حكومة نتنياهو تخشى تنسيقًا أميركيًا ـ فرنسيًا لـ«حل الدولتين»

ليبرمان يشن هجومًا قاسيًا على باريس ويعدّ مؤتمرها «محكمة ضد إسرائيل»

جلسة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة خلال التصويت على قرار أدان الاستيطان الإسرائيلي الاسبوع الماضي (إ.ب.أ)
جلسة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة خلال التصويت على قرار أدان الاستيطان الإسرائيلي الاسبوع الماضي (إ.ب.أ)
TT

حكومة نتنياهو تخشى تنسيقًا أميركيًا ـ فرنسيًا لـ«حل الدولتين»

جلسة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة خلال التصويت على قرار أدان الاستيطان الإسرائيلي الاسبوع الماضي (إ.ب.أ)
جلسة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة خلال التصويت على قرار أدان الاستيطان الإسرائيلي الاسبوع الماضي (إ.ب.أ)

أبدى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، تخوفًا شديدًا من قيام الولايات المتحدة وفرنسا، بدفع خطوة دولية أخرى في الموضوع الإسرائيلي - الفلسطيني، قبل انتهاء ولاية الرئيس باراك أوباما، في 20 يناير (كانون الثاني) المقبل. وقال مسؤول إسرائيلي رفيع، إنه خلال جلسة المجلس الوزاري السياسي - الأمني، جرى عرض تقييم، توقع أن يتخذ وزراء الخارجية الذين سيلتقون في باريس، في الخامس عشر من الشهر المقبل، كجزء من مبادرة السلام الفرنسية، سلسلة قرارات بشأن العملية السلمية يجري التصويت عليها في مجلس الأمن الدولي، وتبنيها قبل مغادرة أوباما للبيت الأبيض.
وقال نتنياهو خلال اجتماع لوزراء حزبه (الليكود)، الليلة قبل الماضية، إن «الموضوع لا يزال ساخنًا، وهذه ليست النهاية». وقال مسؤول إسرائيلي رفيع، إن ممثلي وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي في ديوان رئيس الحكومة، وجهات أخرى شاركت في اجتماع المجلس الوزاري، عرضت معلومات تشير إلى أن التوجه السائد خلال المحادثات، بين فرنسا والولايات المتحدة ودول أخرى، تمهيدًا لاجتماع وزراء الخارجية في باريس، هو الدفع بخطوة كهذه. ويريد وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، استغلال لقاء وزراء الخارجية، الذي سيشارك فيه وزراء من عشرات الدول في أنحاء العالم، من أجل إلقاء خطاب يعرض، من خلاله، رؤيته لحل الدولتين. وقال الوزير الرفيع، إن إسرائيل تتخوف من قيام كيري بتفصيل المبادئ الأميركية لحل المسائل الجوهرية للصراع «الحدود، اللاجئين، الأمن والقدس». وحسب المسؤول نفسه، فقد «تحدثت وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي، عن معلومات تشير إلى نية وزراء الخارجية اتخاذ قرار يجري تبنيه من قبل الرباعية الدولية ومجلس الأمن، قبل 20 يناير المقبل. وحسب التقدير، فإن الأميركيين يقودون ذلك مع الفرنسيين».
وفي أعقاب هذه التقييمات، شنّ وزير الدفاع الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، هجومًا شديدًا على فرنسا شبيهًا بهجوم نتنياهو على الرئيس الأميركي باراك أوباما. فقال إن هدف المؤتمر الدولي للسلام في العاصمة الفرنسية باريس منتصف الشهر المقبل، هو المساس بأمن إسرائيل. وأضاف، في اجتماع لكتلته البرلمانية في الكنيست، أمس، أن مؤتمر باريس هو «الطبعة الحديثة لمحاكمة دريفوس (اليهودي الفرنسي الذي اتهم سنة 1894 بالتجسس لألمانيا وثبتت براءته بعد 12 عاما)، والذي من خلاله، «يعدون للمساس بأمن إسرائيل وتشويهها، ولكن الفرق الوحيد بين محاكمة دريفوس ومؤتمر باريس، هو أن هذه المرة، سيكون الشعب الإسرائيلي - وكل دولة إسرائيل - في قفص الاتهام، وليس يهوديا واحدا. وأضاف أن «عقد هذا المؤتمر قبل 4 أيام من انتهاء ولاية أوباما الرئاسية، وكذلك قبل بضعة أسابيع من الانتخابات الفرنسية، يدلل على أنه ليس مؤتمر سلام، وإنما محكمة ضد إسرائيل».
وكان نتنياهو نفسه قد أبدى تخوفًا من مؤتمر باريس، وقال إن الجهود الإسرائيلية تتركز في كيفية منع ضربة أخرى؛ لذلك «يجب عدم الاستفزاز وعمل أمور من شأنها توفير وقود لخطوة كهذه».
من جهته، شن رئيس البيت اليهودي، نفتالي بينت، هجومًا على نتنياهو، وطالبه بالتراجع عن دعم حل الدولتين. وقال: «يجب على إسرائيل إجراء حساب مع النفس بشأن سلوكها خلال ربع القرن الأخير، منذ تبني اتفاقيات أوسلو وحتى خطاب بار إيلان». وأضاف: «وصلنا إلى نهاية موسم تقليد الآخرين، فإما أن تكون معسكرًا قوميًا وتعارض إقامة دولة فلسطينية، أو نحصل على قرارات دولية ضدنا». وقال بينت، هناك بديلان: إما السيادة أو الاستسلام. لقد جربنا الاستسلام والتنازلات، وآن الأوان للانتقال إلى السيادة. ولذلك سننطلق قريبًا، نحو طريق فرض السيادة على «معاليه أدوميم» (مستوطنة جنوبي شرق القدس المحتلة)، والمناطق «ج». وعلم أن مجموعة من نواب البيت اليهودي والليكود أعدوا سلسلة من مشاريع القوانين لضم معاليه أدوميم ومستوطنات أخرى.
من جهته، قرر نتنياهو تشديد الرد الدبلوماسي العنيف على قرار مجلس الأمن الدولي الذي حدد عدم شرعية المستوطنات. وفي خطوة استثنائية جدًا، أجرى نتنياهو بشكل شخصي، محادثة مع السفير الأميركي في إسرائيل دان شبيرو، في أعقاب امتناع الولايات المتحدة عن التصويت. وأمر نتنياهو وزارة الخارجية بتجميد علاقات العمل الدبلوماسية مع الدول الأربع التي طرحت مشروع القرار، حتى صدور قرار آخر، وتراجع عن نيته التقاء رئيسة الحكومة البريطانية تيريزا ماي، ورئيس الحكومة الصينية لي كيكيانغ. كما تمت دعوة سفراء بقية الدول الأعضاء في مجلس الأمن لمحادثات توبيخ. وكان نتنياهو قد أمر في نهاية الأسبوع، السفيرين الإسرائيليين في السنغال ونيوزيلندا بالعودة إلى البلاد، بسبب ضغوط هذين البلدين على مصر من أجل طرح مشروع القرار للتصويت عليه، بعد تراجعها عن ذلك. وأعلن نتنياهو عن تجميد تقديم المساعدات للسنغال، كما أمر بإلغاء زيارة رئيس الوزراء الأوكراني، فلاديمير غرويسمان إلى إسرائيل.
وحسب مسؤول إسرائيلي، فقد كان استدعاء السفراء للتوبيخ في يوم عيد الميلاد، بمثابة خطوة استثنائية جدًا. وتساءل الدبلوماسي الغربي: «ماذا كانت ستقول إسرائيل لو قمنا باستدعاء سفيرها في يوم الغفران؟». وأضاف المسؤول الإسرائيلي، أنه في إطار تعليق العلاقات الدبلوماسية مع الدول التي دعمت القرار، سيجري تقليص زيارة الوزراء الإسرائيليين إلى تلك الدول. وقال نتنياهو خلال اجتماع المجلس الوزاري السياسي - الأمني: «خلال الفترة القريبة سافروا أقل ما يمكن إلى الدول التي صوتت ضدنا. تجملوا بالصبر». كما لن يجري استقبال وزراء من تلك الدول في إسرائيل، ولن يجري استقبال السفراء في وزارة الخارجية. وحسب ذلك، سيجري وقف الاتصالات لتنسيق لقاءات نتنياهو مع «ماي»، و«لي»، خلال المنتدى الاقتصادي في دافوس، الشهر المقبل.
في سياق متصل، صرح دبلوماسي أميركي سابق، أمس، بأن اللهجة «البغيضة» لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، التي أعقبت قرار مجلس الأمن الدولي «غير مقبولة». وقال دان كورتزر - الذي شغل منصب سفير الولايات المتحدة في إسرائيل في عهد الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش - للإذاعة الإسرائيلية إن «اللهجة التي استخدمت ضد رئيس الولايات المتحدة، غير مسبوقة في حد ذاتها، وإنها حقًا يجب ألا تكون اللهجة التي يستخدمها حليف مع حليف».



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.