من منصة «دافوس»... ماي تعلن أن بلادها ستقود التجارة الحرة عالميًا

الجنيه الإسترليني يشهد تعاملات هادئة خلال خطاب رئيسة الوزراء

رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي أثناء إلقاء كلمتها في منتدى دافوس أمس (أ.ب)
رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي أثناء إلقاء كلمتها في منتدى دافوس أمس (أ.ب)
TT

من منصة «دافوس»... ماي تعلن أن بلادها ستقود التجارة الحرة عالميًا

رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي أثناء إلقاء كلمتها في منتدى دافوس أمس (أ.ب)
رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي أثناء إلقاء كلمتها في منتدى دافوس أمس (أ.ب)

بعد يومين من تأكيدها مغادرة بريطانيا السوق الأوروبية الموحدة لإحكام سيطرتها على الحدود، اعتلت رئيس الوزراء، تيريزا ماي، أمس منصة «دافوس»، لإقناع العالم بمشروع بلادها، وتجديد الثقة بالتزام لندن بدعم التجارة الحرة ومبادئ الديمقراطية والليبرالية. ولم تتوقف ماي عند هذا الحد، بل ذهبت للتأكيد أن بلادها ستلعب دورا قياديا في الحفاظ على التجارة الحرة وتعزيزها على الصعيد العالمي، في محاولة لطمأنة حلفائها الغربيين بأن قرار مواطنيها الانفصال عن الاتحاد الأوروبي لا يعني الانعزال، وإنما الانفتاح على العالم أجمع وتجاوز الحدود الأوروبية.
ولم تكن مهمة قاطنة «10 داونينغ ستريت» أمس هينة، إذ إنها خاطبت من قلب جبال الألب السويسرية آلاف المسؤولين السياسيين والاقتصاديين الذين لطالما شككوا في سياساتها، وانتقدوا غموض خطتها لـ«الخروج»، التي لم تعلن عن خطوطها العريضة إلا الثلاثاء الماضي.
ولم تحظ ماي بخطاب التقديم التقليدي الذي اعتاد كلاوس شواب، مؤسس ورئيس المنتدى الاقتصادي العالمي، على إلقائه لتقديم ضيوفه، إذ إنه لم يكن بالحماس نفسه الذي سبق كلمة الرئيس الصيني الافتتاحية، ولا بـ«الدفء» ذاته الذي عبر عنه تجاه نائب الرئيس الأميركي المنتهية ولايته جوزيف بايدن.
وبعد أن أعرب شواب عن تشبثه بالاتحاد الأوروبي، ودور الأخير في الحفاظ على الأمن والاستقرار، عاد ليشدد على احترامه الشديد لمبادئ الديمقراطية، وبالتالي لإرادة الشعب البريطاني.
ويبدو أن خطاب ماي لاقى ردود فعل مختلطة بين أصداء إيجابية وأخرى مشككة في مختلف أنحاء القاعة، ورحب الحضور بخطابها المنفتح على أوروبا والعالم، وبدعوتها الحكومات وقطاع الأعمال إلى الالتزام بـ«قيادة مسؤولة ومتجاوبة»، قادرة على استيعاب الجميع وتحقيق نمو اقتصادي عادل وشامل.
إلا أن البعض الآخر لم يقتنع بتأكيدها أن «البريكسيت» لم يكن سوى قرار يهدف إلى استعادة «الديمقراطية البرلمانية» وتحديد المصير، و«جعل بريطانيا أكثر انفتاحا على العالم».
وعلى غرار الرئيس الصيني شي جينبينغ، تناولت ماي ضرورة الموافقة بين العولمة ومصالح الفئات المهمشة، وقالت إن العالم يزخر بمستويات ثراء غير مسبوقة، إلا أن «كثيرا يشعرون أن ذلك لا يفيدهم». وأضافت: «الحديث عن مزيد من العولمة يخيف البعض. فبالنسبة لهم، ذلك يعني أنهم سيخسرون وظائفهم لصالحهم، وأن رواتبهم ستنخفض».
ودعت رئيسة الوزراء البريطانية، في انتقاد ضمني لنخبة العالم، الشركات العالمية إلى تحمل مسؤولياتها الاقتصادية والاجتماعية تجاه المواطنين.
وفي رد غير مباشر على انتقادات نظرائها الأوروبيين بشأن «غموض» خطط حكومتها، قالت رئيسة الوزراء البريطانية إن بلادها تواجه فترة تغير مهمة بعد قرارها بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وإنها بحاجة إلى صياغة دور جديد لها في العالم.
وأضافت ماي أن بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي ستخطو للأمام نحو الاضطلاع بدور قيادي جديد كمناصر قوي للأعمال وللأسواق الحرة والتجارة الحرة.
وأكدت: «لا يجب أن نقلل من شأن هذا القرار. إن على بريطانيا مواجهة فترة تغير مهمة، وهو ما يعني أنه ينبغي علينا أن نخوض مفاوضات صعبة، ونصيغ دورا جديدا لأنفسنا في العالم... وهذا يعني القبول بأن الطريق الذي نسير فيه ربما لا يكون واضحا في بعض الأحيان».
ومتحدثة عن صفقات التجارية الحرة بعد «البريكسيت»، قالت ماي إن بريطانيا بدأت مناقشة مستقبل علاقاتها التجارية مع عدد من الدول من بينها نيوزيلندا وأستراليا والهند. وجاء ذلك بعد إعلانها في وقت سابق أن بريطانيا في حاجة إلى إبرام اتفاق تجارة «جريء وطموح» مع الاتحاد الأوروبي عقب خروجها منه.
وعلق زعيم حزب العمال جيريمي كوربين - الذي لم يحضر «دافوس» - قائلا: «تحدثت رئيسة الوزراء اليوم (أمس) في (دافوس) عن جعل العولمة تعمل لصالح الجميع، لكن الأعمال أعلى من الكلمات».
ويرى الفائز بجائزة نوبل السير إنغوسديتون، أن خطاب ماي غاب عنه بعض القضايا الرئيسية، منها حديثها عن خروج بريطانيا من السوق الموحدة والاعتماد على سبل التجارة الحرة، قائلا إن «ماي تحدثت عن التجارة الحرة ولم تتحدث عن الاتحاد الجمركي»، مشيرا إلى أنه سيضر بريطانيا؛ «لذلك، أنا لم أغير توقعاتي أنه على المدى الطويل بريطانيا ستكون أفضل حالا داخل الاتحاد الأوروبي من خارجه».
وأضاف ديتون، أن «عند رؤية ماي للوهلة الأولى تذكرنا بثاتشر، لكن عند الاستماع إليها تتأكد من الاختلاف. ثاتشر كانت تقول لا يوجد مجتمع، في حين كانت تتحدث عن المجتمع، وهي كانت حريصة على البقاء داخل الاتحاد الأوروبي».
وكانت السوق المالية البريطانية أكثر هدوءا من حرارة استقبال خطاب ماي في «دافوس»، ففي بداية الخطاب ارتفع الجنيه الإسترليني أمام الدولار بنحو 0.47 في المائة إلى 1.2314 دولار، وبلغ ذروته في منتصف حديثها إلى 1.2332 دولار، ومع اقتراب انتهاء حديث ماي جنح الإسترليني إلى مستوى البداية، ولكنه أظهر تحركا إيجابيا خلال تعاملات أمس.
ومقابل اليورو، ارتفع الإسترليني بنحو 0.19 في المائة في بداية الخطاب، وانتهى مقوضا المكاسب بارتفاع قدره 0.16 في المائة إلى 1.1548 يورو، بينما انخفض المؤشر الرئيسي البريطاني «فوتسي100» بنحو 0.55 في المائة من مستوى 7216 نقطة إلى مستوى 7208 نقطة.
وقال عمدة لندن صادق خان، للصحافيين في «دافوس»، إن الشركات التي ستترك لندن لن تنتقل بشكل دائم إلى أوروبا، مؤكدا ترحيبه بخطة ماي ووجودها في «دافوس». وحذر من خطابها يوم الثلاثاء الماضي الذي أعلنت فيه رئيسة الوزراء ترك السوق الموحدة الأوروبية، في الوقت ذاته شدد على أن على ماي أن تستمع إلى كبار المسؤولين والتنفيذيين والمبدعين ورجال الأعمال والقادة السياسيين.
وقال: «لا نشعر بالاستياء هنا، لكن يجب الاعتراف بأن ما يسمى الطلاق الصعب لن يفيد أحدا في لندن أو المملكة المتحدة أو أوروبا»، مضيفا أن الشركات التي تسعى لترك لندن لا تتجه إلى باريس أو بروكسل أو مدريد أو فرنكفورت، بل تذهب إلى نيويورك وسنغافورة وهونغ كونغ. وأكد خان قبوله التام بنتيجة الاستفتاء، لكنه جادل بأن «لا أحد صوّت لجعلنا أكثر فقرا»، مشيرا إلى ضرورة أن تعطي الحكومة الأولوية للحصول على «امتياز الوصول إلى سوق واحدة»، حتى تظل لندن مكانا جاذبا للموهوبين والاستثمار.
وأوضح أن هناك خبرين، أحدهما سار أنه على المدى الأشهر الستة الماضية أعلنت شركات «غوغل» و«آبل» و«فيسبوك» و«سنابشات» استمرارها في لندن، والآخر سيئ، وهو أن نتيجة خطاب ماي يوم الثلاثاء الماضي أعلنت بعض البنوك وشركات الاستثمار عن قلقها بشأن مستقبلها في المملكة المتحدة.
وفي إطار العواقب الاقتصادية لـ«البريكسيت» على بريطانيا والاتحاد الأوروبي، كشفت صحيفة اقتصادية ألمانية قبل ساعات من خطاب ماي في «دافوس»، أن المصرف الأميركي «غولدمان ساكس» يريد إعادة تنظيم عمله في إطار عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وينوي خصوصا نقل ألف وظيفة إلى فرنكفورت.
وكتبت صحيفة «هاندلسبلات»، نقلا عن مصادر مالية لم تكشفها، أن «عدد العاملين في بريطانيا يفترض أن يُخفض بمقدار النصف، ليصل إلى نحو ثلاثة آلاف، لأن هذه المؤسسة تريد نقل وظائف داخل أوروبا وإلى مقرها في نيويورك».
وأضافت أن المصرف «ينوي نقل عدد قد يصل إلى ألف موظف إلى فرنكفورت، بينهم موظفون مرتبطون بعمليات الوساطة ومصرفيون رفيعو المستوى»، من أجل الاستفادة من وجود سلطة الإشراف المصرفية الأوروبية التابعة للبنك المركزي الأوروبي في العاصمة المالية لألمانيا.
وتابعت صحيفة الأعمال، أن جزءا من الفرق العاملة في لندن قد يذهب إلى بولندا وفرنسا وإسبانيا، بينما قد ينقل بعض الموظفين إلى مقر المجموعة في نيويورك.
وكان المصرف البريطاني «إتش إس بي سي» أكد الأربعاء (أول من أمس)، أن ألف وظيفة في قطاع نشاط الاستثمار في البنك في لندن ستنُقل إلى باريس مع الخروج من السوق الأوروبية المشتركة الذي أعلنت عنه رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي الثلاثاء الماضي.
وتخشى المؤسسات الدولية التي لها فرع أوروبي في لندن خسارة امتياز «جواز السفر الأوروبي» الذي يسمح لها بالقيام بأعمال في الدول الـ28 الأعضاء في الاتحاد برخصة بريطانية فقط، وهي تبحث عن مراكز بديلة لبعض نشاطاتها، وعلى رأس هذه الأماكن فرنكفورت وباريس ودبلن.



لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.