مصادر لـ {الشرق الأوسط}: واشنطن تدعم بقاء الثني رئيسا للحكومة المؤقتة في ليبيا

طرابلس تنفي حدوث تطورات في ملف الدبلوماسيين العرب المخطوفين

نائب وزير الخارجية الأميركي وليام بيرنز في مؤتمر صحافي بطرابلس أمس (إ.ب.أ)
نائب وزير الخارجية الأميركي وليام بيرنز في مؤتمر صحافي بطرابلس أمس (إ.ب.أ)
TT

مصادر لـ {الشرق الأوسط}: واشنطن تدعم بقاء الثني رئيسا للحكومة المؤقتة في ليبيا

نائب وزير الخارجية الأميركي وليام بيرنز في مؤتمر صحافي بطرابلس أمس (إ.ب.أ)
نائب وزير الخارجية الأميركي وليام بيرنز في مؤتمر صحافي بطرابلس أمس (إ.ب.أ)

كشفت مصادر ليبية مطلعة النقاب لـ«الشرق الأوسط» عن إعطاء الولايات المتحدة ما وصفته بالضوء الأخضر لاستمرار بقاء رئيس الحكومة المؤقتة عبد الله الثني في منصبه، واستقالة نوري أبو سهمين رئيس المؤتمر الوطني العام (البرلمان).
ووسط إجراءات أمنية مشددة، شاركت فيها وفقا لمصادر ليبية عناصر من قوات أميركية خاصة بزى مدني، أنهى مساعد وزير الخارجية الأميركي ويليام بيرنز زيارة دامت يومين إلى العاصمة الليبية طرابلس، التقى خلالها عبد الله العوامي النائب الأول لرئيس المؤتمر الوطني العام (البرلمان)، وعبد الله الثني رئيس الحكومة المؤقتة. وقال بيان لحكومة الثني إن بيرنز نقل إليه رسالة من الرئيس الأميركي باراك أوباما يبلغه فيها بموقف الإدارة الأميركية الداعم للحكومة المؤقتة في مساعيها لحل المشاكل التي تواجهها البلاد، وجدد دعمها للشعب الليبي في مسعاه لتكوين الدولة الليبية وإتمام المرحلة الانتقالية، كما هنأ ليبيا حكومة وشعبا ببدء أعمال الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور.
وطبقا لنص البيان، فقد أشاد الثني بدور الولايات المتحدة الأميركية في دعم ليبيا ومساعدتها على اجتياز المرحلة الانتقالية وتكوين مؤسسات الدولة وعلى رأسها الجيش والشرطة.
من جهته، قال الدكتور عز الدين العوامي، النائب الأول لرئيس المؤتمر الوطني، إن بيرنز أكد خلال لقائهما حرص حكومته على إنجاح المرحلة الانتقالية وقيام دولة القانون والمؤسسات الليبية، وزيادة دعم العلاقات الثنائية في المجالات، مشيرا إلى أن هذا اللقاء تطرق إلى استعراض العملية السياسية والتداول السلمي للسلطة في ليبيا، وانتخاب الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور التي تعد رسالة من الشعب الليبي على بناء دولته بعد ثورة السابع عشر من فبراير (شباط) 2011، وتتويجا لدماء الشهداء.
وأضاف العوامي في تصريح بثه الموقع الرسمي للمؤتمر على شبكة الإنترنت «لقد أطلعنا نائب وزير الخارجية الأميركي على المسيرة السياسية والأوضاع الأمنية في ليبيا، وأن الشعب الليبي مقبل على انتخاب مجلس نواب جديد حسب التعديل الدستوري الذي قام به المؤتمر، وتقديم قانون الانتخابات إلى المفوضية العليا للانتخابات، وإعلان المفوضية البدء في العملية الانتخابية، وهذا مسار ديمقراطي في الاتجاه الصحيح، وعلى الشعب الليبي أن يكون في الموعد ليوضح للعالم ويختار من هو الأجدر والأصلح لتمثيل الشعب الليبي». وجاء الدعم الأميركي اللافت لحكومة الثني في وقت يبحث فيه أعضاء المؤتمر الوطني اختيار خليفة للثني من بين سبعة مرشحين تقدموا لشغل المنصب، وسط انقسام لافت بعد يومين من انطلاق المشاورات غير المعلنة.
وكان محمد بوسدرة، عضو المؤتمر الوطني، قد أكد عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، أن لقاء الكتل والأحزاب السياسية للتشاور حول رئيس جديد للحكومة قد أسفر عن وجود فريقين، أحدهما اشترط ربط تنصيب رئيس حكومة جديد بإقالة نوري أبو سهمين من منصبه كرئيس للمؤتمر. وأضاف «فريق اشترط ارتباط تنصيب رئيس الوزراء بإقالة رئيس المؤتمر، وأصر على ذلك رغم معارضة قطاع كبير بمن فيهم سفراء الاتحاد الأوروبي وأميركا، بحسب ما بلغنا، وذلك لأن العالم ينتظر من المؤتمر تنصيب رئيس للوزراء وميزانية تقدم للحكومة». وتابع «وفريق يرفض الربط بين الأمرين وذلك لكون مسألة رئيس المؤتمر لم تزل أمام النائب العام، وبالتالي يؤجل الكلام فيها حتى يقول القضاء فيها كلمته، ولكون مسألة رئيس الوزراء مسألة ملحة والميزانية أشد إلحاحا فلا مبرر للربط بين المسألتين، لا سيما أن قضية رئيس المؤتمر متأخرة عن موضوع رئيس الوزراء».
وقبيل مغادرته طرابلس، اعتبر المسؤول الأميركي أن تصاعد التطرف يمثل «تحديا هائلا» لليبيا التي تشهد أعمال عنف وهجمات مستمرة منذ سقوط نظام حكم العقيد الراحل معمر القذافي. وتعهد بيرنز بزيادة المساعدات الأميركية في مواجهة عنف المتطرفين، قائلا إن البلاد لا يمكنها تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي دون التعامل مع تحدياتها الأمنية. وقال بيرنز في مؤتمر صحافي عقب محادثاته مع كبار المسؤولين الليبيين في طرابلس «تزايد التطرف المصحوب بالعنف تحد هائل لليبيا في المقام الأول وأيضا للشركاء الدوليين لها».
ولم يوضح بيرنز كيف ستعمق واشنطن تعاونها الأمني مع طرابلس، لكنه كرر فقط أن الولايات المتحدة ستواصل مع شركاء آخرين تدريب قوات الجيش وقوات الأمن. وأضاف «هذا هو سبب شعورنا بالإلحاح، ومثل هذا الشعور بالعزم على مساعدة الليبيين في بناء قدراتهم الأمنية وتعميق التعاون لمكافحة الإرهاب وأيضا تعزيز عملية سياسية سليمة.. يزيد فرص تحقيق أمن أفضل على المدى البعيد». وقال بيرنز الذي يعد أكبر مسؤول أميركي يزور ليبيا منذ هجوم دام في 2012 على القنصلية الأميركية في بنغازي قتل فيه السفير الأميركي وثلاثة أميركيين، إن «إعادة بناء الأمن أمر حيوي لنجاح ليبيا». وأضاف «من المستحيل التنبؤ بتحول سياسي ناجح وانتعاش اقتصادي دون شعور أكبر بالأمن».
وبعدما لفت إلى أن واشنطن على استعداد لمساعدة ليبيا في بناء قواتها الأمنية وتعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، قال مساعد وزير الخارجية الأميركي «بحثنا في الدعم الدولي لمساندة جهود ليبيا في مجال إصلاح الجهاز الأمني وتحسين الأمن على الحدود ومراقبة انتشار الأسلحة وتعزيز دولة القانون». وقال بيرنز إنه تحدث «مطولا عن تدريب قوات أمنية متعددة المؤهلات في ليبيا والإجراءات التي يتعين اتخاذها لتسريع العملية».
ومنذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2011، تحولت ليبيا إلى مسرح لأعمال عنف وعشرات الهجمات ضد قوات الأمن والمصالح الغربية. وتتهم باستمرار مجموعات متطرفة تنامى نفوذها بالوقوف وراء هذه الهجمات التي لا تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها إلا نادرا. والسلطات الليبية الانتقالية، التي لم تتوصل بعد إلى تشكيل شرطة وجيش محترفين، أقرت للمرة الأولى في شهر مارس (آذار) الماضي بوجود مجموعات إرهابية في ليبيا، معلنة الحرب عليها وداعية المجتمع الدولي للمساعدة.
إلى ذلك، أعلنت الحكومة الليبية تخصيص ميزانية تقديرية نحو 50 مليون دينار ليبي لمساعدة العائلات الليبية في كل من تونس ومصر التي تعاني من أوضاع معيشية صعبة. كما شكلت لجنة لدراسة أوضاع هذه العائلات في أماكن وجودها وتحديد الاحتياجات الخاصة بها. واقترحت وزارة الأوقاف تقديم مبلغ إضافي من صندوق الزكاة ليسهم في حل هذه المشكلة. وقال بيان للحكومة إن مجلس الوزراء وافق على تكليف وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الخارجية بوضع تصور لكيفية تقديم المساعدات للأسر الليبية النازحة في تونس ومصر، وتوفير الاحتياجات العاجلة للأسر المعوزة التي تعاني من أوضاع معيشية وصحية سيئة، وإعداد مقترح بكيفية تقديم المساعدة العاجلة لهم قبل حلول شهر رمضان المبارك.
من جهته، قال محمد الأمين، الناطق الرسمي باسم الحكومة الليبية، في مؤتمر صحافي عقده أمس تعليقا على استمرار خطف السفير الأردني ودبلوماسيين تونسيين، إن هناك العديد من الإجراءات التي يتم اتخاذها بين البلدين للتنسيق في هذا الملف، مشيرا إلى أن وزارتي الداخلية والخارجية تتابعان هذا الموضوع بشكل دقيق. وأضاف «ليست هناك مستجدات، لكن هناك فقط إشاعات، وهي غير صحيحة، والأمور تتم معالجتها من الجهات المعنية ويتم التحقيق فيها».



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.