واشنطن تحجب الثقة عن فلسطيني مندوبًا خاصًا للأمم المتحدة

الأمين العام يدافع عن ترشيحه رئيس الوزراء السابق سلام فياض مبعوثاً له إلى ليبيا

سلام فياض مع الرئيس باراك أوباما في رام الله عام 2013 (رويترز)
سلام فياض مع الرئيس باراك أوباما في رام الله عام 2013 (رويترز)
TT

واشنطن تحجب الثقة عن فلسطيني مندوبًا خاصًا للأمم المتحدة

سلام فياض مع الرئيس باراك أوباما في رام الله عام 2013 (رويترز)
سلام فياض مع الرئيس باراك أوباما في رام الله عام 2013 (رويترز)

في أول مواجهة بين إدارتي الأمم المتحدة والبيت الأبيض، قررت سفيرة الولايات المتحدة الأميركية في الأمم المتحدة، نيكي هيلي، حجب الثقة عن ترشيح الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس رئيس وزراء فلسطين السابق، سلام فياض، ممثلا له في ليبيا.
وقالت هالي، إن الولايات المتحدة «لا تعترف حاليا بدولة فلسطينية أو تؤيد الإشارة التي سيرسلها هذا الاختيار داخل الأمم المتحدة».
أما الناطق باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، فقال، إن تعيين فياض مبعوثًا خاصًا إلى ليبيا تم فقط بالاعتماد على كفاءته وأهليته لهذا المنصب، مضيفا أن موظفي الأمم المتحدة لا يمثلون أي دولة أو حكومة.
وقال إن الأمين العام يكرر «تعهده بتوظيف الأفراد المؤهلين، واحترام التنوع الإقليمي، كما أنه لاحظ أنه لم يخدم أي إسرائيلي أو أي فلسطيني في منصب مسؤول ورفيع في الأمم المتحدة»، مشددا على أن الأمين العام يشعر بضرورة «تصحيح هذا الوضع، ودائما على أساس الجدارة الشخصية والكفاءة للمرشحين المحتملين لتولي مناصب محددة».
الموقف الأميركي قوبل بالترحيب من قبل السفير الإسرائيلي، وإدانة منظمة التحرير الفلسطينية التي اعتبرت الخطوة حالة من «التمييز الصارخ» على أساس الهوية الوطنية.
غوتيريس كان قد أبلغ مجلس الأمن رسميا أن سلام فياض أفضل خليفة لمارتن كوبلر. الرسالة التي تسلمها السفير الأوكراني بصفته رئيسا لمجلس الأمن قالت: «إنني أنوي تعيين سلام فياض مبعوثي الخاص ورئيسا لبعثة الأمم المتحدة لدعم ليبيا، ليحل مكان مارتن كوبلر»، الذي قام بمهمة مبعوثي الخاص منذ 1 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015.
البعض يرى، أن تعيين فلسطيني في منصب رفيع، من دولة غير عضو، قد يفسر على أنه محاولة من الأمين العام الجديد أن يرسخ حقيقة أن الدولة الفلسطينية قادمة، ولهذا فكان الرد الأميركي مختلفا: «إن الولايات المتحدة لا تعترف حاليا بدولة فلسطينية ولا تدعم الإشارة التي يرسلها هذا التعيين داخل الأمم المتحدة».
وقالت هيلي: «منذ فترة طويلة جدا، والأمم المتحدة منحازة إلى السلطة الفلسطينية بشكل غير عادل، على حساب حلفائنا في إسرائيل»، معربة عن «خيبة أملها»، ومهددة: «من الآن فصاعدا، ستقوم الولايات المتحدة بالتحرك دعما لحلفائها ولن تطلق كلاما فقط».
ويعرف عن فياض قوته في مجالات الإدارة المالية، حيث كان قد شغل سابقا ممثلا للبنك الدولي في بلاده. لكن اختيار الأمم المتحدة له، كونه دبلوماسيا ناجحا، قد يستطيع أن يفعل شيئا في المعضلة التي تسود في ليبيا. وقال السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة، داني دانون، حول الممانعة الأميركية، إن «هذه هي بداية عهد جديد في الأمم المتحدة، حيث تقف الولايات المتحدة بحزم ودون ندم إلى جانب إسرائيل».
ورحب دانون، في بيان صحافي أصدره الليلة الماضية بما أعلنته السفيرة هيلي، بهدف التحرك لمنع تعيين سلام فياض مبعوثا خاصا للأمين العام إلى ليبيا مضيفا: «لقد أثبتت الإدارة الجديدة مرة أخرى أنها تقف بحزم إلى جانب دولة إسرائيل في الساحة الدولية وفي الأمم المتحدة على وجه الخصوص. فالإدارة الجديدة تعمل من أجل مصلحة مشتركة للولايات المتحدة وإسرائيل، و(من أجل) التحالف الخاص بين بلدينا».
وكانت هيلي قد هددت في أول يوم عمل لها أنها في الوقت الذي ستقف مع حلفاء بلادها فإنها ستقوم بتسجيل أسماء الدول التي تقف ضد الحلفاء.
السفير الإسرائيلي الذي عادة ما يصدر أكثر من بيان كل أسبوع، يدين فيها الطرف الفلسطيني، قال إن «هذه هي بداية عهد جديد في الأمم المتحدة، حيث تقف الولايات المتحدة بثبات وراء إسرائيل ضد جميع محاولات الإساءة إلى الدولة اليهودية». إلا أن دانون لم يوضح كيف يسيء تعيين فياض للكيان الإسرائيلي.
ولم تعقب السلطة الفلسطينية على التحرك الأميركي ضد فياض، كما أنها لم ترحب بقرار تعيينه من الأساس. لكن أدانت أطراف فلسطينية مختلفة ما وصفته بأنه «تمييز صارخ» لإعاقة تعيين فياض.
واعتبرت منظمة التحرير الفلسطينية التحرك الأميركي بأنه «غير مقبول». وقالت عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية حنان عشراوي في بيان نشرته بالإنجليزية، إن «إعاقة تعيين الدكتور سلام فياض حالة من التمييز الصارخ على أساس الهوية الوطنية». ورفض سلام فياض التعقيب على القرار الأميركي. وقال مكتبه في رام الله لوكالة الصحافة الفرنسية، إن «الدكتور فياض لا يريد الإدلاء بأي تصريح».
واعتبرت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني أن عرقلة الولايات المتحدة تعيين فياض موفدا أمميا إلى ليبيا «استمرار لسياسة الولايات المتحدة الأميركية ضد دولة فلسطين، وخرق واضح للقوانين الدولية، وحماية لدولة الاحتلال».
وقالت الجبهة، إن ما قالته واشنطن بأنها «لا تعترف بدولة فلسطين، وإن الأمم المتحدة منظمة تنحاز بشكل غير عادل لصالح السلطة الفلسطينية، تحريض على دولة فلسطين ودعم للاحتلال لمواصلة جرائمه».
وبعد انتخابه رئيسا، انتقد الرئيس ترمب خلفه باراك أوباما، بسبب التصويت بالامتناع بدلا من ممارسة الفيتو الأميركي في مجلس الأمن، لمنع قرار بشأن المستوطنات الذي اعتبرته بأنه كان خطأ فادحا.
يذكر أن فياض رأس الحكومة الفلسطينية بين عامي 2007 و2013، وكان قبلها وزيرا للمالية بين عامي 2002 و2005، وكان أيضا ممثلا مقيما لصندوق النقد الدولي في الضفة الغربية وقطاع غزة من 1996 و2001.
ويأتي الموقف الأميركي ضد تعيين مسؤول فلسطيني مبعوثا للأمم المتحدة قبل أيام من لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في واشنطن، وبعد ساعات من تصريحات للرئيس الأميركي قال فيها إن التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية لا يخدم السلام.
«الشرق الأوسط» طرحت سؤالا على رئيس مجلس الأمن للشهر الحالي، المندوب الأوكراني فلاديمير يلتشينكو، حول اتهام الإدارة الأميركية الجديدة للأمم المتحدة بأنها غير فعالة وضعيفة. السفير يلتشينكو أجاب أن المنظمة الدولية بعيدة عن المثالية، مؤكدا ضرورة تغيير «أشياء كثيرة»، خصوصا تغييرات جذرية داخل الأمانة العامة. وأضاف أن هناك كثيرا من التوقعات من الأمين العام الجديد. وتابع: «إن بعض الإفادات من قبل المسؤولين في الأمم المتحدة التي يقدمونها إلى مجلس (ذات جودة منخفضة جدا)»، وفي بعض الأحيان فإنها لا تقدم المعلومات اللازمة لاتخاذ قرار يتعلق ببعثات «حفظ السلام الأممية».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...