ليبيا تشرع في سن دستورها بلجنة غير مكتملة

عائلة التونسي المختطف تطالب بتفاوض جدي

أعضاء لجنة الستين لصياغة مشروع الدستور الليبي الجديد في لقطة تذكارية قبيل اجتماعهم الأول أمس في مدينة البيضاء (رويترز)
أعضاء لجنة الستين لصياغة مشروع الدستور الليبي الجديد في لقطة تذكارية قبيل اجتماعهم الأول أمس في مدينة البيضاء (رويترز)
TT

ليبيا تشرع في سن دستورها بلجنة غير مكتملة

أعضاء لجنة الستين لصياغة مشروع الدستور الليبي الجديد في لقطة تذكارية قبيل اجتماعهم الأول أمس في مدينة البيضاء (رويترز)
أعضاء لجنة الستين لصياغة مشروع الدستور الليبي الجديد في لقطة تذكارية قبيل اجتماعهم الأول أمس في مدينة البيضاء (رويترز)

قالت مصادر ليبية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن خاطفي فواز العيطان السفير الأردني منذ الأسبوع الماضي في العاصمة الليبية طرابلس على وشك إطلاق سراحه بالتزامن مع عودة سجين ليبي يطالبون السلطات الأردنية بالإفراج عنه، بينما تبنت جماعة ليبية متطرفة تسمى شباب التوحيد عملية اختطاف الدبلوماسي التونسي محمد بالشيخ وبثت له مساء أول من أمس فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يطالب السلطات التونسية بالتفاوض مع خاطفيه.
وأوضحت المصادر، التي طلبت حجب هويتها، أن السفير الأردني سيجرى إطلاق سراحه في أي وقت، مشيرة إلى أنه جرى التوصل إلى تسوية ليبية أردنية غير معلنة يجري بمقتضاها مقايضة السفير المخطوف بمعتقل ليبي يدعى محمد الدرسي (وشهرته النص)، كان أدين بتهمة محاولة التسلل إلى الأراضي الأردنية والمشاركة في أنشطة مشبوهة. وكشفت المصادر النقاب عن أن خاطفي السفير سمحوا له بالتواصل هاتفيا مع أسرته وبعض كبار المسؤولين الأردنيين لطمأنتهم على وضعه وحالته الصحية.
وعلى صعيد متصل، حث الموظف التونسي بالسفارة التونسية لدى ليبيا، والذي اختطف قبل شهر في العاصمة طرابلس، الرئيس التونسي المنصف المرزوقي على التفاوض مع خاطفيه، محذرا من أن «صبر خاطفيه بدأ ينفد وأنهم قد يقدمون على قتله». وظهر التونسي محمد بالشيخ وهو شبه منهار، ويتحدث لمدة نحو خمس دقائق في شريط مصور بثته جماعة أطلقت على نفسها اسم «شباب التوحيد»، وحرصت في ختامه على توجيه تهديد واضح ومعلن للسلطات التونسية، قالت فيه: «إلى حكومة تونس، كما تأسرون منا نأسر منكم. كما تقتلون منا نقتل منكم. والبادئ أظلم. ولن تأمنوا لا أنتم ولا أعوانكم حتى يأمن إخواننا في دينهم وأعراضهم وأرزاقهم».
وأوضح بالشيخ أنه يعمل في السفارة التونسية في ليبيا منذ 12 عاما، وقال مخاطبا رئيسه المنصف المرزوقي: «لماذا يا سيادة الرئيس تريد أن تحرمني من الحياة؟ لدي ثلاثة أطفال أريد أن أراهم. ألست أبا لأطفال؟ لماذا ليست هناك مفاوضات؟ لن يطلقوا سراحي»، وأضاف وهو يبكي، بينما كان بالإمكان سماع أصوات هامسة من خاطفيه على ما يبدو لتلقينه ما يقوله: «يا سيادة الرئيس تفاوض معهم. طلبهم مشروع فاوضهم. أريد العودة إلى بلدي تونس. لماذا تفعل هذا يا سيادة الرئيس أريد أن أعود. بإمكانهم أن يقتلوني في أي وقت».
لكن مسؤولا ليبيا قال في المقابل لـ«الشرق الأوسط» إنه لا يعتقد أن الخاطفين سيقدمون بالفعل على تنفيذ تهديداتهم بقتل التونسي إذا لم تستجب سلطات بلاده إلى طلباتهم. وأضاف المسؤول، الذي اشترط حجب هويته عبر الهاتف من طرابلس: «هذا الفيديو مجرد ورقة ضغط يعتقد الخاطفون أنها ستؤثر على الحكومة التونسية وتدفعها إلى الرضوخ لما يريدون. إنه أسلوب غير أخلاقي في المفاوضات». وتابع: «إذا لا سمح الله قتلوه، وهو أمر مستبعد، سيخسرون أي صفقة أو أي محاولة لمقايضته.. هم فقط يريدون الضغط إعلاميا على الطرف الآخر (الحكومة التونسية)».
وبشأن هذا الفيديو، قالت سميرة بالشيخ، شقيقة المختطف، لـ«الشرق الأوسط» إن الشخص الذي ظهر في الشريط المصور هو بالفعل شقيقها، وقالت: إن والد بالشيخ وعائلته توجهوا صباح أمس إلى مقر وزارة الخارجية التونسية بالعاصمة، وطالبوا بفتح مفاوضات جدية مع الأطراف الخاطفة التي تهدد بقتل شقيقها. ودعت الحكومة التونسية إلى التباحث مع الأطراف الليبية، سواء الرسمية أو غير الرسمية، بهدف إطلاق سراح شقيقها.
وتجاهل شريط الفيديو الذي صور يوم السبت الماضي، بحسب ما ورد به، ذكر مصير رهينة تونسي آخر اختطفه مجهولون يوم الخميس الماضي، يدعى العروسي القنطاسي من طرابلس بعد شهر تقريبا من اختطاف زميله بالشيخ. فيما أشارت وزارة الخارجية التونسية إلى تورط عائلتي متطرفين ليبيين معتقلين في تونس في عمليتي الخطف، هما حافظ الضبع (الشهير بأبي أيوب)، وعماد اللواج (الشهير بأبي جعفر الليبي) المحكومان بالسجن لمدة 20 عاما بعد مشاركتهما في عملية إرهابية بمنطقة الروحية من ولاية سليانة (شمال غربي تونس) في مايو (أيار) عام 2001. حيث قتل ضابطان في تبادل الرصاص مع رجال يشتبه في انتمائهم إلى تنظيم القاعدة.
ولم يصدر على الفور أي تعليق رسمي من تونس التي كان وزير خارجيتها منجي الحامدي قد أكد أخيرا أن بلاده لن ترضخ لمنطق المساومة، ورأى أن التفاوض لن يكون على أساس المقايضة «بإرهابيين معتقلين في تونس». ودعت السلطات التونسية مواطنيها إلى «إرجاء التحول إلى الأراضي الليبية والقيام بذلك عند الضرورة فقط»، كما دعت التونسيين المقيمين في ليبيا «إلى التزام الحذر في تنقلاتهم حفاظا على سلامتهم وتفاديا لكل طارئ في هذه الظروف الاستثنائية».
وبالتزامن، انعقد المجلس الوطني للأمن برئاسة المنصف المرزوقي وحضور رئيس الحكومة المهدي جمعة ورئيس المجلس التأسيسي (البرلمان) مصطفى بن جعفر والقيادات العسكرية والأمنية لمناقشة التطورات الأمنية على الحدود الشرقية مع ليبيا، وكان موضوع التونسيين المختطفين في ليبيا من بين أهم الملفات المطروحة.
وذكرت مصادر أمنية تونسية في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة حاليا تحاول تخفيض التوتر، وتسعى إلى التعرف على الهوية الحقيقية للمختطفين، قبل إقرار ما ستراه موافقا للوضعية الصعبة التي يوجد فيها المختطفان التونسيان. وأضافت نفس المصادر أن تونس لا تريد المخاطرة بحياتهما، إلا أنها مع ذلك لن ترضخ لمطالب المجموعات المختطفة لما سيفتحه هذا الخيار من مشاكل مستقبلية في ظل التوتر الأمني المتواصل في ليبيا.
وبدوره، قال محمد الصالح الحدري، العقيد العسكري التونسي المتقاعد ورئيس حزب العدل والتنمية، لـ«الشرق الأوسط» إن خبرة معظم دول العالم في مواجهة الإرهاب تحتم على تونس تجنب الرضوخ لطلبات الخاطفين، وتابع موضحا «لا حوار مع الإرهابيين.. ومن الضروري اللجوء إلى القوة في مثل هذه الحالات».
في غضون ذلك، ووسط إجراءات أمنية مشددة، استضافت مدينة البيضاء بشرق ليبيا الاجتماع الأول للهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور الجديد للبلاد، في قاعة البرلمان السابق، بحضور عدد من أعضاء المؤتمر الوطني العام (البرلمان) والحكومة وسفراء الدول العربية والأجنبية وممثلين عن بعثة الأمم المتحدة لدى ليبيا.
ورغم أن اسمها لجنة الستين، وفق عدد أعضائها المفترض، إلا أن 13 عضوا يمثلون الأقليات العرقية (التبو والطوارق والأمازيغ) قرروا مقاطعة الانتخابات التي جرت أخيرا، كما لم تتمكن المفوضية العليا للانتخابات من إتمام عملية انتخابهم بسبب احتجاجات واضطرابات أمنية، ما قصر العدد النهائي للجنة على 47 عضوا فقط.
وأدى عصيان مدني احتجاجا على الأوضاع الأمنية وتمديد المؤتمر الوطني المنتهية ولايته في السابع من شهر فبراير (شباط) الماضي إلى نهاية العام الجاري، إلى تأجيل هذا الاجتماع الذي كان محددا له سلفا يوم الاثنين الماضي. وتطالب الأقليات العرقية التي تشكل نحو ربع إجمالي عدد سكان دولة ليبيا، البالغ نحو ستة ملايين نسمة، بضمان حقوقها وكتابة الدستور الجديد بلغاتها المحلية.
وسيتعين على لجنة صياغة الدستور المقسمة بالتساوي على مناطق ليبيا الثلاث، وهي طرابلس في الغرب وبرقة في الشرق وفزان في الجنوب، الانتهاء من وضع مسودة الدستور خلال 120 يوما، وأن تأخذ في الاعتبار الخصومات السياسية والقبلية ودعوات الحكم الذاتي في شرق البلاد عند اتخاذ قرار بشأن نظام الحكم في ليبيا. وتأخرت محاولات كتابة الدستور الجديد مرارا بسبب الصراع السياسي داخل المؤتمر الوطني، الذي انتخب لفترة 18 شهرا في يوليو (تموز) الماضي في أول انتخابات حرة في ليبيا منذ نحو 50 عاما.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.