منافسو بوتفليقة يرفضون نتائج الانتخابات.. وبن فليس يريد تأسيس حزب

توقعات ببقاء المشهد السياسي الجزائري على حاله.. وتعديل الدستور أهم حدث مقبل

أطفال جزائريون يرفعون صورة الرئيس الجزائري بوتفليقة احتفالا بفوزه في الانتخابات أمس (أ.ب)
أطفال جزائريون يرفعون صورة الرئيس الجزائري بوتفليقة احتفالا بفوزه في الانتخابات أمس (أ.ب)
TT

منافسو بوتفليقة يرفضون نتائج الانتخابات.. وبن فليس يريد تأسيس حزب

أطفال جزائريون يرفعون صورة الرئيس الجزائري بوتفليقة احتفالا بفوزه في الانتخابات أمس (أ.ب)
أطفال جزائريون يرفعون صورة الرئيس الجزائري بوتفليقة احتفالا بفوزه في الانتخابات أمس (أ.ب)

رفض عدد من المرشحين الذين نافسوا الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في انتخابات الرئاسة التي جرت الخميس، النتائج التي أعلن عنها وزير الداخلية، وأظهرت فوز بوتفليقة بنسبة كبيرة (81 في المائة)، لكن بنسبة مشاركة متدنية نسبيا (51 في المائة)، مقارنة بالاقتراع الرئاسي السابق (74 في المائة). وعلى عكس انزوائه بعد خسارته أمام بوتفليقة في الاستحقاق الرئاسي السابق، أعلن بن فليس الذي نظم حملة انتخابية جيدة هذه السنة، واستطاع جمع عدد واسع من الشخصيات السياسية حوله، تشكيل حزب سياسي. وبينما توقع محللون بقاء المشهد السياسي على حاله على المدى القصير، فإنهم رأوا أن أهم حدث سيقدم عليه الرئيس الفائز في المرحلة المقبلة هو تعديل الدستور.
وبعد إعلان النتائج الأولية، يبقى أمام المجلس الدستوري مدة أقصاها عشرة أيام، لإعلان النتائج النهائية، بعد دراسة الطعون والفصل فيها، حسب قانون الانتخابات. وأعلن المجلس الدستوري، أمس، أنه «باشر دراسة محاضر اللجان الانتخابية الولائية واللجنة الانتخابية المشرفة على تصويت الجزائريين المقيمين بالخارج، وكذا مختلف الطعون التي وصلت إليه، وعددها 94 طعنا».
وتعليقا على نتائج الانتخابات، قال عمارة بن يونس وزير الصناعة والمتحدث باسم حملة الرئيس بوتفليقة إن الشعب الجزائري هو من قرر أن يكون بوتفليقة رئيسا له. أما مدير حملة بوتفليقة عبد المالك سلال، فقال إن فئات كثيرة من الشعب الجزائري ساندت ترشح بوتفليقة، وساهمت بشكل كبير في فوزه في الانتخابات.
وفي المقابل، أعلن بن فليس أن الانتخابات زُوّرت بشكل واسع، وكشف أنه سيشكل إطارا سياسيا في المستقبل القريب. واتهم بن فليس السلطة بالتخطيط المسبق للتزوير، الذي برز بشكل فاضح قبل الانتخابات، من خلال تحالف بين المال المشبوه وبعض وسائل الإعلام، حسب قوله.
ورأى أن «التزوير يمنح منفذيه شرعية كاذبة فقط». وأعلن أنه سيواجه هذا «التعدي» سلميا بالإعلان قريبا عن تنظيم واسع للجزائريين والجزائريات لبناء دولة ديمقراطية، وكشف أنه لن يتقدم بطعن للمجلس الدستوري، لأن رئيسه تابع لبوتفليقة.
والتقى بن فليس، أمس، في مقر حملته الانتخابية بالعاصمة، مع 25 رئيس حزب وشخصية دعموا ترشحه في الانتخابات. وقال في بداية اللقاء إنه يريد أن «يصغي للجميع وأن يسمعني الجميع. التنظيم السياسي الذي سأعلن عنه قريبا لن يقصي أي أحد، المهم هو تجمع وطني واسع، خدمة للجمهورية من أجل مواصلة النضال».
وتحفظ بن فليس عن الخوض في تفاصيل الحزب الذي يسعى إلى إنشائه، واكتفى بالقول: «سأتقدم إلى السلطات بمشروع سياسي أحترم فيه قوانين الدولة احتراما كاملا، وكل واحد بعدها يتحمل مسؤولياته». وفهم كلامه على أنه تحذير لوزارة الداخلية، في حال رفضت اعتماد حزبه المنتظر، تحت أي مبرر.
وأعلن بن فليس عزمه القيام بزيارات ميدانية إلى عدة ولايات «لاطلاع المواطنين بها عن حقيقة الانتخابات ومجرياتها». وعدّ ذلك «واجبا يمليه عليّ وفائي لكل من منحني ثقته في الانتخابات، فقد لقيت ترحيبا وقبولا من طرف مواطنين في 48 ولاية زرتها أثناء الحملة الانتخابية، وستكون الزيارات كذلك فرصة لأعرض على هؤلاء مشروع تنظيمي السياسي، الذي سأكشف عن طابعه وتسميته قريبا جدا».
من جانبه، قال مرشح الجبهة الوطنية الجزائرية موسى تواتي، الذي حل في المركز الأخير، إن النتائج المعلنة مبالغ فيها، ولا تعكس الواقع، وكشف أنه سيلجأ إلى المجلس الدستوري للطعن فيها. كما ذكر مرشح حزب عهد 54 علي فوزي رباعين الذي حل خامسا (بحصوله على 0.99 في المائة)، فقال أيضا إنه لا يعترف بالنتائج المعلنة «التي لا تمثل الواقع».
من جهتها، قالت لويزة حنون الأمينة العامة لحزب العمال، التي حصلت رابعا بحصولها على 1.37 في المائة من الأصوات، في مؤتمر صحافي، أمس، إن نتائج الانتخابات «تمثل انتصارا للأمة الجزائرية، إذ لم تجر إراقة الدماء ولم تغرق الجزائر في دوامة الفوضى وعدم الاستقرار».
وأضافت حنون أن اختيار الجزائريين منح بوتفليقة ولاية رابعة «خيار يعكس الرغبة في الحفاظ على الاستقرار والسلم والسيادة الوطنية وتفادي وقوع البلاد في دوامة الفوضى والاضطراب». يُشار إلى أن حملة حنون كانت موجهة ضد بن فليس، ولم تنتقد أبدا الرئيس المترشح بوتفليقة.
بدوره، قال عباسي مدني رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة، إنه «يهنئ الشعب الجزائري على مقاطعته الواسعة التاريخية لمهزلة الانتخابات الرئاسي». وندد باعتقال نائبه في الحزب علي بن حاج، أول من أمس، بسبب خروجه إلى الشارع لإبداء استيائه من «التزوير».
ودعا مدني في بيان، أمس، «القوى السياسية إلى ترك الحسابات السياسية جانبا، وتنظيم لقاء وطني جامع للتباحث حول تحديات المرحلة وإمكانات مواجهتها، وحول كيفية التوجه إلى مرحلة انتقالية».
وندد مدني المقيم حاليا في قطر بـ«جميع أشكال العنف التي انتهجها النظام لقمع المحتجين»، في إشارة إلى منع ناشطين من التعبير في الشارع، عن رفضهم إجراء الانتخابات. وتعدّ «حركة بركات» أهم هذه التنظيمات. وأضاف مدني أن «الشعب الجزائري عبر عن رفضه لسياسة الأمر الواقع (من خلال رفض أكثر من 11 مليونا التوجيه إلى صناديق الاقتراع)، التي تعني رغبته في تغيير النظام تغييرا جذريا».
وتابع: «هكذا تتواصل المهازل في بلاد الشهداء في ظل فضائح انتخابية، أدخل النظام الجزائري فيها البلاد في المجهول بتعريض وحدتها ومستقبل أجيالها للخطر الداهم، غير عابئ بأصوات عقلاء الأمة ونخبها وفعالياتها التي نبّهت إلى جسامة المخاطر التي تهدد البلاد».
وأطلقت الشرطة سراح بن حاج بعد ساعات من اعتقاله، لما خرج من مسجد بالضاحية الجنوبية بالعاصمة رفقة عشرات المصلين، لتنظيم مظاهرة ضد «تزوير نتائج الانتخابات».
وقال عبد الحميد بن حاج شقيق القيادي الإسلامي، في اتصال مع «الشرق الأوسط»، إن الشرطة «تدخلت بعنف لتفريق المتظاهرين، مما دفع الكثيرين إلى دخول المسجد هربا من القمع». وقال إن شقيقه «يتعجب لوقوف رجال الشرطة متفرجين أمام المواطنين، الذين خرجوا إلى الشارع، تعبيرا عن فرحتهم بفوز بوتفليقة، الذي جاء عن طريق التزوير والتدليس والنفخ في عدد المشاركين».
من جهتها، أكدت جبهة العدالة والتنمية التي يتزعمها الإسلامي عبد الله جاب الله، وكانت قاطعت الانتخابات، أنها لم تتفاجأ بما سمته تضخيم نسبة المشاركة، مشيرة إلى أن النسبة لا تتجاوز 20 في المائة. كما قالت حركة النهضة، وهي حزب إسلامي مقاطع، إنها سجلت فروقا شاسعة بين النسب المعلنة من طرف وزير الداخلية ونسب التصويت الحقيقية.
وفي أول رد فعل دولي، جددت فرنسا عزمها مواصلة العمل مع الجزائر، متمنية «النجاح» لبوتفليقة الذي أعيد انتخابه. وأكد الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند في بيان بثته وكالة الأنباء الجزائرية أن «فرنسا تجدد عزمها مواصلة العمل مع السلطات والشعب الجزائري على تعميق العلاقات الثنائية خدمة للتنمية في البلدين».
وأعرب هولاند للرئيس بوتفليقة عن تمنياته «بالنجاح في أداء مهامه النبيلة»، مضيفا أنه «في سياق روح الصداقة والاحترام السائدين بين البلدين، وبالنظر إلى الروابط الإنسانية المميزة التي تربط بينهما، تعرب فرنسا عن تمنياتها الصادقة من أجل المزيد من الرقي للجزائر».
وبالنظر إلى النتائج المعلنة، يستبعد الآن حدوث تغير كبير في المشهد السياسي الجزائري على المدى القريب جدا، ويتوقع أن يبقي الرئيس بوتفليقة على طاقمه الحكومي السابق، لمواصلة تطبيق «برنامجه». وعلى المدى القصير، يرجح أن يطرح بوتفليقة مشروع دستور جديدا، وأن يتضمن تعديلات أوسع من التغييرات التي أحدثها عام 2008، وتضمنت إلغاء المادة 74 التي تحد الفترات الرئاسية باثنتين.
ومعروف أن الرئيس بوتفليقة قال منذ توليه الحكم عام 1999 إنه ليس راضيا عن الدستور الحالي، وكان يهم دوما بطرح دستور شامل يترك فيه بصمته، وقد يجد الآن بعد التفويض الذي أعطاه إياه الشعب، الفرصة سانحة.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.