فاتورة «البريكست» تشغل الرأي العام في بريطانيا

الغرامات في حدود 60 مليار يورو... وحكومة ماي لا تملك رفاهية الرفض

بريطانيا مطالبة بدفع فاتورة «البريكست» قبل الحديث عن مستقبل العلاقة مع دول الاتحاد (رويترز)
بريطانيا مطالبة بدفع فاتورة «البريكست» قبل الحديث عن مستقبل العلاقة مع دول الاتحاد (رويترز)
TT

فاتورة «البريكست» تشغل الرأي العام في بريطانيا

بريطانيا مطالبة بدفع فاتورة «البريكست» قبل الحديث عن مستقبل العلاقة مع دول الاتحاد (رويترز)
بريطانيا مطالبة بدفع فاتورة «البريكست» قبل الحديث عن مستقبل العلاقة مع دول الاتحاد (رويترز)

رغم المؤشرات الجيدة التي ظهرت قبل أيام قليلة عن حالة جيدة للاقتصاد البريطاني، تنافي التوقعات المتشائمة التي وضعها خبراء الاقتصاد عقب إعلان الناخبين في المملكة المتحدة عن اختيارهم الانفصال عن الاتحاد الأوروبي في منتصف العام الماضي، فإن الحديث الدائر هذه الأيام عن الأرقام المتوقعة كغرامة تسدد للاتحاد الأوروبي جراء الانفصال، بعيداً عن الخسائر الاقتصادية الأخرى، أصبحت الشغل الشاغل للأوساط المالية في بريطانيا والأوساط الأوروبية على حد سواء.
ورغم كثرة تداول الرقم «المقدر» في الأروقة الأوروبية منذ أكثر من أسبوعين، فإن المستشار النمساوي كريستيان كيرن، تناول الموضوع بما يعد الأول من نوعه لرئيس دولة أوروبية على المستوى الرسمي حول هذا الأمر.
وقال كيرن، وهو رجل أعمال نمساوي بارز أيضا، لوكالة بلومبيرغ أول من أمس إن «حسابات الاتحاد الأوروبي قدرت المبلغ الذي ينبغي على بريطانيا دفعه كتكلفة للانفصال بنحو 60 مليار يورو، وسيكون ذلك جزءًا من مفاوضات الخروج».
وفي الوقت ذاته، الذي أكد فيه كيرن على أنه لا ينبغي البحث عن «عقاب أوروبي» للبريطانيين، كمفهوم للرد على اختيارهم الانفصال، إلا أنه شدد على أن الفاتورة ستكون تحديا كبيرا أمام حكومة رئيسة الوزراء تريزا ماي، لأن دعاة الانفصال أقنعوا الناخبين البريطانيين أن الخروج من الاتحاد سيوفر لهم الكثير من الأموال... لكن الحقيقة هي عكس ذلك، مما سيتسبب في إحباط واسع.
ويتزامن ذلك مع تعليق وزير التجارة البريطاني ليام فوكس على ما يتداول بشأن تلك الفاتورة، بأنها أفكار «سخيفة». ورغم انتقاد فوكس، فإن غريغ سويفت، وهو متحدث باسم ماي، أوضح قبل أيام أن هناك حديثاً بالفعل عن مبلغ يدور حول 60 مليون يورو، وأنه سيكون جزءاً من المباحثات بين حكومته والاتحاد الأوروبي عقب تفعيل ماي للمادة 50 من معاهدة لشبونة، والتي تقول ماي إنها ستقوم بها في نهاية مارس (آذار) المقبل.
ويشير مراقبون إلى أن هذا المبلغ ليس بمثابة «غرامة»، بقدر ما هو تقدير لالتزامات بريطانيا المالية المتعددة خلال فترة عضويتها بالاتحاد الأوروبي، والتي تتضمن مستقطعات للتقاعد وحصصاً بالمشروعات الأوروبية، جانب منها متراكم على مدى أربعة عقود ظلت فيها بريطانيا عضوةً بالاتحاد، إلى جانب حصتها من الموازنة الأوروبية العامة.
وكان جان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية، قد صرح الثلاثاء الماضي أن عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لن تتم «بأسعار مخفضة»، وأنها ستكون «باهظة جدا». لكن من دون أن يحدد أرقاما لذلك. مشدداً على أنه ينبغي «على البريطانيين أن يعرفوا - وهم يعرفون أصلا - أن ذلك لن يتم بأسعار مخفضة أو بلا ثمن».
وقال يونكر: «ستكون مفاوضات صعبة جدا، وستستغرق سنوات للاتفاق على سبل الخروج، وعلى العلاقات المقبلة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي».. وأضاف أيضا: «على البريطانيين أن يحترموا التعهدات التي قطعوها عند الانضمام إلى الاتحاد. بالتالي ستكون الفاتورة باهظة الثمن إذا صح التعبير».
كما علق مارغاريتيس سكيناس، المتحدث باسم المفوضية الأوروبية، قائلا إن تسديد فاتورة «بريكست» عنصر أساسي في التفاوض على الانفصال، وفق الأصول.. مشيرا إلى أن العمل ما زال جاريا من أجل تحديد التكلفة النهائية.ويبدو أن هناك تزايدا مطردا في الأصوات الأوروبية الداعية إلى ضرورة تسديد المستحقات قبل الانفصال، إذ كانت جمهورية التشيك أحدث المنضمين إلى تلك الأصوات التي قادتها كل من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، في مطالبة بريطانيا بدفع «الفاتورة» قبل الحديث عن مستقبل العلاقة بين الجانبين. وذكرت صحيفة «غارديان» البريطانية الجمعة أن التشيك وقعت على مذكرة تدعم توجهات المفوضية الأوروبية.
وتصر فرنسا وألمانيا على وجوب تفعيل «طلاق باهظ الثمن»، وذلك من أجل حماية الاتحاد الأوروبي من تفكك محتمل إذا ما تم التساهل مع بريطانيا، إذ إن هناك دولا أخرى قد تفكر في المنهج ذاته، وعلى رأسها بولندا والمجر، بحسب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الفرنسي ورئيس الوزراء السابق جان بيير رافاران.
كما أن أحلام الانفصال بدأت في الرواج داخل فرنسا نفسها، مع صعود اليمين قبل الانتخابات المقبلة، وخصوصا من قبل أنصار المرشحة المحتملة مارين لوبان. إلى جانب مخاوف أخرى من اقتصادات أكثر هشاشة مثل اليونان، أو تلك التي تعاني صعوبات مثل إيطاليا... وهي أمور تستوجب الحزم والحسم في رأي كثير من قادة أوروبا؛ لمنع تفاقمها. ولا يبدو أن بريطانيا تمتلك رفاهية رفض دفع الغرامات المالية للاتحاد الأوروبي، إذ إن ذلك سيتسبب في خسائر أكثر فداحة من 60 مليار يورو. وهو أمر أكده إيفان روجرز، سفير بريطانيا السابق في بروكسل، الذي قال في تصريحات له قبل أسبوعين، إن «القادة الأوروبيين يعتقدون أن بريطانيا لا يمكنها أن تتجاهل مطالبهم المالية... إذ إن فشلها في إبرام اتفاق ناجح مع المجموعة الأوروبية سيكلفها خسائر اقتصادية أكبر بكثير مما تتوقع». كما أن روجرز تحدث عن الجانب الآخر من المعادلة، حيث قال إن «خروج بريطانيا سيؤثر سلبا على الموازنة السباعية للاتحاد الأوروبي، الأمر الذي سيكلف الدول الأوروبية الفقيرة تراجعا في ميزانياتها بمعدل 12 في المائة سنويا»، مضيفا أن دولا مثل ألمانيا وفرنسا ستضطر إلى دفع الفارق في الموازنة العامة.
محذرا رئيسة حكومته بأن «المملكة المتحدة يجب أن تكون مستعدة لتخوض أكبر وأعقد مفاوضات تعرفها البلاد منذ الحرب العالمية الثانية».



لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.