تودوروف... نصوص كبرى تخاطب المستقبل

رحل وهو يؤمن بأن التنوير لا يزال أمامنا وليس خلفنا

تزفيتان تودوروف - غلاف «بيان التنوير»
تزفيتان تودوروف - غلاف «بيان التنوير»
TT

تودوروف... نصوص كبرى تخاطب المستقبل

تزفيتان تودوروف - غلاف «بيان التنوير»
تزفيتان تودوروف - غلاف «بيان التنوير»

كان تزفيتان تودوروف قد أصدر كتابًا يشبه المانيفست عام 2006 بعنوان «روح التنوير». وقد أصدره بعد أن كلفوه شخصيًا بالإشراف على معرض التنوير الكبير الذي نظمته المكتبة الوطنية الفرنسية الجديدة الشامخة كناطحات السحاب على ضفاف نهر السين. وكان المقصود به الرد على كل الأصوليات الدينية المتطرفة وبالأخص أصوليتنا في الواقع، لأن المعرض حصل بعد 11 سبتمبر وتفجيرات مدريد ولندن... إلخ.
ومنه نفهم أن التنوير أمامنا وليس خلفنا. وهذا هو حرفيًا عنوان المعرض الذي زرته آنذاك وتجولت في رحابه: «عصر التنوير: إرث للمستقبل». صحيح أن مشروع التنوير الذي تبلور في القرن الثامن عشر على يد الكبار من أمثال فولتير وديدرو وروسو وكانط... إلخ، يحتاج الآن إلى نقد وتصحيح ومراجعات بعد أن تعرض لاستخدامات انتهازية مضادة لمثله العليا. نعم، لقد خان الغرب التنوير إبان التوسعات الإمبريالية. فتحت غطائه النبيل وبحجة «تحضير البدائيين» راحوا يستعمرون الشعوب ويسلبونها إرادتها. لقد رفعوا شعارات التنوير عاليًا وفعلوا عكسها، الشيء الذي أدى إلى تشويه سمعته، وفقدان مصداقيته... ولكن لا ينبغي التراجع عن مشروع التنوير بأي شكل كما يقول تودوروف. فنحن جميعًا أبناء التنوير شئنا أم أبينا. نحن ورثته الشرعيون حتى عندما ننتقد انحرافاته ونهاجم نواقصه. فلا بديل عن التنوير إلا التنوير منقحًا ومصححًا ومراجعًا. يُضاف إلى ذلك أنه لا يزال ضروريًا جدًا بل وملحًا بالنسبة للشعوب والتراثات التي لم تمر بالمرحلة التنويرية بعد: كالشعوب الإسلامية والشرقية عمومًا. وبالتالي فلنعد مجددا إلى نصوصه الكبرى ولنحاول تحيينها وملاءمتها مع هموم القرن الحادي والعشرين وقضاياه. وهذا هو مشروع هابرماس في الواقع وليس فقط تودوروف. ولهذا السبب عبر لي مرة عن إعجابه بهابرماس وامتعاضه من فوكو وديلوز ودريدا وبقية الفلاسفة النيتشويين العدميين المعادين للأنوار. لكن لنتفق على الأمور هنا منذ البداية لكيلا يحصل أي خلط أو تشويش. الثقافة الأوروبية مرت بالتنوير قبل مائتي سنة، ونقدت أصوليتها المسيحية نقدًا صارمًا على مدار القرون الثلاثة الماضية: الثامن عشر، فالتاسع عشر، فالعشرين.
أما نحن فلم نمر به حتى الآن ولم يتعرض تراثنا للغربلة النقدية التي أصبحت أكثر من ملحة بعد كل ما حصل ويحصل. في عصر «داعش» والدواعش لا يوجد حل آخر. هذا من جهة. ومن جهة أخرى فينبغي العلم أنه تفصل بيننا وبين فلاسفة الأنوار مائتا سنة. وفي هذين القرنين ظهر مفكرون آخرون كبار أضافوا وجددوا ووسعوا الأنوار. ولذلك أصبح بعضهم يتحدث الآن عن الأنوار الأولى، والأنوار الثانية. وعلى أي حال فلو سألت الإنسان الأوروبي قبل مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة ما هو تراثك؟ لأجابك فورا: التراث المسيحي.
ولكن لو سألت الإنسان الأوروبي الحالي: ما هو تراثك؟ لأجابك فورا: الحداثة وفلسفة الأنوار. بمعنى آخر كان التراث بالنسبة لهم دينيًا لاهوتيًا فأصبح علمانيًا حداثيًا. وحتى لو ظلت المسيحية من تراثه، فإنها أصبحت مسيحية ليبرالية، متسامحة، منفتحة، مثقفة، وما عادت أصولية متعصبة أو انغلاقية. وهذا يعني أن الدين سوف يستمر بعد الغربلة النقدية الشاملة، ولكن مفهوما بشكل عقلاني مستنير. وبالتالي فليطمئن الناس: تراثنا العربي الإسلامي سوف يجدد شبابه بعد المرور بالمرحلة التنويرية. سوف يبدو أفضل وأنصع وأبهى بكثير عما كان قبلها. وأصلاً لن تُعرف حقيقته قبل المرور بهذه العملية الجراحية الخطيرة. سوف تُطرح منه الزوائد والقشور ويبقى الجوهر. ألم نكن نحن شعاع التنوير الحضاري أيام بغداد العباسية وقرطبة الأندلسية؟ ثم غفونا أو نمنا على التاريخ. وتلقفت الشعلة أوروبا...؟!
ما سمات روح التنوير التي تميز أوروبا عن بقية النطاقات الثقافية الأخرى في العالم؟ على هذا السؤال يجيب تودوروف قائلاً: إنها الروح النقدية والحرية الفكرية. ففلاسفة الأنوار هم أول من تجرأ على نقد العقائد الدينية القديمة. ولهذا السبب لا يزال رجال الدين الكبار في أوروبا يشنون هجومًا ساحقًا على فولتير وأمثاله حتى اللحظة. نضرب على ذلك مثلاً مطران باريس السابق: لوستيجر. فقد كان من ألدّ أعداء فلاسفة الأنوار. وقد شتمهم علنًا، ووصفهم بكل النعوت السلبية. وبالتالي فالمعركة لم تنتهِ فصولاً بعد. صحيح أنها حُسمت منذ عقود طويلة لصالح فكر الأنوار. وصحيح أن الفلسفة التنويرية انتصرت على الأصولية المسيحية في أوروبا انتصارًا مبرمًا لا ريب فيه، ولا رجعة عنه. والدليل على ذلك أن برامج التعليم الفرنسية والأوروبية عمومًا مليئة باستشهادات من نصوص ليسنغ وكانط وفولتير وكوندورسيه وديدرو وجان جاك روسو وارنست رينان وميشليه... إلخ. وتكاد تخلو تمامًا من أي استشهاد بأساطين الأصولية المسيحية. وذلك على عكس ما هو شائع في العالم العربي، حيث يهيمن الفكر الأصولي على برامج التعليم ويغيب عنها الفكر التنويري إلى حد كبير. وبالتالي فالحالة معكوسة بيننا وبين أوروبا. والدليل على ذلك أني سمعتهم أخيرًا يشتمون ابن سينا في بعض البلدان العربية. بل ويدعون إلى عدم وضع اسمه بعد اليوم على واجهة أي مستشفى أو مدرسة أو مكتبة لأنه كافر زنديق... إلخ. وأعترف بأن ذلك فاجأني إن لم أقل: جرحني، وآلمني، بل و«مغصني مغصًا». فمن يشتم ابن سينا يشتم الكندي والفارابي وابن رشد ناهيك بالمعري والتوحيدي وطه حسين ونجيب محفوظ وبقية عباقرة العرب والإسلام. ولكن لا ينبغي أن نستغرب ذلك. فنحن نعيش في العصر الداعشي لا التنويري. ثم يتساءلون مستنكرين: لماذا وصلنا إلى هنا؟ لماذا يحصل لنا ما يحصل؟ لماذا تتقدم شعوب العالم كلها إلى الأمام ونتراجع نحن إلى الخلف؟ لماذا أصبحنا فضيحة العصر في هذه الأيام الدواعش؟ وما عاد أحد قادرًا على أن يفصح عن هويته كعربي أو مسلم لا في الشرق ولا في الغرب. إنه يخجل بها وقد كانت يومًا ما منارة للعالم أجمع. ولكن إذا عُرف السبب بطل العجب. والسبب واضح وضوح الشمس: لأننا لا نتجرأ على طرح سؤال صغير واحد على تراثنا الديني، لأننا لم نخضعه للغربلة النقدية الصارمة كما فعل كانط أو فولتير قبل مائتي سنة أو يزيد بالنسبة للتراث المسيحي. هذا ناهيك بفويرباخ أو نيتشه... إلخ.. ثم لأن الجماهير الغفيرة من المحيط إلى الخليج كلها مع رجل الدين بشكل مسبق وتتشرب كلامه وكأنه حقائق معصومة. من يناقش اليقينات المطلقة؟ ويحك هل أنت مجنون؟ كل هذا انتهى في العالم المتنور المتحضر منذ قرون... والفضل لمن؟ لفلاسفة الأنوار في القرن الثامن عشر ومن تلاهم.
ويرى تودوروف أن سمات الروح التنويرية كثيرة ولكن أهمها استقلالية العقل بالقياس إلى النقل.دون ذلك لا تفكير حر ولا اكتشاف ولا إبداع. ما دام الكاهن المسيحي واقفًا فوق رؤوسنا يقول لنا ما ينبغي أن نفكر فيه أو لا ينبغي أن نفكر فيه فعلى الدنيا السلام. لذلك صرخ كانط صرخته الشهيرة في أواخر القرن الثامن عشر: تجرأ على استخدام عقلك أيها الإنسان! فالله زودك بالعقل لكي تستخدمه لا لكي تلغيه. ولكن الكاهن يقول للرعية فورا: لا تفكروا، آمنوا وتدينوا فقط. أنا مسؤول عن تفكيركم، اسألوني أُفتِ لكم في كل شاردة وواردة. لا داعي لتشغيل عقولكم الصغيرة. وهذا لا يعني أبدًا الدعوة إلى الإلحاد. فكانط كان مؤمنًا حقيقيًا. وكان يقول عبارته الشهيرة: حيث تنتهي حدود العقل تبتدئ حدود الإيمان. وكبار فلاسفة الأنوار كانوا جميعًا مؤمنين بوجود الله. من بينهم فولتير ذاته وجان جاك روسو. ولكن كان هناك تيار مادي ملحد. فنيتشه كان ملحدا بشكل صارخ وكذلك ديدرو وفويرباخ هذا ناهيكم عن ميشال أونفري الذي يصرعنا حاليا صرعا بنزقه وإلحاده. لحسن الحظ فإن كاتب هذه السطور مؤمن حقيقي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وعلى الرغم من أنه عاجز عن التصالح مع نفسه، فإنه يفعل كل شيء لتحقيق المصالحة بين الإيمان - والعقل، أو الدين - والفلسفة.
ماذا يقول لنا تودوروف؟ انه يقول إن التنوير يشكل أكبر طفرة معرفية راديكالية في تاريخ البشرية. لماذا؟ لأن العقل البشري طيلة العصور السابقة كان مجرد خادم ذليل للاهوت المسيحي. والآن شب عن الطوق وتجرأ على الانفصال عنه وتحقيق الاستقلالية الذاتية. وهذا هو معنى فكرة كانط: لقد آن الأوان لكي تنتقل البشرية من مرحلة القصور العقلي، أكاد أقول الطفولة العقلية، إلى مرحلة النضج وسن الرشد. آن الأوان لأن تشغل عقلها المعطل طيلة القرون الوسطى! وهي قفزة هائلة وخطرة لم يتجرأ عليها الفكر العربي حتى الآن. بل وترتعد فرائصه أمامها. ولهذا السبب لم يعد للتكفير وجود في عصر التنوير. فالناس أصبحوا سواسية وكرامتهم محفوظة أيا تكن أديانهم ومذاهبهم. أما في السابق فكان الأكثري الكاثوليكي يحتقر الأقلوي البروتستانتي بل ويدعو إلى تكفيره وذبحه لأنه «مارق زنديق». كل هذا انتهى بعد انتصار الأنوار. كيف يمكن أن تشكل مجتمعًا متراصًا، أو دولة، أو وحدة وطنية، إذا كان بعض الشعب يكفر بعضه الآخر؟ كيف يمكن أن يحصل التعايش؟ مستحيل. وأصلاً التنوير ظهر كرد فعل على هذه الحروب الأهلية الطائفية التي مزقتهم ودمرتهم طيلة عدة قرون. لقد كان علاجا شافيا، وأي علاج!



جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.