كتاب ينافسون نجوم الغناء والسينما

أعمالهم تباع بالملايين ويحتكرون قائمة الأكثر مبيعا

كتاب كويلو «الخيميائي» يحتل المرتبة الأولى في قائمة الكتب المترجمة إلى لغات أخرى - دان براون - جي.كي. رولينغ - ستيفن كينغ
كتاب كويلو «الخيميائي» يحتل المرتبة الأولى في قائمة الكتب المترجمة إلى لغات أخرى - دان براون - جي.كي. رولينغ - ستيفن كينغ
TT

كتاب ينافسون نجوم الغناء والسينما

كتاب كويلو «الخيميائي» يحتل المرتبة الأولى في قائمة الكتب المترجمة إلى لغات أخرى - دان براون - جي.كي. رولينغ - ستيفن كينغ
كتاب كويلو «الخيميائي» يحتل المرتبة الأولى في قائمة الكتب المترجمة إلى لغات أخرى - دان براون - جي.كي. رولينغ - ستيفن كينغ

على عكس ما تخبرنا به التقارير السابقة، القراءة لم تختف من الوجود، بل هي أبعد ما تكون عن ذلك؛ فالكاتب البرازيلي باولو كويلو له عدد كبير من القراء، وأدرجت أشهر كتبه، وهي «الخيميائي»، التي تروي قصة راعي غنم شاب من الأندلس يشرع في تنفيذ مهمة شخصية يقضي فيها ثمانية أعوام، وهي مدة فترتين رئاسيتين، على قوائم الكتب الأكثر مبيعًا، كذلك تمت ترجمة الكتاب إلى 81 لغة. مع ذلك ليس «الخيميائي» سوى أحد أعمال كويلو، التي يربو عددها على الثلاثين. وصدر كتابه «الجاسوس» في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وبلغ عدد النسخ المبيعة منه 350 مليون نسخة تقريبًا. الكتب إذن، هذه الأعمال الزاخرة بالكلمات، التي كان من المتوقع أن يتخلى عنها الناس منذ فترة طويلة تحت تأثير المقاطع المصورة، والمدونات، والنشرات الصوتية، لا تزال تجد قراء، وبالملايين.
وليس كويلو وحده في هذا المجال؛ فقد بلغ عدد النسخ المبيعة لأعمال ستيفن كينغ، سيد الرعب، التي تزيد على الخمسين مؤلفا، 350 مليون نسخة. ولدان براون ملايين القراء أيضًا؛ فقد بلغ عدد النسخ المبيعة من كتابه «شفرة دافنشي» فحسب، التي ربما تكون في مكتبتك بالفعل، 80 مليون نسخة. وتتصدر أعمال مثل «الصافرة» لجون غريشام الآن قوائم الكتب الأكثر مبيعًا، ومن المؤكد أن نسخ من كتاب كينغ «نهاية المناوبة» كانت تحت أشجار عيد الميلاد في مختلف أنحاء أميركا، أو وجدت نسخ من أعماله السابقة داخل علب هدايا أعياد الميلاد.
هناك كتّاب أعمالهم من الكتب الأكثر مبيعًا، وهناك مؤلفون حققت أعمالهم مبيعات هائلة، حيث بلغ عدد النسخ التي بيعت من أعمالهم مائة مليون نسخة أو يزيد. من هؤلاء الكتّاب كين فوليت، ونورا روبرتس، وجيمس باترسون، وستيفاني ماير، وربما يكون هناك المزيد.
نحن نعيش في زمن يواجه فيه الترفيه عراقيل كثيرة، حيث لم يعد الكثيرون يذهبون إلى دور السينما، أو يشترون أقراصا مدمجة، أو يشاهدون التلفزيون، وتبحث الأجيال الشابة عن التسلية على هواتفهم في أغلب الأحوال. مع ذلك لا يزال هناك أشخاص يشترون عددًا لا يحصى من الكتب، أكثرها أعمال لمؤلفين لا يزورون قائمة الأكثر مبيعًا كثيرًا فحسب، بل يقيمون فيها. وليس لدى المؤلفين، الذين تباع نسخهم بالملايين، قرّاء فحسب، بل لديهم معجبون أيضًا مثل نجوم الروك، يحرصون حتى على حضور الفعاليات، التي يقيمها المؤلفون، مثل فعاليات نيكولاس سباركس.
تباع أعمال هؤلاء المؤلفين في كل مكان مثل المتاجر التي تبيع المنتجات بأسعار منخفضة، والصيدليات، والسوبر ماركت؛ وكذلك لا تخلو منها أي منصة في مطار للباحثين عن كتاب يرافقهم في السفر. ويعد التطور التكنولوجي من الأسباب وراء تحقيق تلك المبيعات المذهلة، بفضل الكتب الإلكترونية، وتسارع وتيرة الطباعة، والتوزيع. منذ فترة ليست بالبعيدة، كان على بائعي الكتب، والقراء الانتظار فترة طويلة للحصول على طبعات إضافية لرواية حققت نجاحًا كبيرًا؛ أما اليوم إذا كنت تريد نسخة من كتاب «اعبر الخط» لباترسون، أو «اثنين اثنين» لسباركس، ونفدت النسخ في المكتبة القريبة منك، فيمكنك تنزيل نسخة إلكترونية من الكتاب من خلال الإنترنت في دقائق معدودة، أو طلب نسخة ورقية من موقع «أمازون» لتصلك في اليوم التالي. كذلك يمكن لبائع الكتب في الحي الذي تسكن به الحصول على نسخة في نهاية الأسبوع.
وقد يُعزى نجاح هذه الأعمال إلى تنامي تأثير السوق الدولية، رغم أن وجود الكثير من البصمات الأجنبية، وتنوع صيغ النشر، بين النسخ الورقية والإلكترونية، يمكن التكهن بإجمالي المبيعات على مستوى العالم بشكل تقديري فحسب. ومن بين المؤلفين، الذين حققت أعمالهم مبيعات هائلة روبرتس، ودانييل ستيل، وديبي ماكومبر، وأر. إل. ستاين، ماكينة غزل قصص الرعب للأطفال، وسباركس، شاعر الحب، الذي لا يحب حصره داخل تصنيف الرومانسية، وجي. كي. رولينغ، سيدة السحر البريطانية، التي تقدر مبيعات كتبها بأكثر من 450 مليون نسخة، وإي. إل. جيمس، وغريشام، وكينغ، وبراون، ودين كونتز، وجيفري أرشر، وديفيد بالداتشي، وماري هيغينز كلارك، سحرة كتب الإثارة.
كيف تصبح كاتبًا ناجحًا جدًا مثل هؤلاء؟ الكتابة لا تكفي، رغم أنه تمت قراءة بعض تلك الروايات على هذا النحو. تتنوع جودة الكتابة والسرد بدرجة كبيرة، لكن هناك بعض أوجه الشبه بين الكتّاب الناجحين. إنهم بالأساس منتجون بشكل استثنائي، حيث ينشرون أعمالهم بانتظام يشبه عمل الساعة السويسرية، أي مرة أو مرتين سنويًا، بل وشهريًا في حالة باترسون، الذي يعد صناعة بحد ذاته، بفضل فريق الكتّاب الذين يعملون معه، أو روبرت ليدليم، الذي لا تزال سلسلة أعماله «بورن»، وغيرها من الكتب تنشر لفترة طويلة بعد وفاته عام 2001 بفضل المؤلفين الذين يكتبون باسمه.
يقول جيمي راب، رئيس دار نشر «غراند سنترال بابليشينغ»، التي حصلت على حقوق نشر أول رواية لسباركس «دفتر التدوين» حين كان مندوب بيع عقاقير غير معروف: «لا يمكنك أن تكون أعجوبة بكتاب أو اثنين؛ إذ قد يجذب المؤلفون مثل سباركس الكثير من القراء في البداية، لكن يجب الاحتفاظ بهم».
نادرًا ما يتعامل كبار الكتّاب مع شعبيتهم باعتبارها أمرًا مسلما به، حيث يذهبون إلى حيث يوجد القرّاء، ويحرصون على التواجد بين الشباب لفترة طويلة بعد ترسيخ أقدامهم كتّابا، وجني ثروة، والوصول إلى النجومية. في يونيو (حزيران)، قام كينغ بعمل جولة مع روايته «نهاية المناوبة» في دايتون، في ولايتَي أوهايو، وتولسا، ومقاطعة سولت ليك سيتي، وهي أماكن بدأ يتجه إليها مؤلفو الأعمال الأدبية. كذلك يحرص أصحاب الأعمال، التي تحقق مبيعات هائلة، على إبقاء المواقع الإلكترونية نشطة، وكذلك يتواجدون على مواقع التواصل الاجتماعي بقوة. على سبيل المثال، وصل عدد المعجبين بصفحة براون على موقع الـ«فيسبوك» إلى 6.5 مليون.
مع ذلك، يقدم أكثر هؤلاء المؤلفين قصصًا رائعة؛ ففي رواياتهم، وبخاصة روايات الإثارة والمغامرات، والخيال العلمي، تكون الحبكة الدرامية هي الأهم؛ ويمكن الإحساس بقرب أبطال الرواية من النفس، حيث يتسمون بصفات مثل الخجل، والقلق، وقصر النظر، والانكسار، والتعافي، وسرعة الغضب، وينتمون إلى الطبقة المتوسطة، لكنهم يعيشون قصصا مذهلة، مشوقة، تمثل فرصة للقارئ للهرب من حياته اليومية. في الروايات الرومانسية يكون للحب وضع متميز، ومقدر، يتحدى المنطق والسببية.
تقول سوزان هيرز، نائبة رئيس دار نشر «دابلداي» التي تتولى تشر أعمال غريشام وبراون «لا يمكن التقليل من قدر الترفيه الذي يقدمه أولئك المؤلفون. هناك دائمًا موضوع الصراع مثل صراع داود وجالوت؛ فأنت تريد أن ينتصر البطل في النهاية»، وذلك لأن الأبطال يستحقون ذلك. أما نان غراهام من دار نشر «سكريبنر»، التي تقوم بتحرير أعمال كينغ، فتقول «من الأمور التي تجعل كينغ شخصًا استثنائيًا هو إبحاره في المنطقة الوسطى بين العادي والفائق للعادة، لكنه دائمًا ما يبدأ بالرجل العادي. وينتمي الكثير من أبطال رواياته إلى الطبقة العاملة؛ وهم من وسط أميركا».
وتتفق معها في ذلك ريغان آرثر، صاحبة دار نشر «ليتل بروان»، التي تنشر أعمال لمؤلفين منهم باترسون، وماير، ومايكل كونيلي (60 مليون نسخة). وتشير إلى أن الأبطال في روايات أولئك الكتّاب يمكن الاعتماد عليهم، حيث يعود إليهم القارئ، مع تقديم قصة تمثل فرصة للهرب. وبالطبع، لا يمكن التقليل من قوة شخصية شريرة مكتوبة جيدًا يمكن للقارئ اتخاذ موقف ضدها.
هل من السهل النجاح؟ لا
لو كان الأمر كذلك لتمكّن عدد أكبر من المؤلفين من بيع ملايين الكتب، كما إن النجاح لا يتحقق دائمًا مع أول كتاب، كما في حالة جيليان فلين، التي نشرت كتابين قبل أن يحقق كتابها «الفتاة الراحلة» نجاحًا باهرًا، وبيع منه أكثر من 15 مليون نسخة. ولا يوجد أي شيء يضمن تكرار هذا الأمر.

* خدمة «واشنطن بوست»



الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.


الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما
TT

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران وما يولده من رهاب ويستتبعه من خرائب، باحتمالات الفهم والتأويل الروائيين للأمكنة، التي مثلت إحدى أهم ركائز الوعي الأوروبي بالجغرافيا وبتحولات المدن والأرياف في القارة العجوز، وهو الفهم الذي جعل تييري پاكو يرى في الانتماء إلى «مكانٍ ما»، الأساس المرجعي للأحاسيس المستثمرة في بلاغة الأدب، ما دام كل مكان لا يمكن ترجمته إلا بمقدار ما يمثله من صدمات، أو ما يفتقر إليه من مزايا، أو ما يولده من نشوة وحبور.

سرعان ما تتحول مختلف فصول وفقرات كتاب «حب الأمكنة» إلى مساحة غنية بالإحالات الروائية الممتدة من «بروست» إلى «آني إرنو» إلى «كريستيان بوبان» ومن «بول أوستر» إلى «فليب توسان»، وآخرين... للبرهنة على جوهرية وجود هذا الـ«مكان ما»، من حيث هو كيان متعدد، يؤوي طيفاً كاملاً من المشاعر، بيد أن أحدها يهيمن في النهاية ويصبغ المجموع بنبرته الخاصة. وينتج في النهاية ما يسميه تييري پاكو بـ:«إيكولوجيا التعبير الأدبي» التي تستدعي إلى الذهن: «كيف صاغت الأمكنة من الكائن ما صار عليه، على نحو يجعل وجوده، وعلاقاته بالآخرين وبالأرض، قابلاً للفهم والإدراك» (ص 13).

وبناء عليه يتحول العمران إلى علة لهندسة التخييل، بالمقدار ذاته الذي يكون فيه الدمار قاعدة لـ«تبيئة» الوجود الشخصي، وبيان تعلقه بالمدن التي ينتسب لها، وما تحتويه من شوارع وساحات وحدائق ومرافق صمدت أو انمحت أو تحولت إلى أطلال مهجورة. حتى المنفي، والمُهجّر، والمشرد، والسجين، والمريض في المستشفى، لديهم أيضاً «مكان ما»؛ يحنون إليه، أو يبحثون عنه، أو يبنون صرحه في مخيلاتهم، مزيجاً بين «ما هو فِطري/أصلي» و«ما هو كوني»، بين «الوطن» و«المكان الذي نصير فيه ما نحن عليه».

والظاهر أنه حين كتب الروائي المغربي، الفرنكوفوني، محمد خير الدين روايته الأولى «أغادير»، فقد استهدف تركيب ملامح «ما صار عليه شخصه» في مدينة هدها الزلزال؛ كان ثمة تلال من أنقاض عمارات ودور قضى أهلها، وانتصبت الهياكل وبقايا الجدران المشروخة، والأتربة، والروائح العفنة للجثث المتفسخة، في «أمكنة ما» من شوارع المدينة المنكوبة، وكان زلزالاً رهيباً محا معالم المدينة، ولحقه خراب إنساني بعد نهب ما تبقى منها، من قبل آفاقيين وافدين لسلب ما تحت الأنقاض. وعبر التاريخ ظلت الزلازل والحروب والفيضانات هي التي تعيد تقليب مصائر التوق العمراني للمدن، وتخطط انزياحاتها وارتكاساتها وقطائعها؛ أغادير بعد الزلزال، وبرلين بعد اجتياح الحلفاء، وبغداد بعد حرب الخليج الثانية، وبيروت بعد الحرب الأهلية، ثم الموصل وحلب، ومدن عربية عديدة...، ولعل هذا الخراب هو ما يدفع الروائي للوقوف دوماً ضد الحروب وتخطيطات المحو، لأنه مصير يلغي الدعامات الحسية المبرهنة على ما صار عليه في وجوده.

تشيد الرواية دوما ما يسميه تييري باكو بـ«المحل الوجداني» الذي توحي به الكلمة الألمانية die Heimat العصية على الترجمة، والتي تعني في آنٍ واحد: «الوطن، وأرض الميلاد، والمكان الذي نصير فيه ما نحن عليه، والملاذ، والمهد، وبلد الأصل» (ص 12). ففي الرواية نعثر دوماً على هندسات لشتى أصناف «المحل الوجداني» داخل الشوارع والمقاهي والعمارات والحدائق ودور السينما والمكتبات والبارات والمطاعم...، كانت ذات يوم تنبض بالحياة قبل أن يخلدها السرد والشخوص المنتمية إلى «مكان ما» داخلها، لتغدو تدريجياً مدناً متخيلة، تنتمي لذاكرة وزمن وطراز عمران، ولذوق وقيم اجتماعية، ولنمط عيش، واقتصاد مالي؛ ليست «سان بترسبورغ» المنبثقة من روايات دوستيوفسكي، هي لينينغراد زمن الثورة والحرب العالمية الثانية، والحصار الخرافي، ولا هي المدينة التي استعادت اسمها الأول بعد لفظ التجربة الشيوعية، هي طبقات مدن استوطنت الروايات، وانتصبت كتخطيطات روائية للذاكرة، لا تلوح إلا أطيافها اليوم.

في رسالة لإميل زولا إلى صحيفة «لوسيمافور» بمرسيليا، حول ما جرى في أحد أيام حصار «كومونة باريس» سنة 1871، نشرت ضمن كتاب «الأسبوع الدامي»، يقول: «هذه المقاومة اليائسة، هذا القصف البشع لباريس، وحين يضيع الوطن، يشكل من وجهة نظري، أكبر الجرائم التي لا يزال يرتكبها أولئك البائسون الذين يوسخون المدينة منذ شهرين... على التمرد أن يُسحق في مهده بمونمارتر. وحين يُمحى هذا الحي المنفّر بضربات المدفعية، سيكون حفنة من الباريسيين من يبكون عليه... تدميره ضروري بشكل مطلق من أجل خلاص باريس» (ص 34).

ولا يمكن أن نقرأ رسائل إميل زولا تلك، المناهضة لخراب باريس، بما هي دليل على معاداة الروائي، رائد الموجة الطبيعية، للروح الثورية، هو الذي لم يزعم يوماً أنه يساري، كان يتحدث بضمير الباريسي الحريص على روح عمارة عصية على التكرار أو الاستنساخ، ويرى في خرابها انهياراً لذاكرة رمزية، تتخطى منطق الصراع السياسي حول المناطق، لهذا كان الحي الحاضن لما تبقى من الكومونة الباريسية الثورية، جديراً بالمحو إن كان ذلك سيعصم العاصمة من الخراب.

خلد إميل زولا باريس كما لم يخلدها كاتب من معاصريه، كان ينقل الطبقات اللاحسية للعمران، المنطوي على ألغاز مسترسلة، وكشأن أغلب واقعيي رواية القرن التاسع عشر في فرنسا، يهندس النص عبر تلافيف العمران المديني، أسماء شوارع وأزقة، وساحات، وكاتدرائيات، ومصانع، ومحلات تجارية، وجسور، ودور سكنية، تطل كلها عبر تفاصيل بشرية ومسارات حياتية وتحولات وقائع، إنها الغاية التمثيلية ذاتها التي سعت إليها روايات ما بعد الأحداث التي سميت بالربيع العربي، حيث تنهض المدن الروائية لتستعيد المنمحي والمنذور للغياب، من الرقة إلى الموصل ومن حلب إلى عدن. وبعدها بسنوات قليلة تواترت روايات الحروب الأهلية المتناسلة من العراق إلى ليبيا ومن سوريا إلى اليمن، لتعيد هندسة الانتماءات إلى «المحل الوجداني» (بتعبير تييري پاكو) في خريطة عمائر المدن المنزاحة إلى اليباب.

قبل عقد، أو يزيد قليلاً، احتضن متحف «سرسق» في بيروت حواراً نظمه «المركز العربي للعمارة» و«بيت الكتب»، بين الروائي إلياس خوري والمهندس جاد ثابت، نشر مادته فواز طرابلسي ضمن أحد أعداد مجلة «بدايات»؛ دار الحوار عن المدينة المدمرة وتاريخها الذي طمرته الحرب قبل أن تمحوه جرافات السلام، كان لحظة من لحظات المقاومة التي اصطف فيها المعماريون والروائيون معاً في جبهة واحدة لاستعادة «المكان ما» من مشروع إنشاء مدينة نقيضة، هندسها الرأسمال المتوحش، بعد أن مهدت الحرب الأهلية الطريق إليها، وكان الحوار بمثابة بديل عن المدينة المتلاشية، حيث استعاد الكلام الذكريات والأسماء والصور التي انتفت للأبد، وبات التذكير بما ترمز إليه من روح ومعنى لحظة جديدة في صراع مسترسل، ومن ضمن فقرات ذلك الحوار نقف على مقطع لإلياس خوري يختصر كل شيء. يقول:

«نحن نعيش في عالم ملموس رسمه خيال مهندس، وفي هذا العالم، سواء أكان بيتاً أم مقهى أم شارعاً، نحول هذا الواقع إلى متخيل تصنعه أحلامنا. المعماري يحول الخيال واقعاً، بينما يقوم الكاتب بتحويل الواقع بعناصره البشرية والمادية إلى خيال. عملان يفترقان في الهدف لكنهما يلتقيان عند نقطة يتقاطع فيها المتخيل بالمتخيل، بحيث تصير العمارة كتاباً نعيش بين سطوره، وتصير الرواية عمارة نعيش بين أبطالها الذين يصبحون حقيقيين في وعينا».