معركة الرئاسة تشتعل مبكرا بعد تصريحات منسوبة لصباحي بشأن محاكمة السيسي

حملة المرشح اليساري تشكك في طريقة تسريب التسجيل الصوتي المثير للجدل

المرشح الرئاسي اليساري حمدين صباحي يحضر مؤتمرا صحافيا عقد أمس في مقر حزب التحالف الشعبي الاشتراكي في القاهرة (أ.ف.ب)
المرشح الرئاسي اليساري حمدين صباحي يحضر مؤتمرا صحافيا عقد أمس في مقر حزب التحالف الشعبي الاشتراكي في القاهرة (أ.ف.ب)
TT

معركة الرئاسة تشتعل مبكرا بعد تصريحات منسوبة لصباحي بشأن محاكمة السيسي

المرشح الرئاسي اليساري حمدين صباحي يحضر مؤتمرا صحافيا عقد أمس في مقر حزب التحالف الشعبي الاشتراكي في القاهرة (أ.ف.ب)
المرشح الرئاسي اليساري حمدين صباحي يحضر مؤتمرا صحافيا عقد أمس في مقر حزب التحالف الشعبي الاشتراكي في القاهرة (أ.ف.ب)

حظي المرشح الرئاسي المحتمل حمدين صباحي بدفعة جديدة في مسار المنافسة الرئاسية في مصر، بإعلان حزب التحالف الاشتراكي دعمه في الانتخابات المقرر إجراؤها أواخر الشهر المقبل، غداة جدل واسع بشأن تسجيل صوتي مسرب نقل تصريحات له بشأن تعهده بتقديم منافسه الوحيد، المشير عبد الفتاح السيسي، قائد الجيش السابق، إلى المحاكمة، إذا ما فاز بالمنصب الرفيع. لكن صباحي نفى في وقت لاحق أمس، قائلا خلال مؤتمر صحافي عقد بحزب التحالف الشعبي إنه «مع العدالة الانتقالية، لا انتقامية أو انتقائية ضد من تلوثت أيديهم بالدم أو الإفساد السياسي». يأتي هذا في وقت استقبل فيه المشير السيسي وفدا من الرياضيين في إطار حرصه على التواصل مع مختلف شرائح المجتمع، بحسب بيان رسمي لحملته على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك».
وبعد لغط في وسائل إعلام وصحف محلية بشأن تسريب تسجيل صوتي منسوب لصباحي بشأن محاكمة السيسي، قال صباحي في المؤتمر الصحافي أمس إن ما يعنيه هو تحقيق «عدالة انتقالية مبنية على التسامح والعدل وجبر الضرر، ونص الدستور يلزم البرلمان بوضع قانون للعدالة الانتقالية.. ولا أريد ولا ينبغي لي، لأن قضيتي ليست أن أذكر أسماء، وما قيل كان في حضور الجميع. إنني قلت نصا لا أعامل السيسي كمجرم أستهدف محاكمته، ولكن الصحيفة أضافت كلمة لكن».
وكانت صحيفة «اليوم السابع» قد بثت على موقعها الرسمي على الإنترنت تسجيلا لصباحي خلال اجتماع جمعه مع عدد من شباب القوى الثورية، وعنونت الصحيفة الموضوع بقولها «صباحي يتعهد بمحاكمة السيسي حال فوزه بالرئاسة».
وقال القيادي في حملة صباحي، محمد عبد العزيز، الذي حضر الاجتماع الذي بثت اليوم السابع جانبا مما دار فيه، إن «أي عاقل يمكنه أن يستمع إلى التسجيل، وسيكتشف أن أحد الشباب طالب صباحي بضرورة محاكمة المشير، وكان رد صباحي عليه أنه لا يعتبر السيسي مجرما يستهدف محاكمته».
وأضاف عبد العزيز قائلا لـ«الشرق الأوسط» إن «الصحيفة تجاهلت ربما عن عمد استكمال هذا المقطع، وفيه يتحدث صباحي عن أنه يرى السيسي رجلا وطنيا لعب دورا حاسما في ثورة 30 يونيو (التي أنهت عاما من حكم الرئيس السابق محمد مرسي الصيف الماضي)، وأنه لا يرغب في أن يدخل في خصومة مع الجيش».
وعما إذا كان لدى حملة صباحي شكوك بشأن طريقة تسريب هذا المقطع الصوتي، قال عبد العزيز، وهو أحد مؤسسي حملة تمرد: «ليس لدينا أي دليل بشأن طريقة تسريب هذا المقطع، ولا يعنينا هذا الأمر طالما أن ما نقوله في الغرف المغلقة لا يختلف عما نقوله في العلن، لكننا نستهجن ونستنكر بطبيعة الحال أن يجري التسجيل دون علم المتحدث، ونعتبر ذلك سلوكا غير أخلاقي».
وحذفت صحيفة «اليوم السابع» أمس المقطع الصوتي الذي أثار الجدل، وقالت في بيان نشرته على موقعها الإلكتروني إن «(اليوم السابع) وحرصا منها على التأكيد على حق القارئ في معرفة الحقيقة كاملة وبعد نشر تسجيلات حمدين صباحي حول محاكمات العدالة الانتقالية التي تؤكد مصداقية (اليوم السابع) المهنية، وبعد تأكدنا من وصولها إلى القراء، قررنا رفع هذه التسجيلات ووقف الاشتباك مع حملة صباحي الانتخابية».
ويأتي هذا الجدل بالتزامن مع دفعة قوية في مسار صباحي، بإعلان حزب التحالف الشعبي الاشتراكي دعمه في الانتخابات الرئاسية المقبلة. وقال الدكتور عبد الغفار شكر، رئيس الحزب إن قرار اللجنة المركزية للحزب بدعم المرشح الرئاسي صباحي، جاء عقب اجتماع مغلق لها لبحث تأييد صباحي أو السيسي، وانتهى بتأييد صباحي بنسبة 90 في المائة من الحضور.
وأضاف شكر في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط» قائلا: «إن دعم حزب التحالف الشعبي لصباحي هو جزء من رؤية استراتيجية لبناء تحالف واسع من قوى الثورة من أجل انتخابات مجلس النواب (المسمى الجديد لمجلس الشعب الذي بات الغرفة الوحيدة في البرلمان المصري)».
وأشار شكر إلى أنه أيا كان الرئيس المقبل لا يمكن للثورة أن تكتمل وتحقق أهدافها إلا بانتخاب مجلس نواب يضم القوى الوطنية، لأن هزيمة تلك القوى على يد تحالف الإسلام السياسي أو فلول الحزب الوطني (الذي هيمن على الحياة السياسية طوال عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك) يعني نهاية ثورة 25 يناير.
وتابع شكر، وهو أيضا نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان شبه الحكومي، أن حزبه من الأحزاب الفقيرة، مستبعدا أن يكون الدعم الموجه لصباحي ماديا، لكنه أكد مشاركة كوادر الحزب الموزعة على 23 محافظة في البلاد من أصل 27 محافظة في فعالياته الانتخابية، والاستعانة بهم كمندوبين في لجان الاقتراع يومي الانتخابات.
وخلال المؤتمر الصحافي الذي عقده حزب التحالف الشعبي لإعلان موقفه في الانتخابات، قال صباحي إنه «إذا لم نصل بالثورة للسلطة بالميادين كما حدث بعد إسقاط رأسين للنظام، فإننا نستطيع الوصول بالصناديق، فالثورة التي لا تصل للسلطة ثورة منقوصة، وحزب التحالف كما كان شريكا في الثورة بالميادين قرر الآن المشاركة لوصول الثورة بالصناديق»
وأضاف صباحي: «لن أسمح باستهداف أي مواطن سلمي مهما كان انتماؤه، ومن يحمل سلاحا في وجه الشعب المصري لن نتركه بالقانون، ولن أفرق في هذا الوطن بين المواطنين على أساس رأيهم ما دام سلميا، فلا إفلات من العقاب لمن أجرم ولا عقاب جماعيا لأحد».
ومن جانبه، قال شكر خلال المؤتمر الصحافي المشترك إن «حرص صباحي على تحقيق الاستقلال الوطني، والتنمية المستدامة، والديمقراطية، والفصل بين العمل الدعوي والسياسي، هي أهم أسباب دعم الحزب له، مشيرا إلى أن حزبه يؤيد صباحي لأنه يريد انتخابات تنافسية نزيهة لا تؤدي إلى عودة الشمولية».
وكان حزب الدستور الذي أسسه الدكتور محمد البرادعي النائب السابق للرئيس المصري، قد أعلن قبل أيام دعمه لصباحي، قبل أيام من تقديم المرشح الرئاسي المحتمل أوراق ترشحه إلى اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية.
وأعلنت اللجنة العليا للرئاسة قبل نحو أسبوع قائمة مبدئية للمرشحين ضمت متنافسين اثنين هما صباحي والمشير السيسي. ومن المقرر أن تعلن اللجنة 2 مايو (أيار) المقبل القائمة النهائية لمرشحي الرئاسة.
وفي غضون ذلك، استقبل المشير السيسي، أمس وفدا من الرياضيين يضم عددا من رؤساء الأندية والنقاد الرياضيين، ونجوم الألعاب الجماعية والفردية، وممثلين عن الإعلام الرياضي، وأبطال أولمبيين، ومهتمين بالشأن الرياضي في مصر.
وقالت الحملة الانتخابية الرسمية للسيسي، في صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، إن الزيارة تأتي في إطار حرص المشير على الاهتمام بالتواصل مع شرائح المجتمع.
وأشارت الحملة إلى أن السيسي استمع إلى رؤيتهم حول مستقبل الرياضة في البلاد خلال الفترة المقبلة، ودورها في بناء شباب قادر على مواجهة الصعاب والتحديات، التي تواجه الوطن.
وذكرت الحملة أن اللقاء حضره أكثر من 60 شخصية من الرياضيين «الذين أعربوا عن بالغ تقديرهم للمشير السيسي، وشكروا دعوته لهم وحرصه على الاهتمام بقضايا الرياضة في مصر» بحسب بيان أصدرته حملة المشير.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.