خامنئي يحذر حلفاءه الفلسطينيين من صراع داخلي

اشترط لعلاقة الفصائل بإيران {التمسك بالمقاومة}

جانب من الحضور في «مؤتمر دعم الانتفاضة» في طهران أمس، وبدا بري وشلح ونصر (وكالة تسنيم)
جانب من الحضور في «مؤتمر دعم الانتفاضة» في طهران أمس، وبدا بري وشلح ونصر (وكالة تسنيم)
TT

خامنئي يحذر حلفاءه الفلسطينيين من صراع داخلي

جانب من الحضور في «مؤتمر دعم الانتفاضة» في طهران أمس، وبدا بري وشلح ونصر (وكالة تسنيم)
جانب من الحضور في «مؤتمر دعم الانتفاضة» في طهران أمس، وبدا بري وشلح ونصر (وكالة تسنيم)

في وقت تشهد علاقات إيران والمجموعات الفلسطينية المقاومة تراجعا ملحوظا في السنوات القليلة الماضية بسبب دور إيران في سوريا والعراق واليمن والملفات الإقليمية الأخرى، وجه المرشد الإيراني علي خامنئي، أمس، تحذيرا إلى المنظمات الفلسطينية بشأن الموقف من «المقاومة»، معتبرا «الحروب الداخلية والفتن» في المنطقة تهدف إلى التراجع عن «مبدأ تحرير فلسطين» كما طالب الفلسطينيين بإدارة الخلافات قبل تحولها إلى مواجهة داخلية، وذلك في حين شن أمين عام حركة الجهاد الإسلامية هجوما على السلطة الفلسطينية من المكان نفسه، متهما إياها بـ«الندب على الاستيطان».
واعتبر خامنئي خلال افتتاحه مؤتمر «دعم انتفاضة الشعب الفلسطيني» أن مواقف إيران من القضية الفلسطينية «أصولية»، مشيرا إلى عمق علاقات المجموعات الفلسطينية مع إيران مقياسه «التزامها بأصل المقاومة» وقال خامنئي مخاطبا الفلسطينيين إن «أي مجموعة تترك راية المقاومة على الأرض من المؤكد ستنبثق مجموعة أخرى من الشعب الفلسطيني لحمل الراية». ومع ذلك، صرح خامنئي بأنه «لا يحق لأي طرف أن تكون له توقعات خاصة من المجموعات الفلسطينية»، نافيا أن يكون الدعم الإيراني منحصرا في جماعة خاصة.
وشدد خامنئي على أن أي مجموعة تحافظ على وجودها في مسار المقاومة، فإيران معها، وخلاف ذلك فإن ابتعادها عن المسار يعد بمثابة الابتعاد عن إيران. وطالب خامنئي المنظمات الفلسطينية بضرورة الابتعاد عن «الخلافات الطائفية والقومية والخلافات الداخلية في دول المنطقة».
والملاحظ أن خامنئي عاد من بوابة القضية الفلسطينية لتوجيه رسائل تتعلق بالدفاع عن دور بلاده في المنطقة، الذي يواجه معارضة واسعة بين عدد من الدول المنطقة خاصة خلال الأيام الأخيرة.
وعبر إخراجه مفهوم «المقاومة» من القضية الفلسطينية وتعميمه ضمنيا إلى التيار الذي تقود إيران في سوريا والعراق حاول خامنئي إنعاش الرهان الإيراني على القضية الفلسطينية في التأثير على الرأي العام في الدول الإسلامية.
في السياق ذلك، ذكر خامنئي أن مشروعات الرهان على «التسوية» أثبتت فشلها، واتهم أطرافا لم يذكرها بالاسم بالقيام بمعاملات سرية بهدف «تحريف مفهوم المقاومة»، وأطلق خامنئي وعودا بهزيمة إسرائيل عبر انتفاضة ثالثة تطلقها المقاومة.
بموازاة ذلك، أعرب خامنئي عن مخاوفه تجاه مستقبل العلاقات بين المجموعات الفلسطينية، مطالبا بإدارة الخلافات الداخلية بين المجموعات الفلسطينية قبل أن تحولها إلى صراع ومواجهات مباشرة.
انطلاقا من ذلك، انتقد خامنئي بحدة الأزمات في عدد من دول المنطقة، واعتبرها سببا في تراجع الدعم للقضية الفلسطينية وتحرير القدس. وحمل خامنئي الجهات التي وقفت وراء ظهور إسرائيل في المنطقة مسؤولية بالوقوف وراء «الفتن الأخرى في المنطقة»، على حد تعبيره.
نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، كشف عضو لجنة السياسة الخارجية والأمن القومي الإيراني حشمت الله فلاحت بيشه عن خلافات عميقة بين إيران وحماس حول الأزمة السورية، وقال فلاحت بيشه حينها في تصريح لصحيفة «قانون»: إن طهران غاضبة على الحركة الفلسطينية بسبب «تذبذب مواقف قادتها» من التطورات في سوريا. وخلال تلك التصريحات طلب فلاحت بيشه من حماس إعادة النظر في سياساتها «العدائية» تجاه سوريا قبل دخول علاقات الجانبين مرحلة اللاعودة، وتوجه طهران إلى تيارات فلسطينية أخرى بدلا من حماس.
ولوّح فلاحت بيشه حينها بقطع العلاقات مع حماس «إذا واصلت اتجاهها السياسي في عرقلة الأمور»، مشددا على أن إيران «ستفتح علاقات جديدة مع المجاميع الفلسطينية الأخرى، من دون إلحاق أضرار جدية بالمقاومة» وأضاف أنه «لا يرى في حركة حماس كلية المقاومة».
لكن تهديد خامنئي الضمني حول راية المقاومة يعيد إلى الأذهان بيان حركة حماس في يوليو (تموز) الماضي، ردت فيه رسميا على تصريحات صدرت من مستشار الحرس الثوري الإيراني العميد خسرو عروج. وعبر تلك التصريحات اتهمها بالسعي وراء التفاوض مع تل أبيب من بوابة أنقرة. وتوترت العلاقات بين حركة حماس وإيران خلال السنوات الأخيرة بسبب المواقف المتباينة بين الجانبين حول الأزمة الداخلية السورية وتشارك إيران قوات النظام، بينما تدعم الحركة جماعات من المعارضة السورية، وتقول طهران إن مواقفها في سوريا تأتي في سياق دعمها تيار «المقاومة» في المنطقة.
وقال خامنئي إن «إسرائيل ورم سرطاني لا بد من إزالته»، مضيفا أن «مشكلة التسوية ليست فقط في التنازل من حق شعب، وإنما المشروعية لإسرائيل، وهو خطأ كبير، ولا يمكن غفرانه، ولا يتناسب إطلاقا مع القضية الفلسطينية، ولا يأخذ الخصائص التوسعية والقمعية والحرص الإسرائيلي بعين الاعتبار». في السياق نفسه، انتقد خامنئي أميركا ودولا غربية على دعمها سياسات إسرائيل ضد الفلسطينيين، بما فيها اغتصاب الأراضي وبناء المستوطنات.
وشهد المؤتمر الذي يستغرق يومين مشاركة كبار المسؤولين الإيرانيين وحضور مجموعات فلسطينية، من ضمنها حركة الجهاد الإسلامي التي مثلها الأمين العام رمضان عبد الله، ووفد من حركة حماس يرأسه مسؤول العلاقات الخارجية في الحركة أسامة حمدان والقياديان سامي أبو زهري ومحمد نصر، وضم الوفد ممثل الحركة في طهران علي بركة، ومن لبنان شارك رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري ونائب أمين عام «حزب الله» اللبناني نعيم قاسم. وتزامن ذلك مع حضور الرئيس الإيراني حسن روحاني ورئيسي القضاء والبرلمان الإخوة صادق وعلي لاريجاني وقادة الحرس الثوري. وذكرت وكالة «تسنيم» التابعة للحرس الثوري الإيراني، أن 700 أجنبي من 80 دولة حضروا المؤتمر.
بدوره، قال الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي رمضان عبد الله شلح خلال كلمته في المؤتمر إنه «لا يخفى على أحد اليوم، أن الوضع الفلسطيني الراهن لا يسرُ صديقًا ولا يغيظ عدوًا»، مطالبا بضرورة «توحيد الجبهات في حال شن أي عدوان صهيوني واندلاع حرب على الجبهتين الجنوبية والشمالية لفلسطين، في ظل التهديد بحرب جديدة على غزة ولبنان».
ووجه شلح انتقادات إلى أطراف فلسطينية مشيرا إلى «الانتفاضة محاصرة ومطاردة، ليس من الاحتلال فقط، إنما من البيت الفلسطيني». وتعليقا على دعوات وحدة الفصائل الفلسطينية، قال: «نعم مع الوحدة وهي الطريق نحو التحرير واستعادة الحقوق، ولكن لا يمكن ذلك دون التحرير من تبيعات أوسلو، فكلنا يعرف من زرع إسرائيل، ونحن نراهن على قوتنا الذاتية، وعلى احتضان أمتنا».
وهاجم شلح من طهران السلطة الفلسطينية بقوله إن «ندب السلطة حول الاستيطان لا معنى ولا قيمة له، كيف سنواجه الاستيطان دولة الرئيس بسلطة تحرس الاحتلال، لقد سقط الوهم ووصل خيار التسوية إلى مراحله النهائية، كما سقط برنامج الحد الأدنى لمنظمة التحرير» وفق ما نقلت عنه وكالة «تسنيم» الإيرانية.
من جهته، اعتبر القيادي في حركة حماس سامي أبو زهري، أن مؤتمر طهران «فرصة لأحياء القضية الفلسطينية في ظل انشغال دول المنطقة بالأزمات الداخلية»، لافتا إلى تأكيد حماس على الوحدة الإسلامية ودعم القضية الفلسطينية في هذا المؤتمر.
على الصعيد نفسه، قال رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، إنه «يجب أن نقتنع بألا أحدا في إسرائيل يريد حلا سياسيا، والممارسات الاحتلالية اليومية تؤشر وتؤكد ذلك، ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس أمر يشجع إسرائيل على المزيد من القرارات الاستباقية».
وتابع بري «إن القرارات الاستيطانية (الإسرائيلية) المتصاعدة تعبير عن أعلى درجات إرهاب الدولة، والاستخفاف بالرأي العام الدولي»، مضيفا: «إن إسرائيل تسعى اليوم إلى كسب الوقت لتطوير اتفاق الهدنة، وليس لرفع الحصار عن غزة».
ودعا بري إلى «استعداد عربي - إسلامي لرد يتمثل بإغلاق السفارات في واشنطن؛ إذ إن سفاراتنا لا تفعل شيئا هناك سوى تلقي الأوامر الأميركية»، معتبرا «أن الوحدة الفلسطينية تتطلب تنازلات من جميع الفصائل»، وقال بري «حان وقت أن نجتمع ونحقق العدالة للفلسطينيين، فعلى القاصي والداني أن يعلم أن إشعال الحرب في الشرق الأوسط يبدأ من فلسطين وينتهي بها».



حرب إيران تعمّق نزيف الذخائر الأميركية والجاهزية أمام الكبار

نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
TT

حرب إيران تعمّق نزيف الذخائر الأميركية والجاهزية أمام الكبار

نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)

تتناول تقارير أميركية حديثة استنزاف مخزونات الذخائر في الحرب مع إيران؛ ما قد يؤدي إلى معضلة أكبر من مجرد حسابات عسكرية آنية في الشرق الأوسط. فالمسألة لم تعد محصورة في قدرة الولايات المتحدة على مواصلة حملة جوية وصاروخية مكثفة ضد إيران، بل باتت تتصل مباشرة بجاهزية الجيش الأميركي لمواجهة طارئة في مسارح أخرى، خصوصاً في غرب المحيط الهادئ إذا قررت الصين التحرك ضد تايوان، أو في أوروبا إذا تصاعد التهديد الروسي.

وفي خلفية هذا النقاش، يبرز سؤال سياسي لا يقل حساسية، وفق ما يطرحه محللون، وهو: هل تعكس التسريبات قلقاً حقيقياً داخل المؤسسة العسكرية، أم أنها تتحول أيضاً أداةَ ضغطٍ على الكونغرس لتمرير ميزانية دفاعية ضخمة وطلب تمويل إضافي للحرب؟

وتستند هذه المخاوف إلى تقارير نشرتها صحف أميركية عدة، إضافة إلى تقديرات من مركز دراسات استراتيجية ودولية، تشير إلى أن الحرب مع إيران استهلكت كميات كبيرة من الصواريخ بعيدة المدى واعتراضات دفاعية باهظة التكلفة.

وعلى سبيل المثال، تحدثت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن إطلاق أكثر من ألف صاروخ «توماهوك» وما بين 1500 و2000 صاروخ دفاع جوي اعتراضي، بينها «ثاد» و«باتريوت» و«ستاندرد»، مع تقديرات بأن تعويض بعض المخزونات بالكامل قد يستغرق حتى ست سنوات.

أما صحيفة «نيويورك تايمز»، فأشارت إلى استخدام نحو 1100 صاروخ «جاسم - إي آر» وأكثر من 1200 صاروخ «باتريوت»، فضلاً عن أكثر من ألف صاروخ أرضي من طرازات دقيقة؛ ما جعل المخزون العالمي الأميركي تحت ضغط شديد.

مخزون يتآكل سريعاً

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث ورئيس أركان القوات المشتركة الجنرال دان كاين خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون 24 أبريل (أ.ف.ب)

وتكمن خطورة هذه الأرقام في أن كثيراً من الذخائر المستهلكة ليست من النوع الذي يمكن استبداله سريعاً. فصواريخ «توماهوك» و«جاسم - إي آر» و«باتريوت» و«ثاد» ليست ذخائر عادية، بل هي جزء من العدة الأساسية لأي مواجهة مع قوة كبرى، خصوصاً في بيئة بحرية وجوية معقدة كالتي يتوقعها المخططون الأميركيون في حال نشوب حرب حول تايوان مثلاً. لذلك؛ لا يقاس الاستنزاف بعدد الصواريخ وحده، بل بموقع هذه الصواريخ داخل خطط الحرب الأميركية.

وتشير «وول ستريت جورنال» إلى أن بعض المسؤولين في الإدارة باتوا يقدّرون أن الولايات المتحدة قد لا تستطيع، في المدى القريب، تنفيذ خطط الدفاع عن تايوان بالكامل إذا وقع غزو صيني مفاجئ.

ويكمن جوهر القلق في أن الحرب مع إيران استهلكت ذخائر كان يُفترض أن تبقى جزءاً من «مخزون الردع» في آسيا. فالصين، بخلاف إيران، تملك قوة صاروخية وبحرية وجوية ضخمة، وتستند عقيدتها العسكرية في أي حرب محتملة إلى منع القوات الأميركية من الاقتراب، عبر كثافة نيران وصواريخ مضادة للسفن والطائرات.

في مثل هذا السيناريو، تصبح الاعتراضات الدفاعية والصواريخ البعيدة المدى سلعة استراتيجية لا يمكن تعويض نقصها بمجرد نقل وحدات أو حاملات إضافية.

تايوان وحرب إيران

تجربة صاروخ باليستي لكوريا الشمالية في موقع غير محدد 19 أبريل (أ.ف.ب)

من جانبها، تؤكد الإدارة الأميركية أن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة أصبحت عاجزة عن خوض حرب كبرى. فالبيت الأبيض نفى بشدة خلاصات التقارير التي تتحدث عن ضعف القدرة العسكرية؛ إذ قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، إن فرضية النقص «خاطئة»، مؤكدة أن الولايات المتحدة تملك أقوى جيش في العالم ومخزونات كافية لتنفيذ أي عملية يوجه بها الرئيس.

وقال أيضاً المتحدث باسم وزارة الحرب (البنتاغون) شون بارنيل، إن الجيش يملك ما يحتاج إليه لتنفيذ المهمة في الزمان والمكان اللذين يختارهما الرئيس.

لكن النفي السياسي لا يلغي جوهر المشكلة العملياتية. فقائد القوات الأميركية في المحيطين الهندي والهادئ، الأدميرال صامويل بابارو، حاول خلال شهادته في الكونغرس، الموازنة بين دعم العمليات الجارية في الشرق الأوسط والطمأنة إلى أن الردع ضد الصين لم يتضرر. غير أنه أقرّ ضمناً بوجود حدود في «المخزن»، وهي عبارة تحمل دلالة مهمة في النقاش العسكري الأميركي، مفادها أن القضية ليست فقدان القدرة، بل ارتفاع المخاطر إذا جاءت الأزمة التالية قبل إعادة ملء المخازن.

وتتعمق هذه المخاوف مع نقل منظومات وذخائر من آسيا وأوروبا إلى الشرق الأوسط. فالتقارير تتحدث عن إرسال رادارات من كوريا الجنوبية، وتحريك صواريخ اعتراضية من منظومة «ثاد»، وتحويل وحدات من مشاة البحرية من المحيط الهادئ إلى المنطقة.

كما سبقت ذلك إعادة توجيه حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» من بحر الصين الجنوبي إلى الشرق الأوسط.

هذه التحركات لا تعني انسحاباً أميركياً من آسيا، لكنها تمنح بكين مادة دعائية وسياسية للقول إن واشنطن مشتتة بين حروب متعددة، وإن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه الحلفاء ليست بلا حدود، وفق ما يقول عدد من المحللين.

امتحان الزمن والتكلفة

حاملة طائرات أميركية من طراز «نيميتز» خلال مناورات تدريبية في تشيلي 18 أبريل (رويترز)

تكشف الحرب مع إيران عن فجوة مزمنة في قاعدة التصنيع الدفاعي الأميركية. فقد اعتادت الولايات المتحدة على خوض حروب ضد خصوم أضعف بتكلفة عسكرية يمكن احتواؤها، لكنها تجد نفسها الآن أمام معادلة مختلفة، وهي استخدام ذخائر بملايين الدولارات لاعتراض صواريخ أو مسيّرات أرخص بكثير، أو لضرب أهداف كثيرة ومتفرقة في مسرح واسع.

وإذا صح أن تكلفة الحرب حتى الآن تراوح بين 25 و35 مليار دولار، حسب تقديرات نقلتها «نيويورك تايمز»، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بالنفقات، بل بوتيرة الاستهلاك مقارنة بوتيرة الإنتاج.

تقول بعض التقارير إن إنتاج «باتريوت» في عام كامل لا يعادل تقريباً نصف ما استُهلك في الحرب. وتضيف أن تعويض «توماهوك» و«ثاد» و«ستاندرد» قد يستغرق سنوات، حتى لو ضُخت أموال جديدة. فالمال يشتري العقود، لكنه لا يبني فوراً خطوط إنتاج ولا يؤمّن سلاسل توريد معقدة ولا يضاعف العمالة المتخصصة خلال أسابيع.

لهذا؛ يضغط «البنتاغون» على شركات مثل «لوكهيد مارتن» و«آر تي إكس» لزيادة الإنتاج، بل ويفتح قنوات مع شركات السيارات والمصانع المدنية لاختبار إمكان تحويل جزء من القدرة الصناعية الأميركية إلى نمط أقرب إلى «اقتصاد حرب».

غير أن هذا التحول يصطدم بواقع سياسي واقتصادي. فشركات الدفاع تريد عقوداً طويلة الأجل قبل توسيع مصانعها، والكونغرس يريد رقابة على التكلفة، والرأي العام قد لا يتقبل بسهولة إنفاقاً إضافياً ضخماً على حرب لا تزال نهايتها غير واضحة.

وبينما تطلب الإدارة ميزانية دفاعية تصل إلى 1.5 تريليون دولار، وتطرح في الوقت نفسه حاجة إلى تمويل إضافي بنحو 200 مليار دولار للحرب مع إيران، تصبح أرقام الذخائر جزءاً من معركة داخل واشنطن حول حجم الدولة الأمنية والعسكرية في عهد ترمب.

إنذار أم ضغط على الكونغرس؟

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

ويتفق المراقبون على أنه من الصعب فصل البعد العسكري عن البعد السياسي في توقيت هذه التقارير. فالتسريبات تخدم، من جهة، وظيفة إنذارية حقيقية: تنبيه صناع القرار إلى أن الحروب الإقليمية الطويلة قد تستهلك بسرعة ذخائر مخصصة أصلاً لمنافسة القوى الكبرى. لكنها، من جهة أخرى، تمنح «البنتاغون» وحلفاءه في الكونغرس حجة قوية لطلب اعتمادات إضافية، تحت عنوان أن عدم التمويل لا يهدد حملة إيران وحدها، بل يضعف الردع في تايوان وأوروبا وكوريا الجنوبية.

هنا تتبدى المفارقة في خطاب الإدارة. فترمب يقول إن لدى الولايات المتحدة إمدادات تكاد تكون «غير محدودة» من بعض الذخائر، بينما تطالب مؤسسته العسكرية بزيادة تاريخية في الإنفاق وتسريع الإنتاج.

وينفي البيت الأبيض أن تكون الجاهزية قد تضررت، لكنه يدفع في الوقت نفسه باتجاه استثمارات ضخمة في القاعدة الصناعية الدفاعية. هذه المفارقة ليست جديدة في السياسة الأميركية: الطمأنة مطلوبة للحلفاء والخصوم، أما التهويل المدروس فمفيد داخل الكونغرس.

الخلاصة، أن حرب إيران لا تختبر القوة الأميركية في الشرق الأوسط وحده، بل تختبر نموذج القوة الأميركية عالمياً. فإذا كانت واشنطن قادرة على ضرب آلاف الأهداف، فإن السؤال الأعمق هو: كم مرة تستطيع أن تفعل ذلك، وفي كم مسرح، وبأي تكلفة، ومن دون أن تفتح نافذة إغراء أمام خصومها؟ تلك هي المعضلة التي تجعل نقص الذخائر قضية استراتيجية لا لوجستية فحسب.


نتنياهو يعلن خضوعه لاستئصال «ورم خبيث» صغير من البروستاتا

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

نتنياهو يعلن خضوعه لاستئصال «ورم خبيث» صغير من البروستاتا

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو (رويترز)

أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الجمعة أنه خضع لاستئصال «ورم خبيث في مرحلة مبكرة» من البروستاتا، وذلك في إطار نشر تقريره الصحي السنوي.

وفي منشور على منصة «إكس»، أوضح نتنياهو (76 عاما) الذي يخضع لمتابعة طبية منذ عملية في البروستاتا قبل نحو عام ونصف العام، أنه «خلال الفحص الأخير، تم العثور على كتلة صغيرة لا يتجاوز حجمها سنتيمترا واحدا في البروستاتا. وأكدت الفحوص أنها ورم خبيث في مرحلة مبكرة، من دون انتشار».

ولم يحدّد موعد العملية، لكنه أشار إلى «علاج موجّه أتاح إزالة المشكلة من دون أن يترك أثرا». وأضاف أنه أرجأ نشر تقريره الصحي السنوي «لمدة شهرين» لتجنّب صدوره خلال الحرب مع إيران التي اندلعت أواخر فبراير (شباط)، وكذلك لتفادي ما وصفه بـ«الدعاية المضللة» التي قد تستغلها طهران.

ومنذ عودته إلى السلطة في (كانون الأول) 2022، أُدخل نتنياهو إلى المستشفى مرات عدة، بينها لإجراء تنظير قولون روتيني في مايو (أيار) 2025، وفق مكتبه. وفي يوليو (تموز) 2023، أي قبل أقل من ثلاثة أشهر على هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر (تشرين الأول) وبداية الحرب في غزة، خضع لزرع جهاز لتنظيم ضربات القلب.

كما أُجريت له عملية جراحية بسبب فتق في مارس (آذار) 2024.


تركيا: السفير الأميركي يدافع عن تصريحات أثارت غضب المعارضة

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك أثار غضباً لدى المعارضة التركية وانتقادات أميركية بسبب تصريحات في منتدى «أنطاليا الدبلوماسي» (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك أثار غضباً لدى المعارضة التركية وانتقادات أميركية بسبب تصريحات في منتدى «أنطاليا الدبلوماسي» (أ.ف.ب)
TT

تركيا: السفير الأميركي يدافع عن تصريحات أثارت غضب المعارضة

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك أثار غضباً لدى المعارضة التركية وانتقادات أميركية بسبب تصريحات في منتدى «أنطاليا الدبلوماسي» (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك أثار غضباً لدى المعارضة التركية وانتقادات أميركية بسبب تصريحات في منتدى «أنطاليا الدبلوماسي» (أ.ف.ب)

قدم السفير الأميركي لدى تركيا توم براك توضيحات لتصريحات مثيرة للجدل أدلى بها الأسبوع الماضي، دفعت المعارضة إلى المطالبة بإعلانه «شخصاً غير مرغوب فيه».

ودافع براك عن تصريحاته، التي أدلى بها خلال «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» بجنوب تركيا في 18 أبريل (نيسان) الحالي، والتي قال فيها إن «الأنظمة ذات القيادة القوية» فقط هي التي نجحت في الشرق الأوسط، إنْ الأنظمة الملكية المستنيرة أو نوع من الجمهوريات الملكية، وما عدا ذلك تلاشى واختفى بعد الربيع العربي.

واستخدم أيضاً عبارة «الدول التي تتستر برداء الديمقراطية والتي نستهدفها بحجة حقوق الإنسان»، والتي قال إنها فشلت أيضاً، لافتاً إلى أنه يعلم أنه سيتعرض للانتقاد لقوله هذا؛ لأنه سيُعدّ مناهضاً للديمقراطية.

هجوم من المعارضة التركية

وفي رد مكتوب على أسئلة من «فوكس نيوز ديجيتال»، نقلته وسائل إعلام تركية، الجمعة، قال براك إننا «نؤمن بالسلام من خلال القوة، والتقييم الصادق للحقائق، والنتائج التي تحمي مصالح الولايات المتحدة دون جرها إلى حروب لا نهاية لها».

براك متحدثاً خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» في 18 أبريل (إعلام تركي)

وأضاف: «إنني عندما قلت إن الحكومات الوحيدة التي استطاعت البقاء في الشرق الأوسط هي الأنظمة الملكية ذات القيادة القوية، لم أكن أتحدث من منطلق آيديولوجي، بل من واقع عقود من الملاحظة الدقيقة».

وتابع براك، موضحاً وجهة نظره، قائلاً إن الدول التي تبنت ديمقراطيات على النمط الغربي بعد انتفاضات «الربيع العربي»، سقطت في الغالب في براثن «الفوضى والحرب الأهلية وأشكال جديدة من الاستبداد».

ولفت إلى أنه، في المقابل، فإن الحكومات «التي تركز على النتائج»، كتلك الموجودة في دول الخليج، التي تحكمها الملكيات، قد ازدهرت. وضرب براك مثلاً بتركيا وإسرائيل على الدول التي تنمو تحت قيادة «قادة أقوياء»، مشيراً إلى أنهما أحرزا تقدماً رغم الانتقادات الموجهة إليهما بشأن القيم الديمقراطية.

أشاد براك بـ«القيادة القوية» لإردوغان لتركيا (الرئاسة التركية)

وواصل براك: «تُظهر تركيا، التي يحكمها نظام جمهوري رئاسي مع انتخابات دورية متعددة الأحزاب، استقراراً وديناميكية اقتصادية ونفوذاً إقليمياً طموحاً بفضل القيادة القوية والمركزية للرئيس رجب طيب إردوغان؛ ومع ذلك، يصف النقاد نظامها بأنه نظام هجين ذو نزعات استبدادية قوية».

وتعرض براك لهجوم عنيف من جانب أحزاب المعارضة التركية على اختلاف توجهاتها، بسبب تصريحاته التي اعتبرت مناهضة للديمقراطية، إلى حد المطالبة بطرده من البلاد وإعلانه «شخصاً غير مرغوب فيه».

زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل طالب بطرد براك بعد تصريحاته التي عدّها إخلالاً بالديمقراطية (حساب الحزب في إكس)

وقال زعيم المعارضة رئيس حزب «الشعب الجمهوري، أوزغور أوزيل، إن «تصريحات السفير الأميركي لا تليق في بلد أقامه مصطفى كمال أتاتورك على أساس الديمقراطية، ومن الوقاحة أن يأتي شخص إلى هنا ويتحدث بهذه الطريقة... ينبغي ألا يبقى في هذا البلد دقيقة أخرى ما لم يتراجع عن كلامه. لقد أصبح الآن (شخصاً غير مرغوب فيه) في ظل الديمقراطية التركية».

رفع العقوبات عن تركيا

من ناحية أخرى، جدد براك تأكيده أن تركيا قد تعود إلى برنامج إنتاج وتطوير المقاتلات الأميركية «إف - 35» في غضون أشهر، قائلاً إن تركيا لا تزال حليفاً رئيسياً، حيث تستضيف عناصر أميركية حيوية، وتساهم في مهام حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وتواجه التهديدات المشتركة».

وأشار إلى أن العقوبات الأميركية المفروضة على تركيا واستبعادها من برنامج المقاتلات «إف - 35» بسبب حصولها على منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس - 400» أدت إلى توتر العلاقات بلا داعٍ، وأن روسيا استفادت من هذا الوضع.

يؤكد براك أن تركيا ستعود خلال أشهر إلى برنامج إنتاج وتطوير المقاتلة الأميركية «إف - 35» (موقع شركة لوكهيد مارتن الأميركية)

وعدّ براك أنه «يمكن، بل يجب، حل مسألة (إس – 400) في غضون أشهر من خلال دبلوماسية دقيقة يقودها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو»، لافتاً إلى أن هذا الحل سيرتكز على «العلاقة الشخصية المتينة» بين الرئيسين إردوغان ودونالد ترمب.

وقال إن ما قصده هو أن اختراقات حقيقية ستحدث قريباً، تتمثل في إعادة ترسيخ دور تركيا في برنامج «إف - 35»، وتعزيز قابلية التشغيل البيني لحلف الناتو، ودعم الصناعة الأميركية، ومواجهة النفوذ الروسي، مضيفاً أن أي حل لقضية «إف - 35» سيتوافق مع التشريعات الأميركية ذات الصلة، وهذا يعني التأكيد على انتهاء وضع امتلاك واستخدام منظومة «إس - 400» الروسية، والمصادقة رسمياً من وزيري الدفاع والخارجية التركيين على عدم وجود أي خطر يهدد تكنولوجيا «إف - 35» الحساسة.

انتقادات أميركية

ولم يتعرض براك للهجوم والانتقادات من جانب المعارضة التركية فحسب، لكنه واجه أيضاً انتقادات لاذعة في الصحافة الأميركية بسبب تصريحاته في أنطاليا؛ إذ قالت صحيفة «وول ستريت جورنال»، في مقال رأي، الثلاثاء الماضي: «ينبغي على السفراء الأميركيين الدفاع عن سياسات الولايات المتحدة في البلدان التي يوجدون فيها، لا الدفاع عن تلك البلدان ضد هذه السياسات».

منظومة «إس - 400» الروسية حصلت عليها تركيا وتسببت لها في عقوبات أميركية (موقع الصناعات الدفاعية التركية)

وأضافت: «دافع السيد براك عن بيع تركيا طائرات (إف – 35)، وفصل هذه المسألة عن حصول تركيا على منظومات الدفاع الجوي الروسية (إس – 400) رغم اعتراضات واشنطن، وخلط بين هذا وحصول اليونان على منظومات (إس – 300) الروسية في التسعينات لحل نزاع قبرص قبل وقت طويل من بدء العمل بقانون مكافحة خصوم أميركا بالعقوبات (كاتسا)».

كما انتقدت الصحيفة تصريح براك بشأن احتمال نشوب صراع بين تركيا وإسرائيل، قائلاً إن تركيا ليست دولة يستهان بها، متسائلة: «ماذا يعني هذا؟». وأضافت: «من الأجدر نصح السيد إردوغان بالكف عن مدح حركة (حماس) الفلسطينية».