاق، قبل أن يبدأ الجيش المصري منذ يوليو (تموز) 2013 في أعقاب انتخاب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، حملة كبيرة لتدمير الأنفاق التجارية، حيث ضاعف في سبتمبر (أيلول) 2015 من إجراءاته بضخ مياه في تلك المنطقة ما أدى لإغراق المئات من تلك الأنفاق.
وفي عام 2016 لقي 8 عمال مصرعهم داخل تلك الأنفاق على إثر الإجراءات المصرية المتبعة على طول الحدود لمنع عمليات التهريب ووقف تسلل أي مسلحين.
وفي السابع من الشهر الحالي، أعلن الجيش المصري تدمير 6 أنفاق، قبل أن يعلن يوم الثلاثاء والخميس الماضيين عن تفجير أنفاق أخرى، أحدها نفق رئيسي يربط سيناء بغزة.
ومع تكرار الحوادث، استنكرت حركة حماس في بيان لها الإجراءات المصرية، وبخاصة الحادثة التي وقعت فجر السبت، وقالت إن العمال قضوا إثر قتلهم بالغاز أثناء بحثهم عن لقمة عيشهم، في ظل الحصار الخانق الذي يتعرض له سكان قطاع غزة.
وقالت الحركة في بيانها: «لا يوجد أي مبرر لاستمرار السلطات المصرية في استخدام مثل هذه الأساليب الخطيرة في التعامل مع سكان القطاع المحاصرين». داعية مصر إلى فتح معبر رفح بشكل دائم لإنهاء معاناة غزة وأهلها.
وأكدت الحركة حق الفلسطينيين في العيش بحرية وكرامة كباقي شعوب العالم... داعية المجتمع الدولي إلى التدخل لإنهاء هذا الحصار الظالم. كما جاء في نص البيان.



ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
TT

ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)

تفاقمت معاناة السكان في مناطق الساحل الغربي لليمن، عقب السيول الجارفة التي لم تتوقف عند إغراق القرى وتدمير المنازل، بل تسببت أيضاً في تحريك ألغام أرضية ومتفجرات خلّفها الحوثيون؛ مما ضاعف من حجم الكارثة الإنسانية ورفع مستوى المخاطر التي تهدد حياة المدنيين.

وارتفعت حصيلة الضحايا إلى 22 قتيلاً، بينهم أطفال ونساء، فيما تضرر أكثر من 430 منزلاً بين دمار كلي وجزئي، إضافة إلى خسائر واسعة في الأراضي الزراعية والبنية التحتية، في وقت لا تزال فيه فرق الإنقاذ والإغاثة تواصل جهودها وسط تحديات ميدانية معقدة.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن السيول التي اجتاحت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، دمّرت نحو 38 منزلاً بشكل كلي، وألحقت أضراراً جزئية بأكثر من 400 منزل، فضلاً عن نفوق نحو 460 رأساً من الماشية وفقدان نحو 600 أخرى، في ضربة موجعة لمصادر دخل السكان.

عشرات المساكن في المخا وموزع غرب اليمن دمرتها السيول (إعلام حكومي)

وامتدت الأضرار إلى مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، حيث جرفت السيول التربة والمحاصيل، كما تضررت الطرقات وشبكات المياه؛ مما أدى إلى عزل بعض القرى وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية إليها.

ووفق مصادر إغاثية، فإن معظم الضحايا سقطوا في مديرية المخا، خصوصاً بمنطقتي النجيبة والغرافي، فيما شهدت مناطق الهاملي والسفالية والمفرق في مديرية موزع أضراراً متفاوتة في الممتلكات والبنية التحتية.

كما لا يزال 5 أشخاص في عداد المفقودين، في حين أفاد سكان محليون بالعثور على جثتي طفلين جرفتهما السيول بمنطقة السبلة، في مشهد يعكس قسوة الكارثة وحجم الخسائر البشرية.

الخطر الأكبر

لم تقف تداعيات الكارثة عند حدود الدمار الذي خلفته السيول، بل كشفت عن تهديد أخطر تمثل في جرف الألغام الأرضية والعبوات الناسفة إلى مناطق مأهولة بالسكان؛ مما وضع حياة المدنيين أمام خطر مزدوج.

وأفاد سكان في مديرية المخا بالعثور على ألغام مضادة للدبابات جرفتها السيول من مناطق مرتفعة، بينها الكدحة ووادي رسيان، إضافة إلى عبوات ناسفة ظهرت في مناطق سكنية، منها عزلة الزهاري شمال المدينة.

وفي مديرية موزع، تكررت المشاهد ذاتها، حيث عُثر على ألغام من مخلفات الحوثيين في مناطق زراعية وسكنية، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة من استمرار تدفق هذه المتفجرات مع أي موجة أمطار جديدة.

ودفعت هذه التطورات الفرق الهندسية إلى التدخل العاجل، حيث باشرت عمليات مسح ميداني لتحديد مواقع الألغام وتأمين مسارات آمنة للسكان، في سباق مع الزمن لتجنب سقوط مزيد من الضحايا، خصوصاً مع عودة الأهالي إلى تفقد منازلهم ومزارعهم.

جهود إغاثية

في موازاة ذلك، كثّفت الجهات الحكومية و«خلية الأعمال الإنسانية في المقاومة الوطنية» من تحركاتها الميدانية، حيث سُيّرت قوافل إغاثية إلى المناطق المتضررة، شملت توزيع مواد غذائية وإيوائية ومياه نظيفة على الأسر المنكوبة.

وأعلنت الخلية استكمال عمليات حصر الأضرار وتحديد الأسر المتضررة، تمهيداً لتوسيع نطاق الاستجابة الإنسانية خلال الأيام المقبلة، في ظل الحاجة المتصاعدة للدعم، خصوصاً مع تضرر مصادر الدخل وغياب مقومات الحياة الأساسية.

كما واصلت فرق الأشغال العامة فتح الطرقات المتضررة، وإزالة مخلفات السيول، وإعادة توجيه مجاري المياه بعيداً عن التجمعات السكنية، في محاولة للحد من تفاقم الأضرار.

طارق صالح يلتقي عائلات ضحايا السيول في المخا (إعلام حكومي)

وفي السياق، زار عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، عدداً من المناطق المنكوبة في ريف المخا، واطّلع على حجم الخسائر، موجهاً بتكثيف الجهود الإغاثية وتقديم الدعم الطبي العاجل، إلى جانب الإسراع في إعادة تأهيل الطرق لضمان وصول المساعدات.

وخلال لقائه أهالي الضحايا، نقل صالح تعازي القيادة السياسية، مؤكداً أن التعامل مع تداعيات الكارثة يتطلب استجابة عاجلة وشاملة، تأخذ في الحسبان حجم التحديات، وفي مقدمتها خطر الألغام التي ما زالت تحصد أرواح المدنيين حتى بعد انحسار السيول.

Your Premium trial has ended


اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
TT

اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)

تواجه الأمم المتحدة اختباراً جديداً ومعقداً في اليمن، بعدما دعت المجتمع الدولي إلى توفير نحو 2.6 مليار دولار لتمويل خطة الاستجابة الإنسانية للعام الحالي، في وضع اقتصادي دولي محفوف بالمخاطر، بينما يزداد الوضع سوءاً في الداخل بعد أن وصلت أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

وظهرت في السنوات الماضية صعوبة تأمين التمويل الكامل لتلك الخطط، في ظلِّ تساؤلات عن قدرة ورغبة المجتمع الدولي في توفير هذا التمويل في ظل أزمات اقتصادية عالمية متلاحقة وتزاحم غير مسبوق للأزمات الإنسانية حول العالم، بينما تعتمد جهود مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الذي يقود خطط الاستجابة على تعهدات الدول المانحة.

وتقدر الوكالات الأممية أن نحو 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى شكل من أشكال الدعم الإنساني، بزيادة 2.8 مليون شخص عن العام الماضي، وبما نسبته نحو 14 في المائة، مما يعكس تدهوراً حاداً، مدفوعاً بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، وانهيار الخدمات الأساسية، والصدمات الاقتصادية.

يرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام للجنة اليمنية العليا للإغاثة (لجنة حكومية)، أن بلوغ الاحتياجات الإنسانية هذه المستويات، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية، ويؤكد أنه، ومع وصول نسبة تمويل خطة الاستجابة، حتى مارس (آذار) 2026، إلى قرابة 10 في المائة فقط، فإن الحل لا يكمن في مجرد حشد المليارات، بل في «استعادة الثقة».

عائلة يمنية مكونة من أم و7 أطفال نزحت من الحديدة إلى منطقة دار سعد في عدن (الأمم المتحدة)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن المانحين ورجال الأعمال يحتاجون لضمانات بأن مساهماتهم تذهب لمن يستحقها، بينما تسعى الحكومة، وبإسناد من تحالف دعم الشرعية، لتقديم هذا «النموذج الشفاف» كما يصفه.

وبيَّن بلفقيه أن العمل الإنساني عانى طويلاً من خلل في إدارة الأموال والبيانات، مما استوجب أن يرتكز النشاط الحكومي الحالي على إقرار آلية «النافذة الواحدة» والتي من خلالها يتم رفع الاحتياجات الحقيقية من واقع الميدان وبإشراف حكومي مباشر، لإنهاء العشوائية، وضمان التوزيع العادل للمساعدات، والسماح للبنك المركزي بالرقابة على التدفقات المالية، مما يدعم استقرار العملة الوطنية.

ويتحدث عاملون في المجال الإنساني عمّا بات يُعرف بـ«إرهاق المانحين»، حيث أصبح واضحاً بعد أكثر من عقد من الأزمة، تراجع رغبة بعض الحكومات عن تمويل أزمات طويلة الأمد تبدو بلا أفق سياسي قريب للحل.

أزمة تمويل تتكرر

في معظم الأعوام، لم تحصل الاستجابة الإنسانية في اليمن سوى على جزء من التمويل المطلوب، مما اضطر وكالات الإغاثة إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية والصحية أو خفض أعداد المستفيدين.

أكثر من 35 ألف يمني سيحصلون على مساعدات متنوعة بتمويل ياباني (الأمم المتحدة)

يتهم إيهاب القرشي، الباحث في الشأن الإنساني والاقتصادي اليمني، الأمم المتحدة بإدارة الملف الإغاثي والإنساني في اليمن بشكل كارثي، بعد أن حددت، خلال 14 عاماً ماضية، الاحتياجات الإنسانية وخطط الاستجابة بمبلغ 38.265 مليار دولار، ولم تحصل من المانحين حتى أواخر الشهر الحالي سوى على 21.571 مليار دولار، بما نسبته 59 في المائة.

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن أعلى معدل تمويل بلغ 75 في المائة في عام 2017، بينما كان أدنى معدل تمويل في عام 2024، والذي وصل إلى 17 في المائة، ولم يتجاوز في العام الماضي 54 في المائة، بينما لم يتم الحصول على أكثر من 9 في المائة خلال الفترة المنقضية من هذا العام.

ولا يتوقع القرشي أن يتجاوز تمويل خطة الاستجابة هذا العام بأكثر من 40 في المائة، إلى جانب تراجع تمويل المساعدات المباشرة لليمن في هذا الإطار الهام جداً ومع زيادة الاحتياجات.

ويتفق غالبية المراقبين للشأن الاقتصادي والإنساني في اليمن على أن التصعيد العسكري الأخير في المنطقة، وما يلقي من آثار على الاقتصاد العالمي ومضاعفة كلفة النقل والتأمين البحريين سيحد من إمكانية حصول الأمم المتحدة على تمويل لخططها الإغاثية في اليمن، وأيضاً حصول الحكومة نفسها على مساعدات مباشرة.

مفترق طرق إنساني

بحسب الخبراء، فإن تمويل الإغاثة في اليمن تأثَّر على مدى السنوات الماضية بمختلف الأزمات والحروب، بدءاً بجائحة «كورونا» التي عطلت الاقتصاد العالمي لوقت طويل، قبل أن تأتي الحرب الروسية - الأوكرانية لتتسبب بأزمات تموينية كبيرة على مستوى العالم.

وبينما ينتقد جمال بلفقيه، المسؤول الإغاثي اليمني، غياب التنظيم والرقابة الميدانية خلال الفترات الماضية من نشاط وجهود الأمم المتحدة ووكالاتها، مما أدَّى إلى فشل وصول المساعدات لكثير من مستحقيها، طالب بتنظيم العمل الإنساني وترتيب أولوياته لفتح آفاق جديدة تمكن من كسب ثقة رجال الأعمال والدول المانحة.

سوق في مدينة المكلا شرق اليمن حيث يعاني جميع سكان البلاد من تدهور القدرة الشرائية (أ.ف.ب)

وأكَّد أن الحكومة بصدد بناء أرضية مشتركة قوية مع القطاع الخاص والمجتمع الدولي للانتقال من مرحلة «تسكين الأزمة» إلى مرحلة «التعافي الاقتصادي الشامل».

وصرفت الأزمات الإنسانية الناتجة عن الحروب في عدة دول ومناطق في المنطقة والعالم كالسودان وغزة، أنظار الجهات الإغاثية عن الأزمة في اليمن.

ويحدِّد الباحث إيهاب القرشي مجموعة عوامل أدَّت لخفض التمويل خلال السنوات الماضية، مثل عدم تقدير الوضع الإنساني في اليمن بشكل واقعي، بسبب القصور الفني لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، وقصور أدوار وزارة التخطيط اليمنية، مما تسبب بالإعلان عن احتياجات غير حقيقة.

وإلى جانب ذلك، يجري تشتيت المخصصات وإهدارها كمصاريف تنفيذية وإدارية، بينما كانت الجماعة الحوثية تسيطر على المساعدات وتوجهها إلى ميزانية حروبها، وبشهادة الأمم المتحدة، بالإضافة إلى عدم الثقة بالمنظمات الإغاثية من قبل المانحين.

مساعدات دوائية قدمتها منظمة الصحة العالمية العام الماضي لعلاج الكوليرا في اليمن (الأمم المتحدة)

وتأتي أخيراً ممارسات التضييق والانتهاكات الحوثية ضد هذه المنظمات بعدما انتهت مصالح الجماعة مع الأمم المتحدة ووقف الولايات المتحدة تمويل الوكالة الأميركية للتنمية، وإنهاء تمويلها لخطط الاستجابة، وهي أكبر الدول المموِّلة لخطط الاستجابة.

ويواجه المجتمع الدولي اختباراً صعباً، فإما الاستجابة لنداءات التمويل ومنع تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، وإما ترك واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم تواجه خطر التفاقم في وقت تتزايد فيه الضغوط على منظومة العمل الإنساني العالمية.


إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
TT

إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)

ذكرت مصادر أمنية أن الدفاعات الجوية أسقطت طائرة مسيرة بالقرب ‌من ‌مقر ​إقامة ‌مسعود ⁠بارزاني، ​رئيس الحزب ⁠الديمقراطي الكردستاني في العراق، في أربيل.
وقالت ⁠مصادر أمنية لـ«رويترز» أمس السبت، ​إن ‌هجوما ‌بطائرة مسيرة استهدف منزل رئيس إقليم ‌كردستان العراق في واقعة تأتي ⁠في ⁠ظل استمرار تصاعد التوتر في شمال العراق.

وشهدت أربيل ليل السبت، نشاطاً مكثفاً للطائرات المسيّرة وعمليات اعتراض استمرَّت لساعات، حيث تمَّ إسقاط عدد من المسيَّرات في أثناء محاولتها استهداف القنصلية الأميركية وقواعد قريبة منها.

ونقل مراسلو وكالة أنباء «أسوشييتد برس» من المنطقة أصوات انفجارات متواصلة وقوية، مشيرين إلى رصد مسيّرة واحدة على الأقل تتجه نحو المنشآت الأميركية، في يوم شهد هجمات هي الأكثر ضراوة منذ اندلاع الحرب. وتواصل الميليشيات الموالية لإيران في العراق تصعيد هجماتها بالمسيّرات والصواريخ ضد القواعد الأميركية، ومن بينها تلك الموجودة في أربيل.

وأدانت واشنطن، في بيان، ما أسمتها «الهجمات الإرهابية الدنيئة» التي نفَّذتها الجماعات المسلحة الموالية لإيران، مؤكدة أنَّ الضربات التي استهدفت مقر رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في وقت سابق من يوم السبت، تمثل «اعتداء صريحاً على سيادة العراق واستقراره ووحدته».

وأسفر الهجوم عن أضرار مادية فقط، دون تسجيل إصابات، حيث كان المقر خالياً من الأشخاص لحظة استهدافه بالقصف.

إلى ذلك، أفادت مصادر أمنية ووسائل إعلام عراقية بأن مدناً ومناطق متفرقة من العراق تعرَّضت خلال الساعات الماضية، وصباح اليوم (الأحد) لهجمات بالطيران المسيّر والصواريخ.

وذكرت المصادر أن أحد مقار «الحشد الشعبي» في محافظة صلاح الدين تعرَّض لقصف بطائرة مسيّرة، وشوهدت سحب الدخان تغطي سماء المنطقة صباح اليوم، كما تعرَّض مطار الحليوة في أطراف قضاء طوز خرماتو، الذي يضم مقرات «للحشد الشعبي» بين محافظتَي كركوك وصلاح الدين لقصف بمسيّرة.

وأوضحت أن أحد مقار اللواء 41 لـ«الحشد الشعبي» في مدينة الموصل بمحافظة نينوى تعرَّض لهجوم بطائرة مسيّرة أميركية شمال بغداد.

وأعلنت خلية الإعلام الأمني في قيادة العمليات المشتركة العراقية، فجر اليوم، سقوط طائرة مسيّرة بشارع 42 في ساحة الواثق بحي الكرادة، دون وقوع إصابات.