اتفاق فتح وحماس على إنهاء سنوات الانقسام

إعلانا الدوحة والقاهرة مرجعية.. وحكومة «توافقية» خلال أسابيع وانتخابات بنهاية العام * إسرائيل ألغت جولة محادثات وواشنطن مستاءة

إسماعيل هنية يتوسط عزام الأحمد وموسى أبو مرزوق بعد الإعلان عن اتفاق المصالحة في غزة أمس (رويترز)
إسماعيل هنية يتوسط عزام الأحمد وموسى أبو مرزوق بعد الإعلان عن اتفاق المصالحة في غزة أمس (رويترز)
TT

اتفاق فتح وحماس على إنهاء سنوات الانقسام

إسماعيل هنية يتوسط عزام الأحمد وموسى أبو مرزوق بعد الإعلان عن اتفاق المصالحة في غزة أمس (رويترز)
إسماعيل هنية يتوسط عزام الأحمد وموسى أبو مرزوق بعد الإعلان عن اتفاق المصالحة في غزة أمس (رويترز)

أنهت حركتا فتح وحماس سبعة أعوام من الخلافات أمس، بالاتفاق في قطاع غزة على تشكيل حكومة كفاءات وطنية، خلال خمسة أسابيع تكون مهمتها التحضير لإجراء انتخابات عامة رئاسية وتشريعية خلال ستة أشهر على الأقل، وتعالج كل القضايا الخلافية الأخرى المتعلقة بملفات الحريات العامة والأمن والتوظيف والاعتقال السياسي والإعلام. وفور الإعلان عن المصالحة، عبرت إسرائيل عن رفضها للخطوة، وقال إسماعيل هنية، نائب رئيس المكتب السياسي لحماس في مؤتمر صحافي بعد توقيع وثيقة الاتفاق أمس: «هذه بشرى نزفها لشعبنا الفلسطيني في الوطن والشتات.. انتهاء مرحلة وسنوات الانقسام».
وتلا هنية وثيقة الاتفاق، قائلا إن «الطرفين استعرضا الأوضاع السياسية التي تمر بها قضيتنا وحالة الانسداد السياسي وقد استحضر الجميع المسؤولية الوطنية حتى يتسنى لشعبنا مواصلة طريقه حتى الحرية والعودة وإقامة الدولة». وأضاف: «من هذه المنطلقات الوطنية والدينية والقومية السامية تداعى وفد منظمة التحرير ووفد حركة حماس للقاء على أرض غزة الصمود ووضعا اتفاق، وعقدا اجتماعين على مدار اليومين بين الوفدين وجرى الاتفاق على ما يلي، أولا: التأكيد على الالتزام بكل ما تم الاتفاق عليه في اتفاق القاهرة والاتفاقات الملحقة له، وإعلان الدوحة واعتبارهما المرجعية عند التنفيذ. ثانيا الحكومة: يبدأ الرئيس مشاورات تشكيل حكومة التوافق الوطني بالتوافق مع الفصائل، من تاريخه وتعلن خلال الفترة القانونية وهي خمسة أسابيع استنادا إلى اتفاق القاهرة وإعلان الدوحة». وأضاف أن العنصر الثالث من الاتفاق يشمل «التأكيد على تزامن الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني، ويخول الرئيس بتحديد موعد الانتخابات بالتشاور مع القوى والفعاليات على أن يتم إجراء الانتخابات بعد ستة أشهر من تشكيل الحكومة على الأقل، وتتم مناقشة ذلك في لجنة تفعيل منظمة التحرير في اجتماعها القادم». وفيما يخص منظمة التحرير الفلسطينية، قال هنية: «تم الاتفاق على عقد اجتماع للجنة تفعيل وتطوير منظمة التحرير لممارسة مهامها المتفق عليها في الاتفاقات في غضون خمسة أسابيع من تاريخه والتأكيد على دورية وتواصل اجتماعاها بعد ذلك». وأما لجنة المصالحة، فأعلن عن «الاتفاق على العمل الفوري للجنة المصالحة المجتمعية ولجانها الفرعية استنادا إلى ما تم الاتفاق عليه في القاهرة.. (واتفق الطرفان على) التأكيد على تطبيق ما تم الاتفاق عليه في القاهرة في ملف الحريات العامة ودعوة لجنة الحريات العامة في الضفة والقطاع لاستئناف عملها فورا وتنفيذ قراراتها». والنقطة الأخيرة في البيان شددت على تفعيل «المجلس التشريعي والقيام بمهامه» في المرحلة المقبلة. ومع توقيع الاتفاق في غزة، سيبقى التنفيذ هو المحك الفعلي الذي ستختبر فيه إرادة الطرفين.
وقالت مصادر فلسطينية مطلعة إن «الطرفين تجازوا معظم الخلافات التفصيلية السابقة، مثل وقت الانتخابات ومسألة حلف اليمين وعمل المجلس التشريعي». وأضافت المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن «المناقشة جارية حول إمكانية تسلم شخص آخر منصب رئيس الحكومة المقبلة بدلا من الرئيس الفلسطيني محمود عباس، على أن تؤدي الحكومة اليمين أمام الرئيس وتحصل على الثقة من المجلس التشريعي».
وطرحت خيارات مختلفة خلال محادثات اليومين الماضيين من بينها أن يبقى رامي الحمد الله، رئيس الحكومة الحالي في منصبه، أو أن يتم ترشيح ناصر الدين الشاعر نائب رئيس الحكومة التي شكلتها حماس عام 2006 لهذا المنصب.
وسئل عزام الأحمد، مسؤول وفد منظمة التحرير، حول هذه القضية فقال، إن «القرار في أن يترأس الحكومة الرئيس أو شخص آخر عائد للأخ الرئيس أبو مازن (عباس)». وأوضح هنية أن حماس لم تعارض ترؤس عباس للحكومة لكنها اقترحت توزيع المهام و«تخفيف العبء عنه». وأكد هنية والأحمد أن مهمة الإطار القيادي لمنظمة التحرير ستكون بحث إعادة تشكيل منظمة التحرير وانضمام حركتي حماس والجهاد إلى المنظمة، فيما أن البرنامج السياسي للمنظمة سيقرره المجلس الوطني الجديد بعد انتخابه.
وكان وفد قيادي شكله الرئيس الفلسطيني، وصل إلى غزة الليلة قبل الماضية وباشر في عقد اجتماعات طويلة استمرت حتى فجر أمس مع وفد حماس، قبل أن يعاودوا الاجتماع أمس ومن ثم يعلنوا الاتفاق.
وقال الأحمد فور وصوله غزة: «لحظة الصفر قد حلت لإنهاء الانقسام». وناقشت الجلسات كل الملفات محل الخلاف إلى جانب الملفات الرئيسة بما في ذلك المعتقلين وتوزيع الصحف في الضفة وغزة.
واتفق الطرفان على الإفراج عن المعتقلين بعد إنجاز الحكومة من خلال لجنة الحريات. ويفترض أن يصدر الرئيس الفلسطيني مرسومين رئاسيين، واحد بتشكيل الحكومة بعد أن تستقيل كل من الحكومتين في الضفة وغزة، وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في الوطن بعد انتهاء مهلة التشاور.
ويشكل الاتفاق انتصارا للسلطة الفلسطينية في رام الله التي تمر بأزمة سياسية كبيرة، ويعيد للرئيس الفلسطيني السيطرة على كل المناطق الفلسطينية، ولحماس المحاصرة في قطاع غزة إذ تخرج من عزلتها المتزايدة في ظل السلطة والمنظمة.
لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رمى العصا أمام العجلة مبكرا، بتخييره الرئيس الفلسطيني بين «السلام مع إسرائيل» أو المصالحة مع حماس المعادية لإسرائيل.
وتساءل نتنياهو خلال تصريحات للصحافيين في اجتماع مع وزير الخارجية النمساوي سيباستيان كورتس «هل يريد (عباس) السلام مع حماس أم السلام مع إسرائيل؟» وأضاف: «لا يمكن أن يجتمع السلام مع حماس والسلام مع إسرائيل. أتمنى أن يختار السلام. وهو لم يفعل ذلك حتى الآن».
وكان الغضب ظاهرا على نتنياهو من احتمال المصالحة بين الفلسطينيين.
قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، نتنياهو، مساء أمس، إن «إسرائيل قررت إلغاء الجلسة التفاوضية التي كان مقررا عقدها ليلة أمس احتجاجا على اتفاق المصالحة الذي وقع بين حماس وفتح». ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مكتب نتنياهو قوله، إن «الاجتماع كان مقررا أن يتم بين فريقي المفاوضات الإسرائيلي والفلسطيني كجزء من المفاوضات السياسية، وقد تم إلغاؤه في أعقاب التوقيع على اتفاق مصالحة بين حركتي فتح وحماس». ولم يفض اجتماع عقد أول من أمس بين مفاوضين فلسطينيين وإسرائيليين إلى اتفاق. وقالت مصادر لـ«الشرق الأوسط» إن «ثمة خلافات حول ملف الأسرى والاستيطان والحدود كذلك».
كما هاجم وزراء إسرائيليون اتفاق المصالحة الفلسطينية، وعدوه إنهاء للمفاوضات. وقال «وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان بأن توقيع الاتفاق بين فتح وحماس على تشكيل حكومة تكنوقراط قريبا يعتبرا توقيعا على نهاية المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل».
أما وزير الاقتصاد، رئيس حزب البيت اليهودي اليميني المتطرف، نفتالي بينيت، فعقب على المصالحة الفلسطينية، قائلا «هذه المصالحة ستشكل حكومة وحدة وإرهاب».وأصدر عباس بيانا مساء أمس يؤكد فيه أن المصالحة مع حماس لا تتناقض مع جهود السلام مع إسرائيل، قائلا: إن «دولة مستقلة» بجوار إسرائيل ما زالت هدفا له. وبينما دارت المفاوضات في غزة، قدم رئيس الوزراء الأردني عبد الله النسور الدعم الأردني الكامل للسلطة الفلسطينية في رام الله أثناء زيارة قصيرة له على رأس وفد وزاري كبير. وقال النسور بأن وجوده في رام الله «دليل على رسالة الدعم التي يحملها للشعب الفلسطيني وخاصة في هذه الأيام».
وأضاف النسور في مؤتمر صحافي مع رئيس الوزراء الفلسطيني الحمد الله: «المملكة الأردنية الهاشمية ستعمل على الدوام ومن دون تردد ومن دون حسابات لنصرة الشعب الفلسطيني وستظل سنده وظهيره بشأن كل ما يرفع عنه هذه الغمة التاريخية التي لا مثيل لها في التاريخ، ومعاناة الشعب الفلسطيني تصيبنا».
ووصل النسور إلى رام الله على متن طائرة أردنية حطت في مقر الرئاسة الفلسطينية، بهدف ترؤس اجتماعات اللجنة الأردنية الفلسطينية العليا المشتركة في دورتها الرابعة وترأس الحمد الله الجانب الفلسطيني.
ووقع وزراء أردنيون وفلسطينيون نحو 9 اتفاقيات بحضور الرئيس الفلسطيني، بينها مذكرة تفاهم وتعاون دولي مشترك وبروتوكول تعاون في مجال حماية الإنتاج الوطني، وبرنامج تنفيذي للتعاون في مجال المنافسة، وبروتوكول معدل للتعاون الصحي بين البلدين، ومسودة اتفاقية في مجال الحماية المدنية والدفاع المدني، ومذكرة تفاهم في مجال التسويق الزراعي، ومذكرة تفاهم في مجال الأرصاد الجوية.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.