مصادر قضائية مصرية :«الإخوان» تواصلوا مع «داعش»

السجن سنة لـ«حبارة» أبرز متهمي مواجهات سيناء لإهانته القضاء وتأجيل محاكمته

مصادر قضائية مصرية :«الإخوان» تواصلوا مع «داعش»
TT

مصادر قضائية مصرية :«الإخوان» تواصلوا مع «داعش»

مصادر قضائية مصرية :«الإخوان» تواصلوا مع «داعش»

كشفت مصادر قضائية مصرية لـ«الشرق الأوسط» أمس عن أن أنصارا للرئيس السابق محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين، تواصلوا مع تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» والذي يعرف حاليا بـ«داعش»، وذلك مع صعود الإسلاميين في مصر للحكم قبل عامين.
وقالت إن القضية التي تضم 35 متهما مصريا بتنفيذ عمليات ضد الجيش والشرطة خاصة في سيناء، تنفيذا لمخططات «الإخوان»، سواء قبل عملية الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي، أو بعدها، أظهرت إجراء اتصالات مع رجل يكنى «أبو سهيل»، العضو في «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، لإمداد المتهمين المصريين في هذه القضية بالدعم المادي اللازم لرصد منشآت عسكرية وشرطية وتحركات القوات بسيناء لتنفيذ عمليات ضدها.
وعاقب القضاء المصري أمس بالسجن لمدة سنة، عادل حبارة، أبرز المتهمين في هذه القضية، بتهمة إهانة القضاء أثناء محاكمته مع 34 من عناصر «خلية المهاجرين والأنصار»، أمس. وأصيب عدد من عناصر الخلية بحالة من الهياج ضد هيئة المحكمة تضامنا مع «حبارة». وقررت المحكمة تأجيل نظر المحاكمة إلى يوم الأربعاء المقبل.
وأشارت المصادر القضائية إلى قول سابق للقيادي في جماعة الإخوان محمد البلتاجي، قبل القبض عليه مع مئات من قادة الجماعة، إلى أن وقف الهجمات ضد رجال الشرطة والجيش والمنشآت العامة في سيناء مرهون بعودة مرسي إلى القصر الرئاسي، إلا أن مصادر في جماعة الإخوان قالت إنه لا علاقة لها بالتنظيمات المتشددة ومنها مجموعة حبارة المعروفة باسم «خلية المهاجرين والأنصار».
وينكر المتهمون في القضية التهم الموجهة إليهم، ويقولون إن اعترافاتهم وقعت تحت التعذيب «وغير حقيقية» وفقا لهيئة الدفاع عنهم، لكن تحقيقات الشرطة وتهم النيابة تشير إلى أن المتهمين ارتكبوا جرائم منها «مذبحة قتل جنود الأمن المركزي بمدينة رفح في سيناء، والشروع في قتل جنود الأمن المركزي في منطقة بلبيس شمال شرقي القاهرة، والتخابر مع تنظيم يعرف بـ(الدولة الإسلامية في العراق والشام)»، الذي خرج من رحم تنظيم القاعدة قبل أن تدب الخلافات بينهم.
ووقعت معظم التهم في القضية مع صعود الإسلاميين للحكم في 2011 وحتى أكتوبر (تشرين الأول) 2013؛ أي بعد الإطاحة بمرسي بثلاثة أشهر. وتضمنت التحقيقات قول النيابة إنها تلقت إخطارات من الشرطة بأن جماعة إرهابية ارتكبت مذبحة رفح التي راح ضحيتها 25 من الجنود المصريين في قطاع «الأحراش» قرب رفح، وأن عناصر إرهابية من تلك الجماعة أطلقت النار من أسلحة آلية على قوات الأمن على طريق شمال شرقي العاصمة، مما تسبب في إصابة 18 ضابطا ومجندا.
كما أسندت النيابة للمتهمين ارتكابهم جرائم الإرهاب، والتخابر، وتأسيس جماعة تعمل على خلاف أحكام القانون بغرض الدعوة إلى تعطيل أحكام الدستور ومنع مؤسسات الدولة والسلطات العامة من ممارسة أعمالها، والقتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، وتخريب الممتلكات العامة، ومقاومة السلطات، وإحراز الأسلحة والذخائر والمفرقعات.
ومن بين المتهمين في القضية رجل ألقت السلطات القبض عليه في مطار القاهرة الدولي أثناء عودته من دولة قطر، يدعى محمد إبراهيم عساكر. وقال في جلسة أمس إنه لا علاقة له بالقضية الإرهابية، لأنه كان مسجونا في قضية مخدرات منذ عام 2011 حتى نهاية عام 2012 (في وقت تنفيذ العمليات ضد رجال الشرطة في سيناء وشمال القاهرة)، وتابع أنه غادر لدولة قطر، بعد خروجه من السجن، وأن إلقاء القبض عليه يرجع إلى تشابه في الاسم مع المتهم الحقيقي.
وقضت محكمة جنايات القاهرة في جلستها المنعقدة أمس بمقر معهد أمناء الشرطة، بمعاقبة حبارة بالحبس لمدة سنة واحدة مع الشغل، والذي تصفه السلطات بأنه «زعيم البؤرة الإرهابية التي ارتكب أعضاؤها مذبحة رفح الثانية في سيناء، وقتل فيها جنود من الشرطة»، وذلك بعد نحو شهر من الإطاحة بحكم الرئيس السابق محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين. ورد حبارة على هيئة المحكمة أمس وهي تنظر القضية بعبارات رأت أنها إهانة لها، فقررت الحكم عليه بالسجن سنة، وتأجيل نظر التهم الموجهة إليه في «القضية الإرهابية» إلى يوم الأربعاء المقبل، لاستكمال الاستماع إلى أقوال الشهود.
وبدأ «حبارة»، واسمه الحقيقي عادل محمد إبراهيم محمد، بتوجيه لوم للمحكمة بعد أن طالبه رئيس المحكمة، المستشار شيرين فهمي، بالتوقف عن الكلام وعدم التحدث داخل قفص الاتهام إلا بإذن مسبق منها، وإلا سيجري تطبيق القانون عليه، إلا أن المتهم رد على القاضي قائلا ما معناه أن يفعل ما بدا له، مما عده القاضي تهكما بهيئة المحكمة. وقام القاضي بتوجيه إنذار للمتهم قائلا له إن طريقته في التحدث للمحكمة غير مقبولة.
وقال مصدر قضائي إن حبارة أخذ يردد عبارات بعد ذلك، وهو يقف وسط المتهمين من عناصر الخلية، تضمنت «إساءة وإهانة لشخص رئيس المحكمة، فأمرت بإخراجه خارج قفص الاتهام وإيداعه حجز المحكمة واستكمال نظر الجلسة». وأضاف المصدر أن حبارة «رغم ذلك واصل، وهو في طريقه إلى خارج القفص، كلامه المسيء ضد رئيس المحكمة، وأن المتهمين من عناصر الخلية أخذوا في الصراخ والهياج وقاموا بالطرق والضرب على السياج الحديدي لقفص الاتهام وتسببوا في فوضى في الجلسة».
وينص قانون الإجراءات الجنائية على معاقبة أي متهم يتعمد إهانة القاضي أو هيئة المحكمة. واستند ممثل النيابة العامة الذي كان حاضرا الجلسة، وشهد الواقعة، إلى مواد القانون طالبا من المحكمة توقيع أقصى عقوبة على المتهم، في تهمة «إهانته هيئة محكمة الجنايات التي تباشر قضيته».
وقال دفاع «حبارة» إنه لم يكن يقصد إهانة هيئة المحكمة، وطلب من المحكمة الصفح عن موكله والعفو عنه، ومسامحته عما بدر منه خلال الجلسة، مراعاة لظروفه النفسية والبيئة الجبلية التي نشأ فيها في سيناء، وإن سلوكه في الجلسات السابقة كان هادئا. ويقول أحد أعضاء فريق الدفاع عن المتهمين إن عددا منهم يعانون ظروفا سيئة وأمراضا، في محبسهم، على ذمة المحاكمة. وأضاف أن أحد المتهمين «قعيد».
على صعيد متصل، قررت محكمة جنايات شبرا الخيمة، أمس تأجيل محاكمة 48 متهما من قيادات وأعضاء جماعة الإخوان، من بينهم محمد بديع المرشد العام للجماعة، إلى جلسة السبت المقبل، وذلك في قضية اتهامهم بالتحريض على العنف وقطع الطريق السريع بمدينة قليوب شمال القاهرة عقب الإطاحة بحكم مرسي في يوليو (تموز) الماضي.
وجاء قرار التأجيل لكي يتسنى حضور المتهمين جميعا في الجلسة المقبلة، بعد أن تبين للمحكمة في جلسة أمس أن عددا من المتهمين في القضية غير موجودين في الجلسة، نظرا لأنهم يحاكمون أمام محكمة جنايات القاهرة في قضية أحداث قصر الاتحادية المتهم فيها مرسي وآخرون من قيادات وأعضاء «الإخوان». وكانت النيابة العامة أسندت إلى المتهمين اشتراكهم مع مجهولين في التجمهر وقطع الطريق بغرض ارتكاب جرائم الاعتداء على الأشخاص والممتلكات العامة والخاصة، والتأثير على رجال السلطة العامة في أداء أعمالهم بالقوة واستخدام بعضهم العنف من خلال حمل أسلحة نارية وأدوات مما تستخدم في الاعتداء.
ونسبت الاتهامات للمتهمين من أعضاء جماعة الإخوان والموالين لهم، القيام بمسيرات في نطاق محافظة القليوبية، بمنطقتي «ميت حلفا» و«ميت نما» و«قرية أبو سنه»، وطريق القاهرة/ الإسكندرية الزراعي. وأضافت الاتهامات أن بعض المتهمين كان يحمل أسلحة نارية والبعض الآخر يحمل أدوات معدة للاعتداء على من يعترض طريقهم، مما تسبب في سقوط ضحايا من المواطنين.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.