الخميس - 2 رجب 1438 هـ - 30 مارس 2017 مـ - رقم العدد14002
نسخة اليوم
نسخة اليوم  30-03-2017
loading..

تمويل مدارس دينية غير شرعية يثير جدلا في بريطانيا

تمويل مدارس دينية غير شرعية يثير جدلا في بريطانيا

تلقت «تبرعات» بأكثر من 100 ألف جنيه رغم إدراجها على قائمة المراقبة من قبل الحكومة
الاثنين - 23 جمادى الأولى 1438 هـ - 20 فبراير 2017 مـ رقم العدد [13964]
صورة أرشيفية لغرفة صف بمدرسة يهودية للبنات في شمال لندن من عام 1908... والمدارس الدينية ظهرت في المملكة المتحدة منذ القرن الثامن عشر (غيتي)
نسخة للطباعة Send by email
لندن: «الشرق الأوسط»
أثار تحقيق أجرته صحيفة «الإندبندنت» البريطانية جدلا واسعا في الأوساط التعليمية والسياسية البريطانية، بعد أن كشف عن استغلال أموال عامة في تمويل مدارس دينية غير قانونية مشتبه بها داخل المملكة المتحدة، في خضم مخاوف تتعلق بحماية الأطفال.
وذكرت الصحيفة أن مدارس غير قانونية وأخرى مشتبه بها قد حصلت على أكثر من 100 ألف جنيه إسترليني (124 ألف دولار أميركي) في صورة أموال عامة، رغم وضعها على قائمة المراقبة من جانب الحكومة.
وكان «صندوق اليانصيب الكبير» (ذي بيغ لوتاري فند) قد منح 116.750 جنيه إسترليني (144.898 دولار أميركي) إلى سبع مدارس يهودية متشددة، حددتها وزارة التعليم سابقا باعتبارها مدارس مشتبها بها.
وفي استمارات طلب التمويل، التي اطلعت عليها «الإندبندنت» في إطار قواعد حرية المعلومات، أعلنت أربع مجموعات بوضوح أنها تعمل كمدارس أو تقدمت إلى الصندوق باعتبارها «يشيفا»، والتي تعني مدرسة بالعبرية، رغم كونها غير مسجلة لدى الحكومة.
وأثيرت مخاوف خطيرة حول المدارس الدينية غير المسجلة التي غالبًا ما يقتصر تلقين الأطفال بها على الدراسات الدينية على مدار فترات طويلة يوميًا قد تستمر من السادسة صباحًا وحتى العاشرة مساءً. وفي بعض المدارس، يجري شرح الدروس فقط باللغتين اليديشية والعبرية، ومن الممكن أن يتخرج الأطفال في هذه المدارس دون معرفة جيدة بالإنجليزية ودون مؤهلات، وفق ما نقلت تقارير إعلامية خلال الأشهر الماضية.
وفي فبراير (شباط) من عام 2016 الماضي، وجّه مكتب تقييم التعليم البريطاني (أوفستيد)، وهو الهيئة التعليمية الرسمية لمراقبة معايير التعليم في المملكة المتحدة، انتقادات حادة لمدرستين يهوديتين مستقلّتين في شمال العاصمة لندن لـ«عدم تحضير التلاميذ للحياة البريطانية الحديثة، وتجاهلها للقيم البريطانية الداعية للتسامح واحترام الديانات الأخرى».
وكشف تقرير «أوفستيد» أن إحدى هذه المدارس «حجبتا صور النساء في المناهج التعليمية»، فيما اعتبر تلاميذ الأخرى أن دور المرأة لا يتجاوز نطاق «أعمال البيت»، وفقا لمفتّشي الهيئة.
وكشف التقرير أن مدرسة «يتيف ليف»، وهي إحدى أكبر المدارس اليهودية في منطقة «ستامفورد هيل» بلندن وتضم 794 تلميذا تتراوح أعمارهم بين 3 و13 سنة، حجبت صور النساء في المراجع المدرسية أو غيرتها «إلى حّد كبير». ويلقي موظفو الابتدائية، التي رفض تلاميذها التحّدث مع مفتشة من الهيئة الحكومية باعتبارها امرأة، جميع دروسهم باللغة «اليديشية»، ما يعيق تقّدم التلاميذ في مهارات القراءة والكتابة باللغة الإنجليزية، على حّد تعبير مفتشي «أوفستيد».
في السياق ذاته، أفاد تقرير الهيئة نفسها حول أداء تلاميذ مدرسة «بيس أهارون» الابتدائية أنهم يجمعون على أن دور النساء يقتصر على «الاهتمام بالأطفال، وتنظيف البيت، وتحضير الغذاء»، منتقدا مستوى التعليم في المدرسة «الذي لا يرقى إلى المستوى المنتظر من مدرسة مستقلّة»، ويقّدم «الشعائر الدينية على المعايير التعليمية» المتعارف عليها.
أما بالنسبة للمدرسين، فهم غير مطالبين بامتلاك أي مؤهلات رسمية ولا يخضعون لأي فحوصات للخلفيات التي قدموا منها. كما أثار طلاب سابقون لمدارس أخرى غير مسجلة، غير تلك التي تقدمت للحصول على أموال اليانصيب وفق «الإندبندنت»، ادعاءات حول تعرضهم لاعتداءات بدنية.
وأشارت مذكرة داخلية موجزة صادرة عن مسؤولين بوزارة التعليم إلى 27 مدرسة يهودية أرثوذكسية متشددة يعتقدون أنها تعمل داخل لندن. والملاحظ أن الطلبات التي تقدمت بها جميع المدارس السبع إلى «صندوق اليانصيب الكبير» على امتداد السنوات الخمس الماضية تتعلق بنشاطات تقع خارج نطاق الساعات الاعتيادية للمدارس، مثل أنشطة دراسية خلال عطلات نهاية الأسبوع، وأندية إفطار، ومعسكرات صيفية، وأندية مسائية، وبرامج قراءة.
وقال نشطاء مناهضون لهذه المدارس إن هذه النشاطات ترمي لفرض قدر أكبر من السيطرة على حياة التلاميذ الأطفال. من جهتها، طلبت مدارس أخرى أموالاً لتأسيس «مكتبة كوشير» (حلال بالعبرية)، أو ادعت أنها تنقذ التلاميذ من تداعيات نقص الفرص التعليمية.
وجاء هذا التقرير عقب أنباء سابقة خلصت إلى ارتياد أكثر من ألف طفل مدارس دينية غير قانونية في لندن وغير مسجلة لدى وزارة التعليم. وذكر طلاب سابقون بها لـ«الإندبندنت» أنه من المعتقد أن بعض هذه المدارس تعمل على هذا النحو منذ عقود، ما يعني أن أجيالاً من اللندنيين ربما حرموا من فرصة نيل التعليم المناسب، ويواجهون مخاطر كبيرة.
وأكد نشطاء وطلاب سابقون لهذه المدارس أن الأطفال الملتحقين بها خذلوا جراء الإخفاقات المتكررة في تحديد هذه المدارس وإغلاقها، معربين عن مخاوفهم من أن السلطات تبدو عاجزة عن التعامل مع الموقف.
وقال طالب سابق بمدرسة يهودية متشددة غير قانونية يدعى إيزي، كان قد رحل عنها في يونيو (حزيران) 2015، في تصريح للصحيفة ذاتها إنه شعر بالخذلان من جانب السلطات، مضيفًا أن القائمين على هذه النوعية من المدارس «يعتقدون أنه ينبغي أن يقضي الأطفال كل وقتهم في تعلم التوراة، والنتيجة أن الأطفال لا يحصلون على أي تعليم علمي». وأضاف: «قبل بلوغ سن الـ13. عادة ما يحضر الطفل المدرسة من السابعة صباحًا حتى السادسة مساءً. وبمجرد بلوغه الـ13، تمتد ساعات المدرسة من السابعة صباحًا حتى العاشرة مساءً. ويأتي الصبي إلى المدرسة صباحًا ليتعلم ويصلي ويتناول الطعام، ثم يعيد الكرة».
واستطرد بقوله: «بالنسبة لي، تركت هذه التجربة أثرًا سلبيًا للغاية علي، فما أزال أعاني من القلق حتى اليوم، الأمر الذي أعتقد أنه يعود إلى الظروف التي نشأت فيها. في طفولتي، تعرضت لاعتداءات بدنية، وكذلك جميع أقراني ـ ذلك أنه كان يجري استخدام العقاب البدني لتأديب الأطفال. وبالتأكيد ترك هذا الأمر أثرًا سلبيًا علي».
وفي تصريحات للصحيفة، قالت إميلي غرين، رئيسة منظمة «غيشر إي يو»، المعنية بتوفير الدعم لليهود المتشددين الذين يتركون هذه المدارس وينضمون إلى المجتمع البريطاني، إن مثل هذه المدارس غير القانونية هي إحدى الأدوات التي يجري استخدامها لتقليص تفاعل الأطفال مع المجتمع البريطاني، وضمان قصر تجاربهم على مجتمعاتهم الدينية الضيقة.
كما أشارت إلى أن الكثير من طلبات التمويل كشفت سبل سيطرة المجتمع اليهودي بالغ التشدد على «ما يفعله الأطفال، بناءً على فكرة أنه كلما زاد مستوى الرقابة أو السيطرة المفروضة على الأطفال، زاد إسهام هذا المجتمع في المدخلات المؤثرة على الأطفال». واستطردت بأن: «المعرفة تمنح المرء قوة، وتعمد المدارس غير القانونية على ضمان محدودية الإمكانات المهنية أمام الأطفال».
من ناحيته، قال المتحدث الرسمي باسم «صندوق اليانصيب الكبير»: «نمول 12 ألف مشروع سنوي يدعم الأفراد ويمكنهم من تحسين حياتهم ومجتمعاتهم، بعضها يجري تنفيذه داخل المدارس. ولا نقدم تمويلاً لنشاطات أكاديمية أو نشاطات ترتبط بالمنهج الدراسي». وأضاف: «انطبقت جميع معاييرنا على المؤسسات التي قدمنا لها تمويلاً، نظرًا لمكانتها كمؤسسة خيرية أو شركة أو مدرسة أو جمعية مسجلة».
واستطرد بقوله: «نجري عددًا من الفحوصات حول طبيعة المشروع ويتناسب حجم الرقابة مع حجم المنحة. وحال ظهور مخاوف بخصوص مشروعات بعينها، نزيد مستوى القيود والرقابة عليها».
وأوضح أن الصندوق ليس بمقدوره التعليق على طلبات منح بعينها ولا يمكنه كذلك الكشف عن إجراءات عملية لفحص الطلبات، خشية استغلال المعلومات من قبل مؤسسات محتالة قد تعمد للاستفادة من ثغرات في عملية الفحص.
من ناحية أخرى، قال المتحدث الرسمي باسم وزارة التعليم إن «المدارس غير المسجلة تعد غير قانونية وغير آمنة. وقد وفرنا لمكتب معايير التعليم (أوفستيد) موارد إضافية للقضاء على مثل هذه المدارس. وسوف نتخذ إجراءات ضدها، بما في ذلك الإغلاق أو العمل مع الشرطة ضدها إذا تطلب الأمر. عندما يواجه الأطفال مخاطر أو لا يلقون التعليم المناسب، نصبح في موقف تضطر فيه السلطات المحلية والشرطة للتدخل».
يشار إلى أن ظاهرة المدارس الدينية غير القانونية لا تنطبق على المدارس اليهودية المتشددة فحسب، إذ أن عددا من المدارس الإسلامية غير المسجلة لدى وزارة التعليم البريطانية أثارت قلق السلطات.
وبهذا الصدد، وجهت «أوفستيد» انتقادات لاذعة لـ7 مدارس إسلامية مستقلة في منطقة «تاور هاملتس»، شرق العاصمة لندن، لفشلها في أداء واجبها لحماية الأطفال من التطرف. وأشارت «أوفستيد» في تقريرها الذي نشر بتاريخ 21 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 إلى تساهل بعض هذه المدارس مع ممارسات قد تعتبر مشجعة للتطرف، وعبرت عن مخاوف جدية تجاه تدابير حماية ورعاية التلاميذ من خطر الانجرار وراء الفكر الراديكالي. وكان ميكائيل ويلشاو، كبير مفتّشي هيئة «أوفستيد»، قد وجه مذكرة لوزارة التعليم يقدم من خلالها توصيات لاتخاذ الإجراءات اللازمة تجاه هذه المدارس.