6 سنوات على «الثورة» الليبية... 7 أعلام و3 حكومات وفوضى عارمة

القذافي رفض نصائح مستشاريه بغلق الحدود مع جيرانه لتجنب الانتفاضة

6 سنوات على «الثورة» الليبية... 7 أعلام و3 حكومات وفوضى عارمة
TT

6 سنوات على «الثورة» الليبية... 7 أعلام و3 حكومات وفوضى عارمة

6 سنوات على «الثورة» الليبية... 7 أعلام و3 حكومات وفوضى عارمة

«أخي القائد.. ربما علينا أن نغلق الحدود مع تونس ومصر». في مثل هذه الأيام من عام 2011 رأى عدد من القيادات العسكرية والأمنية الليبية ضرورة اتخاذ إجراءات سريعة لمنع وصول شرارة الانتفاضة الشعبية من تونس ومصر إلى ليبيا، لكن قائد البلاد حينها معمر القذافي رفض ذلك. وحين زاد الخطر في الأيام التالية، بدأ الحديث مجددا عن غلق الحدود، لكن ذلك كان بعد فوات الأوان.
وطوال السنوات الست الأخيرة، وحتى يومنا هذا، أصبحت كثير من دول الشرق الأوسط تعيش في فوضى عارمة. فقد كانت الشعوب تتطلع إلى مزيد من الحريات بالتخلص من الأنظمة القمعية التي ظلت تحكمها لسنوات طويلة، لكن المحصلة النهائية لكل هذه الآمال، تحولت إلى كابوس مرعب، وبدلا من الاستقرار، ضربت الحروب الأهلية المنطقة، وظهرت الأعلام الملونة للأقليات، كالأكراد والأمازيغ، والأعلام السوداء للجماعات الدينية، ومنها «داعش» وأنصار الشريعة، ما أدى إلى تشريد ملايين الناس. أما في ليبيا فقد أصبح هناك سبعة أعلام وثلاث حكومات وفوضى عارمة.
من خلف شرفة زجاجية تطل على نيل القاهرة، يتذكر أحمد قذاف الدم الأيام الصعبة، حين كان يعمل مبعوثا خاصا للقذافي ومنسقا للعلاقات المصرية - الليبية. يقول قذاف الدم وهو يجلس خلف مكتبه الذي يضع عليه علما أبيض يرمز لـ«نبذ الفرقة»: «لم يتحمس الأخ معمر للأحداث في تونس، ولم يجد في انتفاضة التونسيين ما يعبر عن أي شيء فيه قدر من التفاؤل. فقد كان متشائما جدا».
وقتها لم يكن الرئيس التونسي زين العابدين بن علي قد خرج من البلاد بعد. بينما كان الرئيس المصري حسني مبارك ما زال يكافح في الأيام الأخيرة للإبقاء على سلطته. وفي هذه الظروف اجتمع القذافي مع مساعديه مرة أخرى، وكان من بينهم قذاف الدم، وقرر إلقاء خطاب يدعو فيه سكان الدولتين المجاورتين له من الشمال الغربي ومن الشرق إلى «عدم التوسع في التدمير والحرق».
ووفقا لقذاف الدم فقد تحدث القذافي عن أن دولة مثل تونس ورغم إمكاناتها المحدودة، فإن ما يقوم به بن علي أدى لوصول النمو الاقتصاد إلى 6 في المائة، وهي نسبة جيدة، حسب رأيه، وأبدى الاستعداد لأن تسهم ليبيا في دعم الشعب التونسي من أجل مزيد من النمو والاستقرار.
وخلافا لرؤية القادة العسكريين والأمنيين المحيطين بالقذافي عن ضرورة غلق الحدود مع جيران مضطربين، قرر القذافي مرة أخرى خلال أيام الاستمرار في فتح الحدود مع تونس، وتقديم كل الدعم المادي، من وقود وتموين، في محاولة لمنع نظام بن علي من السقوط.
وعندما رأى القذافي شرارة الانتفاضة التونسية وهي تنتقل إلى جارته مصر، بدأ يعيد التفكير فيما يجري. وفي هذا السياق يقول قذاف الدم إنه حينما بدأت الأحداث في مصر حرص القذافي على متابعة ما يقوله المتظاهرون في ميدان التحرير عبر شاشات التلفزيون. ويبدو أن الزعيم الذي كان يحكم ليبيا منذ عام 1969 شعر بأن القضية أكبر مما يجري في تونس.
يقول قذاف الدم بهذا الخصوص: «لقد كنا معه في الاجتماعات التي سبقت الأحداث الليبية في 17 فبراير (شباط)، وكنا نراقب الأوضاع التي تعصف بالمنطقة. الأخ معمر نظر إلى شعارات المتظاهرين المصريين، وقال لنا إن ما يحدث ليس ثورة، وهذا عمل لدي عليه علامات استفهام كثيرة».
خلال تلك الأيام بدأت تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي دعوات للتظاهر في ليبيا، فظهر الارتباك في هذه الدولة الصحراوية ذات الطبيعة القبلية، وتوجه وجهاء من قبائل كثيرة إلى طرابلس لتقديم الولاء للقذافي. يقول قذاف الدم: «لقد فوجئ الأخ معمر بوصول مشايخ لقبائل وقيادات اجتماعية لتقديم البيعة والولاء له.. وكل هذا موثق في أشرطة مرئية. بعضهم قدم البيعات كتابيا والبعض شفاهيا، وكله كان منقولا على الهواء عبر شاشات التلفزيون. وحين بدأت أحداث بنغازي، كان يمكن احتواؤها في البداية».
كان نشطاء الحركات المدنية، من محامين وحقوقيين وسياسيين، على رأس من قادوا ما أصبح يعرف بـ«ثورات الربيع العربي». لكن الأمور تغيرت سريعا بعد ذلك حين دخلت تيارات وجماعات عنف على الخط، رافعة شعارات تدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، أو تأسيس «الخلافة» أو «الجهاد المسلح» ضد الخصوم، بينما كانت عدة تكتلات اجتماعية وقبائل في ليبيا تبحث عن مستقبل، خاصة بعد خطب الرئيس الفرنسي آنذاك نيكولا ساركوزي، التي كانت تدعو إلى توجيه ضربات عسكرية للقوات المسلحة الليبية التي يعتمد عليها نظام الحكم الليبي.
وفي خضم الفوضى كان الكاتب الفرنسي برنار ليفي، المقرب من ساركوزي، يقوم بزيارات إلى دول المنطقة. وظهر ليفي أولا في مدينة مرسى مطروح المصرية الهادئة الواقعة على البحر المتوسط قرب الحدود مع ليبيا، وألف كتابا فيما بعد عن مجمل زياراته إلى مصر وليبيا وغيرهما، تناول فيه تفاصيل ما قام به للمساعدة على الإطاحة بنظام القذافي.
يقول قذاف الدم بهذا الصدد: «بعض زعماء القبائل التي كانت جاءت لمبايعة القذافي، وأنا كنت حاضرا، فوجئنا بأنها للأسف جلست مع ليفي.. كتب لهم البيانات»، ويقصد بها البيانات المعادية لنظام القذافي. ويضيف قذاف الدم موضحا أن «الدول الغربية يبدو أنها خططت لكل هذا منذ زمن. فقد جرى استقدام نحو مليون علم (الأعلام التي رفعها المنتفضون ضد نظام القذافي، وهو علم البلاد في الوقت الراهن) من الصين. وتم تسريب هذه الأعلام إلى داخل البلاد».
وساعد على اشتعال النار في ليبيا ضعف الحكومات التي جاءت عقب سقوط حكم بن علي ومبارك، إلى جانب القوة الضاربة لحلف شمال الأطلسي (الناتو). وبعد مرور كل هذه السنوات، أصبح هناك الألوف في السجون، بينهم قيادات كبيرة، وسقط آلاف القتلى عبر دول المنطقة، كما تشرد ملايين الناس وهم يبحثون عن ملاذ آمن، حتى لو كان في أوروبا والولايات المتحدة. أما في ليبيا فما زال ألوف من القيادات والأنصار لنظام القذافي في سجون حكام ليبيا الجدد، خاصة في طرابلس ومصراتة، يطلق عليهم قذاف الدم لقب «أسرى حرب»، ويقول: «لدينا مئات الآلاف من المشردين في دول الجوار، وعشرات الآلاف من السجناء في داخل ليبيا. وهؤلاء أسرى الحرب كان ينبغي أن يفرج عنهم فور انتهاء الحرب، لكن للأسف لا أحد يتحدث عنهم.. لا الأمم المتحدة ولا المبعوثون الدوليون ولا الدول العربية».
ومنذ خروجه من ليبيا في أيام الانتفاضة، لم يرجع قذاف الدم إليها مرة أخرى. لكنه اليوم أصبح مقتنعا بأن هذه العودة أصبحت قريبة، خاصة مع تمكن طلائع من العسكريين والسياسيين الموالين للقذافي من دخول البلاد، وتغير معظم الحكومات الغربية التي كانت تقف وراء حملة الناتو على ليبيا، ومنها الحكومة الفرنسية والحكومة البريطانية والحكومة الأميركية.
ويعتقد كثير من السياسيين العرب أن التغيرات في النظم الحاكمة في دول غربية، يمكن أن تؤثر على بلدان منطقة الشرق الأوسط، خاصة فيما يتعلق بالحروب وطبيعة النزاعات عقب عاصفة «الربيع العربي». وبهذا الخصوص يقول قذاف الدم «اليوم فاز دونالد ترمب في البيت الأبيض، وهناك حكومة جديدة في بريطانيا. وهؤلاء يسعون للبرهنة على أن ما حدث من الحكومات السابقة في بلدانهم تجاه ليبيا كان خطأ».
ومن أبرز الجماعات التي أسهمت بقوة في «ثورات الربيع العربي» جماعة الإخوان المسلمين، التي تمكنت من تولي الحكم لفترة قصيرة في كل من تونس ومصر وليبيا. وتوجد مساع في الولايات المتحدة لتصنيف الجماعة «منظمة إرهابية».
وقد عقدت الجماعة في ليبيا صفقة قيمتها مليارا دولار لتسلم قذاف الدم من القاهرة في 2013، لكنها فشلت. وفي هذا الشأن يقول قذاف الدم إن محاولات استهدافه من جانب الجماعات المتطرفة في ليبيا لم تنقطع، بما فيها محاولة اغتياله.
وأسس قذاف الدم مع قوى ليبية أخرى «جبهة النضال الوطني». وعن سبب إطلاقه مبادرة رفع علم أبيض، يقول: «في ليبيا أصبحت توجد سبعة أعلام. علم برقة، وعلم الأمازيغ، وعلم التبو، وعلم أنصار الشريعة، والعلم الأخضر، وعلم الاستقلال. وكل علم له مسلحون، وهذا يعبر عن انقسامات خطيرة»، مضيفا: «نحن في جبهة النضال الوطني نسعى لدولة جديدة تحت راية بيضاء مؤقتا، إلى أن تقوم الدولة ويقرر بعدها الشعب الليبي العلم الموحد الذي يريده».



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.