روسيا «القوة العالمية»... وقيادة بوتين

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى إزاحته الستار عن نصب الأمير القديس فلاديمير أمام قصر الكرملين في وسط موسكو خلال شهر نوفمبر الماضي (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى إزاحته الستار عن نصب الأمير القديس فلاديمير أمام قصر الكرملين في وسط موسكو خلال شهر نوفمبر الماضي (إ.ب.أ)
TT

روسيا «القوة العالمية»... وقيادة بوتين

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى إزاحته الستار عن نصب الأمير القديس فلاديمير أمام قصر الكرملين في وسط موسكو خلال شهر نوفمبر الماضي (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى إزاحته الستار عن نصب الأمير القديس فلاديمير أمام قصر الكرملين في وسط موسكو خلال شهر نوفمبر الماضي (إ.ب.أ)

برزت روسيا خلال العام الماضي بوصفها «قوة عالمية» بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين الذي تصدر مجموعة لا بأس بها من التصنيفات الدولية، بما في ذلك تصنيف مجلة «فوربز» للشخصيات الأكثر نفوذًا في العالم. وهذا هو العام الرابع على التوالي الذي يتصدر فيه الرئيس الروسي ذلك التصنيف.
المجلة الأميركية اعتبرت أن الرئيس الروسي واصل «تحقيق جميع أهداف بلاده في سوريا، وعلى مسرح الانتخابات الأميركية». وفعلاً، يجمع المراقبون على أن الدور الروسي في الأزمة السورية شكّل المنصة الرئيسية والأهم التي انطلق منها «سيد الكرملين» في الإعلان عن موقع روسيا في السياسة الدولية، وهو يدرك في الوقت ذاته أن استعادة موقع «القوة العالمية» لبلاده سيضعه بشكل أو بآخر في مواجهة مع الولايات المتحدة، ويفرض عليه تحدي الهيمنة الأميركية.
كان بوتين، منذ توليه الحكم عام 2000، قد تبنى موقفًا واضحًا من منظومة العلاقات الدولية التي قامت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، إذ رفض بحزم سياسة «الأحادية القطبية»، فوجه طيلة السنوات الماضية انتقادات حادة اللهجة ضد تفرّد الولايات المتحدة بالقرار الدولي، وبذل في غضون ذلك كل ما من شأنه المساهمة في إعادة بناء تلك المنظومة على أساس الشراكة الندية دوليًا بين موسكو وواشنطن.
في البداية، اقتصرت جهود بوتين في هذا المجال على توجيه انتقادات للسياسات الأميركية، ولعل خطابة أمام مؤتمر الأمن الدولي في ميونيخ عام 2007 كان الأبرز في هذا الشأن؛ حينها شدد بوتين على أن «محاولة إيجاد حلول للمشكلات بصورة أحادية الجانب تسببت بمآس إنسانية جمة». وفي حوار تلفزيوني في صيف عام 2013، أعرب عن يقينه بأن «القيادة الأميركية تدرك تمامًا أنها لن تتمكن وحدها من حل القضايا العالمية الراهنة»، داعيًا تلك القيادة والنخب السياسية الأميركية إلى تغيير نمط تفكيرها. وهذه ليست سوى عينة من تصريحات كثيرة لبوتين انتقد فيها «الهيمنة الأميركية»، وهو يؤكد دومًا انفتاح بلاده على التعاون مع الجميع «على أساس المساواة».
وفي حين كانت روسيا تواصل إدارة علاقاتها مع واشنطن، وسعيها لشغل موقع الشريك في الشأن الدولي، عمدت داخليًا إلى وضع برامج لتحديث السلاح في الجيش الروسي، وتعزيز القوة العسكرية، بالتزامن مع جملة خطوات سياسية - دبلوماسية، نسجت عبرها شبكة علاقات مع دول في الشرق الأوسط.
هذه العناصر سمحت لبوتين في نهاية المطاف أن ينقل تلك السياسة الخارجية إلى موقع متقدم، حين لعبت روسيا دورًا رئيسيًا في التوصل لاتفاق، في منتصف سبتمبر (أيلول) عام 2013، حول تدمير الترسانة الكيميائية للنظام السوري. وحينها، تحركت موسكو لصياغة ذلك الاتفاق، على خلفية إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما نيته إطلاق عملية عسكرية جوية ضد نظام الأسد عقابًا على المجازر التي ارتكبتها قواته مستخدمة السلاح الكيميائي في غوطة دمشق.
وبصرف النظر عن الظروف الدولية والإقليمية التي ولد فيها اتفاق تدمير السلاح الكيميائي السوري، فإن بوتين قد أظهر حرصًا شديدًا في وضع الاتفاقية ضمن سياق «النتائج الملموسة والمؤثرة على الأمن والاستقرار الدوليين التي يمكن تحقيقها عبر العمل الجماعي والشراكة بين موسكو وواشنطن»، مكررًا دعوته إلى بناء علاقة ندية، أو كما يصفها الروس «تقوم على المساواة» بين روسيا والولايات المتحدة.
وفي السياق ذاته، وضع بوتين الاتفاق الذي جرى التوصل إليه في يوليو (تموز) عام 2014، حول الملف النووي الإيراني. إلا أن مساعي بوتين لتغير نهج السياسة الأميركية، وتحديدًا أن تتعامل واشنطن مع موسكو كشريك في الشأن الدولي، لم تأت بالنتائج المرجوة، فقد كانت روسيا تحقق تقدمًا في مجال لعب دور محوري حاسم في القضايا الدولية الحساسة، وأخذت عبر دورها في الأزمة السورية بصورة رئيسية تحتل الصدارة في الحراك السياسي الدولي، إن كان في المحادثات مع واشنطن أو مع الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن مواقفها في مجلس الأمن الدولي.
وجاء إعلان بوتين عن العملية العسكرية في سوريا نهاية سبتمبر 2015 ليشكل نقلة نوعية، لجهة الخطوات الروسية الرامية إلى فرض الشراكة بديلاً عن أحادية القطب في السياسة الدولية، ولعب دور «القوة القائدة» في التصدي للتهديد الإرهابي. وكان قد سبق الإعلان عن تلك الخطوة تصريحات انتقد فيها بوتين بشدة التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد الإرهاب، داعيًا إلى تشكيل تحالف للمهمة ذاتها، لكن تحت سقف الشرعية الدولية وبموجب القوانين، بما في ذلك تلك التي تفرض على دول التحالف التنسيق مع من تقول روسيا إنها «سلطة شرعية في دمشق».
وخلال عام 2016، استغل الرئيس الروسي كل ظرف مناسب ليكرر دعوته بتشكيل ذلك التحالف، مع تركيز على أن ما يقترحه هو «البديل الشرعي» عن تحالف تم تشكيله بقرار دولة واحدة منحت نفسها الحق في اتخاذ القرارات التي تناسبها دون العودة للشرعية الدولية والالتزام بالقوانين والمعايير ذات الصلة. ويرى كثيرون أن من أهداف العملية العسكرية الروسية في سوريا محاولة موسكو «فرض» الشراكة على واشنطن عبر عمل عسكري مشترك في سوريا «ضد الإرهاب»، خصوصًا أن وجود القوات العسكرية للبلدين على مسرح عمليات عسكرية واحد يضيق من خيارات واشنطن. وبالتالي، فإما تتعاون مع القوات الروسية ضمن الحد الأدنى من الرؤية التي عرضها بوتين، أو ترفض التعاون وتواجه تبعات أي حادث تصادم في الأجواء السورية بين المقاتلات التابعة للتحالف الدولي والمقاتلات السورية. إلا أن واشنطن رفضت الفكرة، وطالبت موسكو بالتخلي عن دعمها للنظام السوري كشرط للتعاون العسكري ضد التنظيمات الإرهابية في سوريا. وانتهى الأمر بتوقيع مذكرة حول ضمانة السلامة لتفادي الحوادث خلال الطلعات الجوية في الأجواء السورية.
إلا أن هذا لم يقلل من أهمية التدخل العسكري الروسي في سوريا، باعتباره البوابة التي ساعدت روسيا على الإعلان عن نفسها قوة دولية جاهزة للتحرك عسكريًا في أي مكان من العالم عندما تتطلب مصالحها ذلك. ومن خلال سوريا كذلك، استعرضت روسيا «عضلاتها العسكرية»، وتعمدت بث مشاهد القصف الصاروخي من بحر قزوين والبحر الأسود باتجاه الأراضي السورية، وحرّكت قاذفاتها الاستراتيجية من نقاط عدة في الأراضي الروسية لتنفيذ مهام في سوريا، فضلاً عن تحريكها قطعها البحرية، ونشر قوة دائمة في المتوسط، وما ترافق مع ذلك من عرض لقدرات تلك القطع في تنفيذ قصف صاروخي، أو طلعات جوية من على متن حاملة الطائرات «الأميرال كوزنيتسوف». وقبل ذلك كله، كانت قد نشرت منظومات «إس - 400» و«إس - 300» الصاروخية على الأراضي السورية، مع ترويج لقدرات تلك المنظومات.
في غضون ذلك، لم تخفِ روسيا حقيقة أنها تستعرض أسلحتها عبر عملياتها في سوريا، وكان الرئيس بوتين قد قال خلال اجتماع في الثامن من يوليو مع لجنة التعاون التقني - العسكري مع الدول الأجنبية، إن «السلاح الروسي يصبح أكثر فعالية، وهذا أمر يمكن التأكد منه، وليس في المعارض فحسب». وفي شهر مايو (أيار)، أشار بوتين خلال اجتماع مع كبار القادة العسكريين إلى أن «العملية في سوريا عرضت مدى فعالية وقوة الأسلحة الروسية». وخلال اجتماع مماثل يوم 22 ديسمبر (كانون الأول)، أضاف أن «استخدام أسلحتنا في سوريا يفتح أفاقًا أمام التعاون التقني - العسكري»، وهو المصطلح الذي يدل على صفقات الأسلحة الروسية للدول الأخرى.



مسؤول أفغاني: وفد «طالبان» عقد محادثات «بنّاءة» مع الاتحاد الأوروبي

وزير الخارجية الأفغاني مولوي أمير خان متقي (في الوسط) يحضر اجتماعاً استشارياً إقليمياً في كابول بأفغانستان يوم 16 يونيو 2026 (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الأفغاني مولوي أمير خان متقي (في الوسط) يحضر اجتماعاً استشارياً إقليمياً في كابول بأفغانستان يوم 16 يونيو 2026 (إ.ب.أ)
TT

مسؤول أفغاني: وفد «طالبان» عقد محادثات «بنّاءة» مع الاتحاد الأوروبي

وزير الخارجية الأفغاني مولوي أمير خان متقي (في الوسط) يحضر اجتماعاً استشارياً إقليمياً في كابول بأفغانستان يوم 16 يونيو 2026 (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الأفغاني مولوي أمير خان متقي (في الوسط) يحضر اجتماعاً استشارياً إقليمياً في كابول بأفغانستان يوم 16 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

عقد مسؤولون في حكومة «طالبان» الأفغانية محادثات «بنّاءة» مع الاتحاد الأوروبي في بروكسل، الثلاثاء، بحسب ما أفاد مسؤول أفغاني مطلع على المباحثات، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية». وقال المسؤول الذي طلب عدم الكشف عن هويته إن «الاجتماعات كانت بنّاءة، وهناك أمل في أن تقود إلى تطوّرات إيجابية». وجاءت المحادثات في وقت تسعى بلدان الاتحاد الأوروبي لإعادة طالبي اللجوء الأفغان الذين لم تُقبل طلباتهم.

من جهتها، أكدت المفوضية الأوروبية أنها استضافت ممثلين من حركة «طالبان» للمرة الأولى منذ عودة الحركة إلى السلطة في أفغانستان عام 2021، من أجل المشاركة في محادثات تتركز على ترحيل المواطنين الأفغان، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».


ثلاثة قتلى في إطلاق نار في كندا من بينهم المشتبه به

أفراد من الشرطة الكندية (رويترز)
أفراد من الشرطة الكندية (رويترز)
TT

ثلاثة قتلى في إطلاق نار في كندا من بينهم المشتبه به

أفراد من الشرطة الكندية (رويترز)
أفراد من الشرطة الكندية (رويترز)

أسفر إطلاق نار وقع الاثنين في حي يهودي في مونتريال عن مقتل ثلاثة أشخاص بينهم المشتبه بتنفيذ الهجوم، وفق ما أعلنت الشرطة الكندية.

ولم ترد أي معلومات بعد عن دافع الهجوم الذي أودى بشرطي ومواطن وأدى إلى إصابة شرطي آخر بجروح.

وقالت شرطة مونتريال في بيان نشرته على منصة «إكس»: «ببالغ الحزن نؤكد مقتل أحد ضباطنا أثناء تأديته واجبه».

وأعلنت بشكل منفصل عن مقتل المشتبه به وأحد السكان، وحَثّت على تجنب المنطقة.

لم تُعرف هوية القتيل المدني على الفور، لكن من المتوقع أن تتحدث شرطة مونتريال إلى الصحافيين بعد ظهر الاثنين بالتوقيت المحلي.


ثورة الذكاء الاصطناعي... معركة البنية التحتية وإعادة تشكيل موازين القوى العالمية

صورة جوية لمركز بيانات تابع لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» في آشبورن بولاية فرجينيا الأميركية... تُعدّ مراكز البيانات من الركائز الأساسية للبنية التحتية التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة (رويترز)
صورة جوية لمركز بيانات تابع لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» في آشبورن بولاية فرجينيا الأميركية... تُعدّ مراكز البيانات من الركائز الأساسية للبنية التحتية التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة (رويترز)
TT

ثورة الذكاء الاصطناعي... معركة البنية التحتية وإعادة تشكيل موازين القوى العالمية

صورة جوية لمركز بيانات تابع لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» في آشبورن بولاية فرجينيا الأميركية... تُعدّ مراكز البيانات من الركائز الأساسية للبنية التحتية التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة (رويترز)
صورة جوية لمركز بيانات تابع لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» في آشبورن بولاية فرجينيا الأميركية... تُعدّ مراكز البيانات من الركائز الأساسية للبنية التحتية التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة (رويترز)

في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بالتطبيقات المتسارعة للذكاء الاصطناعي، من روبوتات الدردشة إلى الأنظمة القادرة على إنتاج المحتوى وتحليل البيانات، تدور في الخلفية معركة أقل ظهوراً لكنها ذات أهمية بالغة، قد تحدّد موازين القوى الدولية خلال العقود المقبلة.

فبعيداً عن البرمجيات، باتت المنافسة العالمية تتركز على البنية التحتية التي تجعل الذكاء الاصطناعي ممكناً: الرقائق الإلكترونية المتقدمة، ومراكز البيانات العملاقة، وكميات ضخمة من الطاقة اللازمة لتشغيلها. ومع ازدياد اعتماد الاقتصادات الحديثة على هذه التكنولوجيا، بدأت هذه العناصر تتحوّل تدريجياً إلى قضية أمن قومي وجيوسياسية بامتياز.

من سباق البرمجيات إلى سباق البنية التحتية

خلال السنوات الماضية، انصبّ الاهتمام على الشركات التي تطوّر نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً. لكن مع ازدياد تعقيد هذه النماذج، أصبح واضحاً أن التفوّق لا يعتمد على جودة البرمجيات وحدها، بل أيضاً على القدرة على تأمين الموارد المادية اللازمة لتشغيلها.

ويشير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، ومركزه واشنطن، إلى أن المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي انتقلت تدريجياً من سباق على الابتكار البرمجي إلى سباق على البنية التحتية، حيث باتت القدرة الحاسوبية والطاقة الكهربائية وسلاسل توريد الرقائق عناصر أساسية في تحديد من يستطيع تطوير الجيل المقبل من تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ويعني ذلك أن الدول لم تعد تتنافس على جذب المواهب والشركات التقنية فحسب، بل أيضاً على بناء منشآت ضخمة قادرة على استضافة مراكز البيانات وتأمين احتياجاتها المتزايدة من الكهرباء.

شريحة إلكترونية من إنتاج شركة «إنفيديا» (Nvidia)... تُعدّ الرقائق المتطورة من أبرز المكونات التي تقوم عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة مما جعلها محوراً رئيسياً في المنافسة التكنولوجية العالمية (رويترز)

الرقائق الإلكترونية في قلب المنافسة

تمثّل الرقائق المتطورة العمود الفقري للذكاء الاصطناعي الحديث. فهذه المكونات الصغيرة توفّر القدرة الحاسوبية اللازمة لتدريب النماذج المتقدمة وتشغيلها، مما يجعل إنتاجها والتحكم في سلاسل توريدها مسألة ذات أبعاد استراتيجية متزايدة.

ووفق تحليلات صادرة عن مركز «الدراسات الاستراتيجية والدولية»، فإن القيود التي فرضتها الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة على تصدير بعض الرقائق المتقدمة إلى الصين تعكس إدراكاً متزايداً للأهمية الجيوسياسية لهذه التكنولوجيا. فامتلاك الرقائق الأكثر تطوراً لا يمنح فقط مزايا اقتصادية، بل يمكن أن يؤثر في القدرات العلمية والعسكرية والتكنولوجية للدول.

وفي المقابل، ضخّت الصين استثمارات ضخمة لتعزيز قدراتها المحلية وتقليل اعتمادها على الموردين الأجانب، في مؤشر إلى أن المنافسة على الذكاء الاصطناعي باتت مرتبطة أيضاً بمسألة السيادة التكنولوجية.

موظف داخل مركز بيانات تابع لشركة «هيوليت باكارد إنتربرايز» في بنغالورو بالهند... تشكّل القدرة الحاسوبية التي توفرها هذه المنشآت أحد أهم العناصر التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة (رويترز)

مراكز البيانات... البنية التحتية الجديدة للقوة

إلى جانب الرقائق، برزت مراكز البيانات بوصفها أحد أهم الأصول الاستراتيجية في العصر الرقمي. فهذه المنشآت تضم آلاف الحواسيب المتخصصة عالية الأداء التي تقوم بتخزين البيانات وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتدريب النماذج المتقدمة.

ويشير معهد «بروكينغز»، ومركزه واشنطن، إلى أن النمو السريع للذكاء الاصطناعي يدفع إلى توسع غير مسبوق في بناء مراكز البيانات حول العالم، مما يفرض تحديات اقتصادية وتنظيمية وبيئية متزايدة. فهذه المنشآت تحتاج إلى استثمارات بمليارات الدولارات، كما تتطلب شبكات اتصالات متطورة وأنظمة تبريد متقدمة.

ويضيف المعهد أن التفاوت في امتلاك هذه البنية التحتية قد يؤدي إلى اتساع الفجوة التكنولوجية بين الدول، إذ تتركز القدرات اللازمة لاستضافة وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي المتطورة في عدد محدود من الاقتصادات المتقدمة، مقارنةً بالدول النامية.

في هذا السياق، بدأت بعض الحكومات تنظر إلى مراكز البيانات بالطريقة نفسها التي تنظر بها إلى البنى التحتية الحيوية الأخرى، نظراً إلى دورها المتنامي في الاقتصاد والأمن الوطني.

شعار شركة كهرباء فرنسا (EDF) أمام محطة سيفو النووية في فرنسا... يُنظر إلى الطاقة النووية بوصفها أحد الخيارات المطروحة لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء المرتبط بتوسع مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي (رويترز)

تحدّي الكهرباء

إذا كانت الرقائق ومراكز البيانات تمثّلان العمود الفقري للذكاء الاصطناعي، فإن الكهرباء تمثل الوقود الذي يحرّك هذه المنظومة بأكملها.

وتحذّر «وكالة الطاقة الدولية» في تقرير لها، من أن التوسع المتسارع في الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى زيادة كبيرة في الطلب على الكهرباء خلال السنوات المقبلة. فمراكز البيانات الحديثة تستهلك كميات كبيرة من الطاقة لتشغيل أجهزة حوسبة متقدّمة وأنظمة تبريد، فيما يتطلب تدريب النماذج المتقدمة موارد كهربائية متزايدة.

وتشير الوكالة إلى أن الطلب على الكهرباء المرتبط بمراكز البيانات قد ينمو بوتيرة سريعة خلال العقد المقبل، مما يفرض تحديات جديدة على شبكات الطاقة الوطنية. وفي بعض الدول، بدأت شركات التكنولوجيا بالفعل البحث عن مصادر إضافية للطاقة أو الاستثمار في مشاريع إنتاج كهرباء مخصصة لتلبية احتياجاتها المستقبلية.

وحسب دراسة أخرى لمركز «الدراسات الاستراتيجية والدولية»، فإن مسألة تأمين الكهرباء باتت جزءاً من المنافسة الدولية على الذكاء الاصطناعي، لأن امتلاك القدرة الحاسوبية يتطلب في نهاية المطاف تأمين الطاقة اللازمة لتشغيل مراكز البيانات وأجهزة الحوسبة.

أبراج وخطوط نقل الكهرباء في منطقة يانكينغ بالعاصمة الصينية بكين... يُنظر إلى شبكات الطاقة القادرة على تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء بوصفها أحد المقومات الأساسية لتوسع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي (رويترز)

البعد الجيوسياسي للبيانات

لا يقتصر السباق الحالي على الجوانب التقنية والاقتصادية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى قضايا السيادة والأمن القومي. ففي تقرير لمؤسسة «إس آند بي غلوبال S&P Global»، ومركزها نيويورك، برزت مسألة «سيادة البيانات» بوصفها أحد الاتجاهات الرئيسية التي تعيد تشكيل قطاع مراكز البيانات عالمياً.

وتسعى دول عديدة إلى ضمان بقاء البيانات الحساسة داخل حدودها الوطنية، وتقليل اعتمادها على بنى تحتية رقمية تقع تحت نفوذ قوى خارجية. ويعكس هذا التوجه اقتناعاً متزايداً بأن السيطرة على البيانات والبنية التحتية الرقمية أصبحت جزءاً من عناصر النفوذ الاستراتيجي في القرن الحادي والعشرين.

كما يثير هذا الواقع مخاوف من احتمال انقسام العالم إلى كتل تكنولوجية متنافسة، لكل منها منظوماتها الخاصة في مجالات الرقائق والاتصالات والذكاء الاصطناعي.

العلمان الأميركي والصيني أمام لوحة إلكترونية... يُعدّ السباق على الرقائق الإلكترونية والقدرات الحاسوبية أحد أبرز أوجه المنافسة التكنولوجية بين القوى الكبرى في عصر الذكاء الاصطناعي (رويترز)

في قلب موازين القوى الجديدة

بات الذكاء الاصطناعي، الذي أحدث ثورة تقنية واسعة النطاق، أحد أبرز العوامل المؤثرة في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية. فخلف التطبيقات التي يستخدمها ملايين الأشخاص يومياً، تتشكل منافسة عالمية على الرقائق الإلكترونية ومراكز البيانات والطاقة والقدرة الحاسوبية.

وفي عالم تزداد فيه أهمية الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد والأمن والدفاع، قد لا تُقاس قوة الدول مستقبلاً فقط بما تنتجه من معرفة أو ابتكار، بل أيضاً بقدرتها على بناء وتشغيل البنية التحتية التي تقوم عليها هذه الثورة التكنولوجية المتسارعة.