بوتفليقة رئيسا لولاية رابعة بنسبة 81.53 في المائة

محللون: مخاوف الجزائريين من الفوضى دفعتهم لمنح الرئيس فترة رابعة

وزير الداخلية الجزائري طيب بليز لدى إعلانه عن فوز بوتفليقة في العاصمة الجزائرية أمس (إ.ب.أ)
وزير الداخلية الجزائري طيب بليز لدى إعلانه عن فوز بوتفليقة في العاصمة الجزائرية أمس (إ.ب.أ)
TT

بوتفليقة رئيسا لولاية رابعة بنسبة 81.53 في المائة

وزير الداخلية الجزائري طيب بليز لدى إعلانه عن فوز بوتفليقة في العاصمة الجزائرية أمس (إ.ب.أ)
وزير الداخلية الجزائري طيب بليز لدى إعلانه عن فوز بوتفليقة في العاصمة الجزائرية أمس (إ.ب.أ)

أعلن رسميا أمس عن فوز الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بأكثر من 81 في المائة من الأصوات في الاقتراع الرئاسي الذي نظم أول من أمس، فيما حصل منافسه الرئيس وخصمه اللدود علي بن فليس على أكثر من 12 في المائة من الأصوات، إلا أن الأخير رفض النتائج مسبقا وقال: إنه سيواصل «المقاومة مع قوى التغيير بطريقة سلمية».
وذكر وزير الداخلية الطيب بلعيز في مؤتمر صحافي أمس، أن الرئيس بوتفليقة حاز 81 في المائة من الأصوات (8.3 مليون صوت)، وأن بن فليس حاز 12.8 في المائة من الأصوات. ثم هوَن من ضعف نسبة المشاركة (51.70 في المائة)، بحجة أن «التوجه العام للاستحقاقات في كل أنحاء العالم ضعيف».
وقدَم بلعيز الأرقام التفصيلة التي أظهرت عبد العزيز بلعيد، أصغر المرشحين الست، حل ثالثا بنسبة 3.38 في المائة من الأصوات (300 ألف صوت). وأحدث ترتيب الأمينة العامة لـ«حزب العمال» اليساري، مفاجأة في أوساط الإعلاميين، إذ رغم مشاركتها الثالثة في الاستحقاق الرئاسي وحضورها في الساحة السياسية منذ 24 عاما، جاءت بعد بلعيد الذي يترشح لأول مرة والذي أسس حزبا منذ عام ونصف فقط. وحصلت حنون على نسبة 1.37 في المائة (140 ألف صوت). أما علي فوزي رباعين، المتعوَد على المراتب الدنيا في المواعيد الانتخابية التي خاضها فقد كان نصيبه 0.99 في المائة من الأصوات (101 ألف صوت). وحصل موسى تواتي على 57 ألف صوت (0.56 في المائة).
وبلغ عدد المصَوتين، حسب وزير الداخلية، 11.3 مليون شخص من أصل نحو 23 مليون شخص يحق لهم التصويت. وسئل بلعيز عن سبب ضعف مشاركة الجزائريين في الاستحقاق الخامس منذ دخول البلاد عهد التعددية في 1989. فقال: إن «العزوف الانتخابي ظاهرة عالمية، ففي دولة مجاورة لم تتعد المشاركة في الانتخابات بها 38 في المائة. وفي كثير من الدول لا تصل 50 في المائة، وأعتقد أن المشاركة في الانتخابات تشهد تراجعا في كل العالم وليس في الجزائر فقط». وأضاف: «لا شك أن لضعف المشاركة في هذه الانتخابات تفسيرا، ولا بد من الاستعانة بمختصين في هذا الشأن لمعرفة الأسباب». وأعطى الوزير تفسيره الشخصي للعزوف قائلا: «الجزائر لا تعيش ظرفا عاديا، فهي تعيش في محيط وجوَ فوَار وفي حزام أمني، وفي سياق ربيع عربي وإحداث أمنية في الجنوب (مالي)، زيادة على بعض القلاقل داخل البلاد»، في إشارة إلى أحداث طائفية بغرداية (600 كلم جنوب العاصمة)، حيث يحتدم منذ عام تقريبا صراع كبير بين مالكيين وإباضيين خلف قتلى وجرحى وخسائر كبيرة في الممتلكات والمرافق العمومية.
وتحدث وزير الداخلية عن «أياد خارجية تستهدف استقرار الجزائر»، دون توضيح ما يقصد. ويتردد خطاب «المؤامرة الأجنبية» على ألسنة الكثير من المسؤولين، عندما يسألون عن مشاكل داخلية. وقال بلعيز «في ظل الأسباب التي ذكرتها لكم (المتعلقة بالعزوف عن الصناديق) يمكني القول: إن 51.70 في المائة هي نسبة معدة».
ورفض وزير الداخلية الحديث عن «قمع» تعرض له نشطاء عارضوا في الميدان ترشح بوتفليقة لولاية رابعة، إذ قال: «الجزائر تعيش ديمقراطية في أوج كمالها، ومن حق الأحزاب والمعارضة التعبير عن رأيها». أما في رده على سؤال يتعلق بـ«كيف سيردَ بوتفليقة الجميل لمن وضعوا فيه ثقتهم»، فقال: «رئيس الجمهورية ردَ جميل الجزائريين قبل الاستقلال بجهاده خلال ثورة التحرير، وبعد الاستقلال عندما كان وزيرا للخارجية ورفع الجزائر إلى السماء السابعة، بل إلى السماء الثامنة. أما خلال 15 سنة كرئيس، فلم يسمع أبدا أنه قال بأنه توصل إلى بناء المدينة الفاضلة».
وأكد بن فليس أمس رفضه الاعتراف بالأرقام الرسمية منذ وقت مبكر أمس، وقال في مؤتمر صحافي عقده قبل الإعلان الرسمي عن النتائج، إن «الانتخابات طالها تزوير شامل وغير مقبول، وشهدت تهديدات وتخويفا، وكذلك حملات التخوين التي طالت المجتمع». وأضاف: «إنني أندّد بكل ما أوتيت من قوة بالتزوير، وحملة التخوين المنفذة بأيدٍ جزائرية، ضد الإرادة الشعبية وضد مصالحنا الحيوية» وأكد المرشح الرئاسي أن «هذا التزوير ضد البديل الديمقراطي، وضد حرية الاختيار الشعبي الحر بين المترشحين» ودعا بن فليس إلى مقاومة سلمية مع كل قوى التغيير، مؤكدا بقاءه في الساحة السياسية من أجل النضال السلمي.
ورأى محللون تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» أن الجزائريين اختاروا منح أصواتهم لبوتفليقة لجملة أسباب أهمها حرصهم على الاستقرار الأمني الذي تشهده البلاد ومخاوفهم من تغيير على مستوى رأس هرم الدولة قد يؤدي لهزات سياسية وأمنية على غرار ما تشهده بلدان «الربيع العربي». لكن متابعين كثيرين للشأن السياسي الجزائري قالوا: إن نسبة التأييد لبقاء بوتفليقة رئيسا ربما تضاءلت مقارنة بالسنوات الماضية بسبب وضعه الصحي، وهو ما تجسد في انخفاض نسبة الذين توجهوا لمراكز الاقتراع أول من أمس (51 في المائة مقارنة بـ74 في الانتخابات السابقة). وتوقف كثيرون أيضا عند جزئية أن المرشحين الذين نافسوا بوتفليقة لم يكونوا ينتمون إلى أحزاب قوية متجذرة في المجتمع. وبدا أقواهم رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس الذي حل في هذا الاستحقاق ثانيا (12 في المائة) إلا أن أعدادا واسعة من الجزائريين تساءلوا خلال حملة الانتخابات الأخيرة عن سبب ما سموه «غياب» الرجل عن المشهد السياسي طيلة السنوات العشر الماضية منذ خسارته الاستحقاق الرئاسي أمام بوتفليقة. وذكر محللون أيضا أن انقسام المعارضة بين جزء اختار المشاركة في الاقتراع وجزء أكبر قرر المقاطعة، وبروز مظاهر حراك شعبي في الشارع رافضا لترشح بوتفليقة لفترة رابعة، كلها عوامل أسهمت في دفع الجزائريين إلى تفادي التغيير.
ويعتقد على نطاق واسع أن بوتفليقة قد يقدم في المرحلة المقبلة على ملفات كبرى أهمها إجراء تعديل دستوري أشمل من التعديل الدستوري الجزئي الذي أجراه أواخر عام 2008. كما يتوقع أن يبقي بوتفليقة معتمدا على نفس الأحزاب التي ظلت موالية له خلال الفترة السابقة، وأهمها حزبا السلطة الرئيسيان (جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي) وحزب تجمع الجزائر (تاج) بزعامة الوزير عمار غول والحركة الشعبية الجزائرية بزعامة الوزير عمارة بن يونس.
من ناحية أخرى، ذكر رؤساء بعثات أوفدتهم منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي لمراقبة الانتخابات، أن الاقتراع الرئاسي جرى وفقا «للمعايير الدولية». ونقلت وكالة الأنباء الرسمية عن رئيس وفد منظمة التعاون الإسلامي حبيب كعباشي، قوله إن وفد ملاحظي المنظمة المكون من 18 عضوا تنقل عبر مراكز الاقتراع بكل من الجزائر العاصمة والولايات المجاورة لها، وتأكد له أن الاقتراع جرى في ظروف «شفافة ووفقا المعايير المعمول بها دوليا». وتحدث كعباشي، حسبما نقلت عنه الوكالة، عن لزوم الإدارة «الحياد وإتاحتها الفرصة لجميع المترشحين للتعريف ببرامجهم عبر مختلف وسائل الإعلام وتمكين المواطن من الإدلاء برأيه بكل حرية من أجل اختيار المترشح الذي يراه مناسبا». وتحدث أيضا عن تسجيل «تنسيق محكم بين المشرفين على مراكز الاقتراع وتفاهم سائد بين ممثلي المرشحين وعدم تسجيل تجاوزات تذكر». أما رئيس وفد ملاحظي جامعة الدول العربية محمد صبيح فلاحظ، حسب المصدر نفسه، أن الاقتراع جرى «بحرية» ووصف العملية بأنها «مهمة للدول العربية». وبدوره، ذكر رئيس بعثة مراقبي الاتحاد الأفريقي ديالو فاليلو انتخابات الرئاسة الجزائرية جرت في «ظروف حسنة» وأن مكاتب الاقتراع كانت مزودة بالمعازل على عكس باقي البلدان الأفريقية، مشيرا إلى «الحضور القوي للعنصر النسوي بهذه المكاتب». وعد فاليلو هذه الانتخابات «مكسبا ديمقراطيا» بالجزائر.



تحركات حكومية يمنية مكثفة لإعادة تفعيل المؤسسات الخدمية

وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
TT

تحركات حكومية يمنية مكثفة لإعادة تفعيل المؤسسات الخدمية

وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)

مع عودة عدد من وزراء الحكومة اليمنية الجديدة إلى العاصمة المؤقتة عدن، بدأت المؤسسات الحكومية مرحلة جديدة من النشاط التنفيذي المكثف، عكستها سلسلة اجتماعات وقرارات إصلاحية استهدفت إعادة تفعيل الأداء المؤسسي وتحسين مستوى الخدمات العامة، في ظل ظروف اقتصادية وإنسانية معقدة تمر بها البلاد.

وتأتي هذه التحركات ضمن توجه حكومي لتعزيز الحضور الميداني لمؤسسات الدولة وتسريع وتيرة العمل في القطاعات الحيوية المرتبطة بالتنمية والتعافي الاقتصادي المدعوم من السعودية.

في هذا السياق، ترأست وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، الدكتورة أفراح الزوبة، اجتماعاً موسعاً في عدن خُصص لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة، واستعراض مستوى تنفيذ الخطط والبرامج الحكومية والتحديات التي تواجه عمل الوزارة. وركز الاجتماع على تطوير الأداء المؤسسي، وتعزيز التنسيق مع الشركاء الدوليين بما يدعم جهود التنمية وتحسين المؤشرات الاقتصادية.

وأكدت الوزيرة أن المرحلة الحالية تتطلب مضاعفة الجهود والعمل بروح الفريق الواحد، مشيرة إلى أن الوزارة تضطلع بدور محوري في إعداد الاستراتيجيات الوطنية وتعزيز أطر الدعم الاقتصادي والتنموي. كما شددت على أهمية تحسين بيئة العمل الداخلية، ووضع خريطة إصلاحات إدارية ومؤسسية تسهم في رفع كفاءة الأداء ومعالجة الاختلالات القائمة.

وزيرة التخطيط والتعاون الدولي بالحكومة اليمنية أفراح الزوبة ترأس اجتماعاً في عدن (سبأ)

وتزامن ذلك مع لقاء جمع قيادة الوزارة بالمنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في اليمن، جوليان هارنيس، حيث جرى بحث مواءمة الخطط الإنسانية والتنموية مع أولويات الحكومة، وتفعيل آليات التنسيق المشترك لتجنب الازدواجية في البرامج والمشاريع.

وناقش الاجتماع أيضاً أزمة انخفاض التمويل الدولي، وسبل حشد الدعم لقطاعات حيوية، مثل الصحة والتعليم والمياه والأمن الغذائي، إضافة إلى تعزيز مشاريع التعافي المبكر، وبناء قدرة المجتمعات المحلية على الصمود.

وأكدت الوزيرة خلال اللقاء ضرورة أن تُبنى البرامج الأممية على تشاور كامل مع المؤسسات الوطنية، بما يضمن تكامل الجهود وتحقيق أثر مستدام، مع التشديد على أهمية توفير بيئة آمنة للعاملين في المجال الإنساني.

إصلاحات خدمية واقتصادية

في قطاع النقل، أصدر وزير النقل محسن حيدرة قراراً بتشكيل لجنة لمراجعة أسعار تذاكر الطيران في شركة الخطوط الجوية اليمنية وبقية شركات الطيران العاملة في البلاد، بهدف توحيد الأسعار ومعالجة الارتفاع الكبير في تكاليف السفر الجوي مقارنة بالشركات الإقليمية. وكُلّفت اللجنة بتقديم نتائجها خلال أسبوع، في خطوة تعكس استجابة حكومية لشكاوى المواطنين من ارتفاع الأسعار.

وزير النقل اليمني في الحكومة الجديدة محسن حيدرة (سبأ)

أما في قطاع الكهرباء، فقد ترأس وزير الكهرباء والطاقة المهندس عدنان الكاف اجتماعاً موسعاً لمناقشة الاستعدادات لفصل الصيف، الذي يشهد عادة زيادة كبيرة في الطلب على الطاقة. وناقش الاجتماع خطط الصيانة ورفع الجاهزية التشغيلية لمحطات التوليد وتحسين كفاءة شبكات التوزيع للحد من الانقطاعات، مع التأكيد على بذل أقصى الجهود للتخفيف من معاناة المواطنين.

وفي الإطار الاقتصادي والتنظيمي، أصدرت وزارة الصناعة والتجارة قرارين بشطب آلاف العلامات التجارية والوكالات غير المحدثة من سجلاتها الرسمية، ضمن إجراءات تهدف إلى تحديث قاعدة البيانات التجارية وتعزيز الشفافية والانضباط المؤسسي. وترى الوزارة أن هذه الخطوة ستسهم في تحسين بيئة الأعمال، ودعم الثقة في السوق المحلية، بما يعزز فرص الاستثمار والنمو الاقتصادي.

تعزيز الإدارة المحلية

على صعيد الإدارة المحلية، ترأس وزير الإدارة المحلية المهندس بدر باسلمة اجتماعاً موسعاً لمناقشة خطط الوزارة لعام 2026، مع التركيز على تعزيز اللامركزية، وتمكين السلطات المحلية من تقديم الخدمات بكفاءة أعلى.

وأكد الوزير أهمية معالجة ضعف التنسيق بين الحكومة والسلطات المحلية وتصحيح الاختلالات القائمة في المحافظات، بما يسهم في تحقيق التنمية المحلية وتعزيز الاستقرار.

وزير الإدارة المحلية اليمني بدر باسلمة يرأس اجتماعاً في عدن (سبأ)

وفي السياق ذاته، عقد وزير الخدمة المدنية والتأمينات سالم العولقي اجتماعاً لمراجعة مستوى الأداء في قطاعات الوزارة، حيث شدد على ضرورة تسهيل الإجراءات الإدارية وتسريع إنجاز معاملات موظفي الدولة، وتعزيز مبادئ الانضباط والشفافية داخل الجهاز الإداري.

وتعكس هذه الاجتماعات المتزامنة توجهاً حكومياً لإعادة تنظيم العمل المؤسسي وتحسين كفاءة الإدارة العامة، عبر التركيز على بناء القدرات البشرية وتطوير آليات التقييم والمتابعة، بما يضمن رفع جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.


المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended