مارتن شولتز... منافس ميركل على المستشارية في ألمانيا

الظهير «الاشتراكي» الأيسر في المباراة ضد خط الوسط «المحافظ»

مارتن شولتز... منافس ميركل على المستشارية في ألمانيا
TT

مارتن شولتز... منافس ميركل على المستشارية في ألمانيا

مارتن شولتز... منافس ميركل على المستشارية في ألمانيا

بدأ مارتن شولتز، المرشح الاشتراكي لمنصب المستشارية في ألمانيا بالضد من المستشارة الألمانية المحافظة أنغيلا ميركل، حياته الشبابية لاعب كرة قدم، ولعب حينها ظهيرًا أيسر في فريق نادي رينانيا فورزيلين 05، واحتل مع فريقه المركز الثاني في بطولات الشباب بألمانيا الغربية آنذاك. ومع أن أحدًا في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الاجتماعي) لا يستطيع وصف شولتز بالـ«يساري»، فإن الحزب في حاجة ماسة حاليًا إلى «ظهير أيسر» ينتشل الاشتراكيين من نسبة تأييد دون الـ20 في المائة التي تهددهم في استطلاعات الرأي، ويعزز الهجمات من جهة اليسار ضد وسط الاتحاد المسيحي الذي يتخذ من سياسة «الوسط» شعارًا لكسب الناخبين. ويعتقد الاشتراكيون أن عزوف الناخبين عنهم يعود إلى التحالف الكبير مع المسيحيين، ويرون على هذا الأساس ضرورة رسم سياسة جديدة على يسار ميركل، ستعيد إليهم شعبيتهم الضائعة.

وصف مارتن شولتز مرة شغفه بلعبة كرة القدم بالقول إن «إنجيله» في السابق كان مجلة «كيكرز»، وأن مثله الأعلى كان فولغانغ أوفيرات. ومجلة «كيكرز» هي أشهر المجلات الرياضية الألمانية التي تهتم بكرة القدم، أما أوفيرات فهو لاعب الوسط في منتخب ألمانيا لكرة القدم في عقد السبعينات من القرن الماضي، وكابتن فريق 1 إف. سي. كولون السابق ورئيس النادي السابق. ولقد حاز أوفيرات كأس العالم لكرة القدم عام 1974، على حساب هولندا، إلى جانب رفاقه النجوم العالميين فرانز بيكنباور وغيرد موللر وسيب ماير وغيرهم.
ومعروف عن شولتز أنه من كبار مشجعي فريق نادي 1 إف. سي. كولن؛ لأنه ولد في ولاية الراين الشمالي فيستفاليا، وعاش طوال عمره فيها، تحديدًا في مدينة فورزيلين القريبة من كولون. وتقع فورزيلين قرب مدينة آخن الحدودية، عند «المثلث» الألماني البلجيكي الهولندي، وربما كان هذا العامل السبب في إتقانه اللغتين الهولندية والفرنسية، إلى جانب اللغات الإيطالية والإنجليزية والإسبانية.
شولتز يتمتع بشعبية كبيرة في ولاية الراين الشمالي فيستفاليا المزدحمة بالسكان (نحو20 مليونا)، ويعتقد زعماء الحزب الديمقراطي الاشتراكي أن تحقيقه نسبة عالية من الأصوات في هذه الولاية ربما يرجّح كفته على المستشارة أنغيلا ميركل.
* النشأة والمسيرة
ولد مارتن شولتز في إيشفايلر يوم 20 ديسمبر (كانون الأول) 1955 لعائلة لها خمسة أطفال. ويوصف شولتز بأنه مولود «غروكو»، مع أنه ينبغي عليه الآن أن يضع حدًا للـ«غروكو» وأن يعيد الاشتراكيين إلى منصة الحكم. وللعلم، فالـ«غروكو» هو المختصر الذي استخدمته الصحافة الألمانية لوصف التحالف الكبير بين الحزب الديمقراطي المسيحي والحزب الديمقراطي الاشتراكي (غروسه كوالاتسيون). ونال التعبير لقب أفضل مفردة ابتكرت في عالم الصحافة بألمانيا عام 2015. والحقيقة أن علاقة شولتز بـ«الغروكو» تعود إلى أنه ولد في عائلة مختلطة الولاء السياسي؛ إذ كان أبوه ألبرت ضابطًا في الشرطة ومن نشطاء الحزب الديمقراطي الاشتراكي، في حين كانت أمه كلارا ربة بيت ومن نشطاء الحزب الديمقراطي المسيحي. وفي هذه البيئة «التحالفية» شق مارتن طريقه إلى منظمة الشبيبة الاشتراكية، وبنى من خلالها تاريخه في الحزب.
ولقد درس مارتن الصغير في فورزيلين بمدرسة إعدادية كاثوليكية، بيد أن عشقه كرة القدم كان يعرقل استمراره الدراسي. وبعد فشله سنتين متتاليتين وهو في الصف الحادي عشر، غادر المدرسة كي يحترف كرة القدم، لكن إصابة في الركبة أرسلته إلى التقاعد في سن مبكرة عام 1975، وكانت هذه الإصابة أيضا سبب إعفائه من الخدمة العسكرية أيضًا.
ويعترف شولتز في أكثر من مقابلة بأنه تحوّل إلى مدمن كحول بعد «تقاعده» الرياضي وهو شاب في العشرين من عمره. ويتابع القول «ليس لدي ما أخفيه»، ويؤكد أنه شرب كل ما وقعت عليه يده في تلك الفترة، وخصوصًا بين عامي 1975 – 1980، غير أن امتنع عن الشرب تمامًا، وحتى الآن، منذ 1980، وكان في هذه الأثناء قد بلغ لجنة الحزب القيادية في منطقة فورزيلين.
وأنهى الظهير الأيسر المقعد بين 1975 - 1977 دورة تأهيل مهني في مجال الكتب والمكتبات، وعمل لمدة خمس سنوات في مكتبات ومحال عدة لبيع الكتب، قبل أن يؤسس دارًا صغيرة للنشر في فورزيلين بالاشتراك مع شقيقته دوريس.
ومع أن شولتز لم يكن قد «شفي» بعد من إدمانه، انتخب في السبعينات في مجلس مدينة فورزيلين، ثم أصبح عمدة المدينة بين1987 واحتفظ بالمنصب حتى 1998. وهكذا أصبح بعمر 31 سنة أصغر عمدة لمدينة ألمانية منذ الحرب العالمية الثانية. وبعدها انتخب عضوًا في البرلمان الأوروبي عن اللائحة الاشتراكية بين 1994 و2017، وتولّى رئاسة البرلمان الأوروبي بين 2012 - 2017.
* مواقف لافتة شهيرة
ولعل من أشهر مواقف مارتن شولتز في البرلمان الأوروبي تبادله الاتهامات في جلسة برلمانية مع رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق اليميني سيلفيو بيرلوسكوني. فخلال جلسة البرلمان الأوروبي يوم 2-7-2003 انتقد مارتن شولتز سياسة بيرلوسكوني التي لا يفرق فيها بين منصبه السياسي وشخصيته بصفته مليارديرا، كما انتقد بعض تصريحات الزعيم الإيطالي المعادية للأجانب، وانتقد سياسته تجاه الأوساط الإعلامية. ورد بيرلوسكوني بالإيطالية أنه يقترح عليه أن يصبح «كابوش» في معسكر نازي للاعتقال. والـ«كابوش» هو السجين السياسي الذي يتعاون مع قيادة المعسكر النازي ضد مصلحة رفاقه. وبعد ذلك وصف بيرلوسكوني رده أمام الصحافة بأنه جاء على سبيل «نكتة»، وأنه ربط فقط بين اسم شولتز واسم هانز جورج شولتز، حارس معسكر الاعتقال النازي في المسلسل التلفزيوني الشهير «قفص يغص بالأبطال».
من ناحية أخرى، أثار شولتز حقد الأوساط اليمينية المتعصبة في إسرائيل، وتلقى تهمة العداء للسامية بهدوء، بسبب خطبة له أمام الكنيست الإسرائيلي باعتباره رئيس البرلمان الأوروبي؛ إذ قال شولتز أمام الكنيست يوم 12-2-2014 إن أكثر ما أثار عطفه هو سؤال وجهه إليه شاب فلسطيني يسأل: لماذا يتمتع الإسرائيلي بـ70 لترًا من الماء يوميًا، بينما لا يحصل الفلسطيني إلا على 17 لترًا من الماء يوميًا؟
* المعركة في الداخل
ولكن يوم 24 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، فاجأ مارتن شولتز الإعلام الأوروبي حينما أعلن استقالته فجأة من موقعه قائلا إنه يودّ التفرغ للعمل في البرلمان الألماني (لبوندستاغ)، وأن يرشح ضمن قائمة الحزب الديمقراطي الاشتراكي في ولاية الراين الشمالي فيستفاليا.
وجرى ذلك بعد اتفاق التحالف الحكومي، بين الاشتراكيين والمحافظين ببرلين، على ترشيح وزير الخارجية الاشتراكي فرانك - فالتر شتاينماير لمنصب رئيس الجمهورية خلفًا للرئيس المستقل يواخيم غاوك. وتوقع الجميع حينها أن يرشح الاشتراكيون شولتز لموقع وزير الخارجية، أو لمنافسة المستشارة ميركل على مكتبها الواقع على نهر الشبري ببرلين.
وحسم الحزب الديمقراطي الاشتراكي الأمر بعد فترة قصيرة من إعلان ميركل ترشيح نفسها مجددًا. وقرّر الحزب في اجتماع للجنته المركزية أن يتولى شولتز قيادة الحزب محل زيغمار غابرييل (وزير الاقتصاد)، وأن يصار إلى ترشيح شولتز رسميًا لموقع المستشارية.
واستقبل المحافظون، أي الديمقراطيين المسيحيين، في البداية ترشيح شولتز بشيء من قلة الاكتراث، إلا أن انقلاب موازين استطلاعات الرأي بعد أسبوعين فقط من ترشيحه لصالح الاشتراكيين، أخذ يثير القلق في صفوفهم. ودفعت الحالة قيادتي الحزب (الاتحاد) الديمقراطي المسيحي، والاتحاد الاجتماعي المسيحي (الشقيق البافاري للديمقراطيين المسيحيين)، إلى عقد اجتماع خاص اتفق خلاله الحزبان اليمينيان الشقيقان على ترشح ميركل، وتأجيل الخلافات الحادة بينهما حول سياسة اللاجئين إلى أجل غير مسمى. وعلّق هورست زيهوفر، زعيم حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي، على قرارات الاجتماع بالقول إنها اتخذت لمواجهة «خصم قوي». وهكذا أصبح الاشتراكي «القوي» شولتز سببا مهمًا في توحيد صفوف المحافظين المسيحيين بعدما بلغت الخلافات بينهما حد تهديد زيهوفر بترشيح نفسه، لأول مرة في تاريخ التحالف المسيحي، ضد ميركل على موقع المستشارية.
أيضا، يبدو أن «صدمة شولتز» بين المسيحيين كانت قوية؛ لأنهم، خلافًا لتقاليدهم المعروفة منذ عقود، صاروا يخرجون عن طورهم في التصريحات؛ إذ تحدث وزير المالية فولفغانغ شويبله، رجل الحزب الديمقراطي المسيحي القوي، خلال مقابلة تلفزيونية عن أوجه شبه بين شولتز والرئيس الأميركي الجديد دونالد ترمب. واتهم شويبله غريم حزبه شولتز بـ«الشعبوية». كذلك تحدث بعض النواب المسيحيين عن المرشح الاشتراكي بسلبية، مشيرين إلى أنه لا يحمل حتى شهادة الإعدادية، وهو ما حفز ردود البعض عليهم بالقول إن بين أولئك الذين لم يحصلوا على شهادة الإعدادية في ألمانيا يمتد رئيس الجمهورية الأسبق فالتر شيل ووزير الخارجية الأسبق يوشكا فيشر. وقبل أسبوع أعدت الكتلة المسيحية في البرلمان الألماني قائمة من 9 صفحات يفترض أنها تعدد أخطاء مارتن شولتز أثناء قيادته البرلمان الأوروبي. وتتهم الورقة شولتز باستخدام نفوذه الأوروبي لتعيين بعض أصدقائه وزيادة مرتباتهم. كما تتهمه بارتكاب أخطاء «شعبوية» في تصريحاته مثل مطالبته بالعدالة للجميع في المجتمع بادعاء أن الفجوة بين الفقراء والأغنياء في ألمانيا تتسع. وغدا واضحًا معها أن الحزب الديمقراطي المسيحي يحاول النيل من شعبية شولتز بأساليب غير معهودة. لذا؛ حذر الاشتراكيون من «أمركة» الانتخابات الألمانية على طريقة التراشق بالتهم والفضائح الأميركية. ورد أندرياس شوير، أحد قادة الحزب الديمقراطي المسيحي، على تهمة «تلويث سمعة شولتز» بالقول: «ليس هناك أي تلويث سمعة، وعلى الحزب الاشتراكي أن يتحمل؛ لأن الحقيقة مؤلمة». وتساءل بيتر تاوبر، سكرتير الحزب الديمقراطي المسيحي «لماذا يغضب شولتز؟ إنه فعلاً كما وصفه شويبله». أما ميركل، كعادتها، أحجمت عن الخوض في هذه المناوشات، مع الإشارة إلى أن التحالف مع الاشتراكيين باق حتى سبتمبر (أيلول) المقبل. وفي حين أن المستشارة لم توجه شخصيًا أي تهمة إلى منافسها، فإنها لم تردع قادة حزبها عن مواصلة الحملة ضد شولتز.
* اتجاهات استطلاعات الرأي
في المقابل، ينهمك شولتز في الحملة الانتخابية في ولاية الراين الشمالي فيستفاليا دعمًا لتحالف الاشتراكيين - الخضر الحاكم فيها. ويعوّل الاشتراكيون كثيرًا على نسبة إقبال ناخبي حزبهم في هذه الولاية الغزيرة بالسكان. وحقًا، قفزت نسبة تأييد الحزب الاشتراكي في استطلاعات الرأي، بعد ترشيح شولتز، من 22 في المائة إلى 28 في المائة بعد أسبوعين فقط. وأظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة أن شولتز يتفوق على ميركل في شعبيته، وصوّتت نسبة 54 في المائة إلى جانبه مقابل 39 في المائة لميركل. إلا أن الشعبية ليست كل شيء في الانتخابات الألمانية، كما هو معروف؛ لأن المستشار ينتخبه البرلمان الألماني من قبل الأغلبية التي تشكل التحالف الحاكم المقبل.
وبعد «البارومتر السياسي» الذي تبثه القناة الثانية في التلفزيون الألماني (زي دي إف)، واستطلاع الرأي الذي أجراه معهد «أمنيد»، وكشفا ارتفاع نسبة الاشتراكيين إلى 29 في المائة، كشفت آخر استطلاعات الرأي عن أن الحزب الاشتراكي تجاوز الديمقراطيين المسيحيين وحلفاءهم. كذلك، نشرت صحيفة «بيلد»، الواسعة الانتشار، استطلاعًا للرأي أجراه معهد «إينزا» يقول بأن شعبية الديمقراطيين الاشتراكيين تتجاوز الآن شعبية الديمقراطيين المسيحيين. ونال الاشتراكيون على أساس هذا الاستطلاع نسبة 31 في المائة مقابل 30 في المائة للمسيحيين. وهذه أفضل نسبة يحققها الاشتراكيون في ألمانيا منذ أربع سنوات في استطلاعات الرأي. هذا، بينما خسر المسيحيون أربع نقاط أخرى بعدما سجلوا قبل أسبوعين 35 في المائة.
المهم أيضًا أن نسبة عالية من «غير الناخبين» صارت تميل للتصويت إلى شولتز وضد ميركل. و«ير الناخبين» هم الناخبون غير الملتزمين حزبيًا الذين لم يقرّروا بعد لمن سيعطون أصواتهم في الانتخابات، وينتظرون انفراج الأمور إلى ما قبل موعد الانتخابات بقليل كي يقرروا. وكانت نسبة «غير الناخبين» في انتخابات 2013 أقل بقليل من 30 في المائة، وهي نسبة عالية تعمل الأحزاب المتنافسة على كسب أصواتها بكل قوة. وكشف استطلاع «إينزا» أن نسبة عالية من الشباب ستصوت لشولتز أيضا، وربما أن هذه هو سبب مطالبة بعض النواب الاشتراكيين بخفض سن الناخبين إلى 16 سنة.
هذا، ومنح الاستطلاع، الذي شمل 2400 شخصًا من مختلف الأعمار والمشارب، 10 في المائة إلى حزب اليسار و7 في المائة إلى حزب الخضر، ونسبة 12 في المائة إلى «حزب البديل لألمانيا» (اليميني المتطرف) و5 في المائة للحزب الديمقراطي الحر (الليبرالي الوسطي). وهذا سيعزز احتمال تحالف «الاشتراكيين» و«الخضر» و«اليسار» (48 في المائة) على حساب احتمال التحالف التقليدي بين الديمقراطيين المسيحيين وليبراليي الديمقراطيين الأحرار (35 في المائة معًا). وطبيعي، لا يود أي من الأحزاب المذكورة التحالف مع «حزب البديل» الشعبوي المتطرف.
والمشكلة هنا هي أن التحالف المسيحي يرفع أيضًا شعار ضد تحالف «الحمر – الحمر – الخضر» بهدف تخويف جمهور الناخبين من شيوعيي ألمانيا الشرقية في حزب اليسار، إلا أن مارتن شولتز نفسه لم يستبعد التحالف مع حزب اليسار من أجندته.
وعليه، ليس غريبًا إذن لأن ينال شولتز لقب «الجوكر» بسبب تاريخه الكروي القديم؛ لأن «الجوكر» في كرة القدم هو اللاعب الذي يجري إنزاله إلى الملعب بمثابة الورقة الأخيرة (مهاجم اللحظة الأخيرة)، التي يلعبها المدرب في آخر دقائق المباراة... لكي يحسم النتيجة لصالح فريقه.



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.