8 ثغرات في الاقتصاد الإيراني أدت إلى انهيار العملة المحلية

قيمة الريال تعكس وضع طهران في 2017

عملات أميركية وإيرانية في أحد محال الصيرفة في طهران (أ.ب)
عملات أميركية وإيرانية في أحد محال الصيرفة في طهران (أ.ب)
TT

8 ثغرات في الاقتصاد الإيراني أدت إلى انهيار العملة المحلية

عملات أميركية وإيرانية في أحد محال الصيرفة في طهران (أ.ب)
عملات أميركية وإيرانية في أحد محال الصيرفة في طهران (أ.ب)

مثل نحو 8 ثغرات في الاقتصاد الإيراني خلال عام 2016، أسبابا رئيسية لتراجع الريال الإيراني إلى أقل مستوى في نحو 4 سنوات، حين بلغ سعر الصرف في السوق الحرة الاثنين الماضي، 41 ألفا و500 ريال مقابل الدولار؛ انخفاضا من نحو 41 ألفا و250 ريالاً يوم الأحد، ومقارنة مع 35 ألفا و570 ريالا في منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي.
ويأتي على رأس الثغرات، تراجع موارد إيران من العملة الأجنبية تأثرًا بتوتر العلاقات السياسية مع الغرب على مدار عقود من الزمن أدت إلى حصار تجاري استمر طويلاً، وازدادت حدة الأزمة بداية من عام 2012 مع حظر الصادرات النفطية؛ المصدر الرئيسي للعملات الأجنبية في إيران، واستمرار تجميد أصول إيرانية في الخارج.
ولا توجد بيانات رسمية مؤكدة عن تطور حجم الاحتياطي على مدار السنوات السابقة، لكن المصادر الدولية تشير إلى أنها سجلت ما بين 115 و125 مليار دولار في عام 2015، بينما تفيد تصريحات لوزير الاقتصاد الإيراني في ديسمبر (كانون الأول) الحالي بأن حجم الاحتياطي الأجنبي لإيران يبلغ مائة مليار دولار، بما يعني انخفاض الاحتياطي الأجنبي بنسب تتراوح بين 15 و20 في المائة في 2016، وهي نسب تراجع كبيرة في عام واحد.
ووفقًا لدراسة صادرة عن «مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية»، بعنوان: «تراجع أسعار صرف العملة الإيرانية: الأسباب والتداعيات» فإن وجود أكثر من سعر صرف في إيران على مدار التاريخ، كان من ضمن الأسباب العميقة للأزمة؛ إذ يوجد سعر الصرف الحكومي المثبت، وسعر صرف السوق الحرة، وسعر صرف المرجع، والأخير هو الذي كانت تتعامل به الحكومة مع المؤسسات الاقتصادية المملوكة لها، وأُلغي في مارس (آذار) 2013 في مرحلة أولى ضمن سلسلة إجراءات تتخذها الحكومة للسيطرة على تدهور سعر الصرف والقضاء على السوق الموازية. وتخطط الحكومة الإيرانية لتفعيل المرحلة الثانية في مارس 2017 بتوحيد سعر الصرف عن طريق البنوك، ويجري التعامل بالسعر الحر فقط.
واتبعت إيران سياسة توحيد سعر الصرف من قبل خلال التسعينات، لكن لم تستمر هذه السياسة، مما فتح المجال لعودة السوق الموازية.
وذكرت الدراسة أن الثغرة الثالثة في الاقتصاد الإيراني، تمثلت في «تنامي دور السوق الموازية في إيران وعدم قدرة الحكومة على إحكام سيطرتها عليها ليتسع الفارق بين السعرين بسبب عدم مقدرة الحكومة على تلبية الطلب على العملة الأجنبية بشكل كافٍ». وكان السبب الرابع «عجز الموازنة الحكومية واعتماد إيران في الحصول على العملة الأجنبية على مصدر متقلب وغير مستقر، وهو إيرادات صادرات النفط، ومع تدني أسعار النفط منذ عامين إلى الآن، يزداد عجز الموازنة الحكومية كلما زاد الاعتماد على إيرادات الصادرات النفطية».
وأشارت الدراسة، إلى الركود الاقتصادي - الثغرة الخامسة - الذي استمر لفترات طويلة، وتوقفت معه آلاف المصانع عن العمل، وتراجعت معه الصادرات غير النفطية - القليلة في الأصل - بجانب تحقيق الاقتصاد معدل نمو سالبًا استمر خلال عامي 2012 و2013، وتعافى بعدها في 2014 لكن بمعدلات نمو منخفضة.
وتمثلت الثغرة السادسة، في القيود والعراقيل المفروضة على التحويلات البنكية التي ما زالت موجودة عمليا حتى الآن وتؤثر بدرجة ما على أسعار الصرف وترفع تكلفة الحصول على النقد الأجنبي ليرتفع سعره في النهاية.
أما الثغرة السابعة، بحسب الدراسة، فتمثلت في «زيادة السيولة النقدية في السنوات الأخيرة التي تطيح بالاستقرار المالي للدولة، وترفع مستويات التضخم، وتتراجع معها قيمة العملة مع الوقت، ففي شهر يونيو (حزيران) 2016 ارتفع حجم السيولة النقدية بـ29 في المائة، مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي».
وحددت الدراسة الثغرة الثامنة للاقتصاد الإيراني في «ارتفاع الواردات بعد تخفيف الحظر الدولي منذ بداية العام الحالي، والضغط على الاحتياطي الأجنبي، لتعويض سنوات من الحرمان؛ سواء على مستوى الأفراد واحتياجاتهم من السلع المختلفة، أو على مستوى المؤسسات الإنتاجية التي تقادمت تكنولوجيات إنتاجها ولم تتمكن من تطوير وسائل الإنتاج وإدخال آلات جديدة أو تطوير القديمة».
وأرجعت الدراسة الصادرة عن «مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية»، أسباب أزمة سعر الصرف في إيران، إلى التأثر بعوامل خارجية حدثت في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تمثلت في فوز دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأميركية، وهو المعروف بتشدده تجاه إيران، وزيادة التوقعات التشاؤمية تجاه مستقبل الاقتصاد الإيراني مع قدومه للسلطة بسبب تهديداته المتكررة بإلغاء الاتفاق النووي الذي وقعته بلاده مع إيران منتصف 2015، و«تهديد مثل هذا له بالغ الأثر السلبي على قدوم الاستثمارات الأجنبية إلى إيران، وخوف المستثمرين الأجانب من الوقوع تحت طائلة الغرامات المالية الأميركية».
من ناحية أخرى، مع نجاح ترامب، ارتفع سقف الطموحات والتوقعات المتفائلة تجاه الاقتصاد الأميركي، وهو ما انعكس بشكل مباشر على قوة الدولار الأميركي عالميا أمام باقي العملات، ومنها العملة الإيرانية بالتأكيد، بعد الكشف عن توجهات سياسته الاقتصادية الحمائية للصناعة الأميركية والمنتج المحلي، وإلغاء بعض الاتفاقيات التجارية التي تحرم الخزانة الأميركية من الرسوم الجمركية وتزيد منافسة المنتج الأجنبي للمنتج الأميركي، مما عزز الآمال في زيادة قوة الاقتصاد الأميركي، وانعكس هذا على البورصة الأميركية وسعر الدولار أمام باقي العملات.



لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.