حراك دولي لاستيعاب التصعيد في حلب.. والمعارضة تنفي تقديم عروض مالية

دي ميستورا للأسد: اتصل بنا وقل أنا مستعد لحكم انتقالي ولمفاوضات فعلية

سوري يحمل ابنته هاربا من شرق حلب (أ.ب)
سوري يحمل ابنته هاربا من شرق حلب (أ.ب)
TT

حراك دولي لاستيعاب التصعيد في حلب.. والمعارضة تنفي تقديم عروض مالية

سوري يحمل ابنته هاربا من شرق حلب (أ.ب)
سوري يحمل ابنته هاربا من شرق حلب (أ.ب)

ارتأت القوى الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي أن هدف المسارعة لاستيعاب التصعيد العسكري الذي تنتهجه موسكو والنظام السوري في مدينة حلب، عاصمة الشمال السوري، فرض موسكو ودمشق شروطهما في أي مفاوضات مقبلة لحل سياسي للأزمة المتمادية منذ عام 2011. وفي حين جددت كل من تركيا وألمانيا تمسكهما برحيل رئيس النظام السوري بشار الأسد كـ«بوابة للحل»، لفت ما أوردته صحيفة «التايمز» البريطانية عن أن الاتحاد الأوروبي اقترح خلال لقاء مع قادة المعارضة قبل أسبوعين تقديم مساعدات مالية لكل الأطراف في سوريا بما فيها النظام في إطار الحل السياسي للصراع، وهو أمر نفته المعارضة نفيًا قاطعًا، متحدثة عن عدم امتلاك أوروبا رؤية واضحة للحل بعد.
الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة حذرا أمس السبت من «وهم» تحقيق انتصار عسكري في مدينة حلب، مشددين على ضرورة إجراء مفاوضات تكفل مستقبلاً آمنًا لسوريا. وقالت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، خلال مؤتمر حول المتوسط في العاصمة الإيطالية روما مخاطبة رئيس النظام السوري بشار الأسد: «تستطيع أن تكسب حربًا لكنك قد تخسر السلام». وتساءلت موغيريني: «مَن لديه مصلحة في كسب حرب والحصول على جائزة تتمثل في بلد منقسم ومسلح ويضيق بالإرهابيين.. ومعزول على الساحة الدولية؟».
من جهته، قال موفد الأمم المتحدة إلى سوريا ستافان دي ميستورا خلال المؤتمر نفسه: «حان الوقت الآن للبدء بمفاوضات فعلية». وتوجه للأسد قائلاً: «اتصل بالأمم المتحدة لتقول: أنا مستعد لحكم انتقالي، ولمفاوضات فعلية».
ونبّه دي ميستورا من أن «الانتصار العسكري الذي ترتسم ملامحه في حلب قد يدفع الحكومة السورية إلى القول: لقد كسبنا الحرب ولم نعد نحتاج بالتالي إلى مفاوضات»، مضيفًا: «آمل ألا يحصل ذلك لأنه لن يحل شيئًا». وإذ جدد الموفد الدولي دعوة روسيا وإيران إلى استخدام «نفوذهما لإقناع دمشق بالتفاوض جديًا»، فإنه أشار إلى أن «البديل يمكن أن يكون نهاية الحرب، ولكن بداية حرب عصابات رهيبة من دون أي إعادة إعمار». وأكد دي ميستورا أن هذه المفاوضات ينبغي أن تشمل «تقاسمًا للسلطة»، ومحذرًا من أي تقسيم لسوريا.
وتطرق الموفد الدولي إلى سوريا لوعد الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب بإلحاق «الهزيمة» بتنظيم داعش، وقال: «إذا كنتم تتحدثون عن إلحاق الهزيمة بـ(داعش) وليس التصدي له، فستحتاجون إلى حل سياسي شامل»، لافتًا إلى تجربتي العراق وليبيا، حيث لا يزال السلام بعيد المنال.
هذا، وتزامنت تصريحات موغيريني ودي ميستورا مع ما نشرته صحيفة «التايمز» البريطانية عمّا قالت إنّه عرض قدّمه الاتحاد الأوروبي يقضي بـ«تقديم مال لنظام الأسد مقابل صفقة سلام في سوريا». وأوضحت الصحيفة أن مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، قدمت مقترحات جديدة لقادة المعارضة السورية في اجتماع قبل أسبوعين، مع عرض بتقديم مساعدات واستثمارات كمقدمة لإرضاء جميع الأطراف. وبحسب التقرير الذي نشرته الصحيفة فإن تلك المقترحات تنسجم مع قرارات الأمم المتحدة الداعية إلى «تحوّل سياسي» في سوريا، «خاصة وأن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا دعمت دائمًا إصرار المعارضة السورية على أن مصطلح (الانتقال السياسي) يعني إزالة الأسد من السلطة، إلا أن مناقشة التحديد الدقيق للانتقال تركت الآن إلى المستقبل».
وأشار التقرير إلى أن مقترحات الاتحاد الأوروبي تتضمن نقل السلطات إلى المحافظات السورية، الأمر الذي سيسمح لقوى «المعارضة المعتدلة» بالاندماج بالقوات الأمنية المحلية، مع الحفاظ على المؤسسات المركزية للدولة، ولكن تحت تنظيم أكثر ديمقراطية. ولم تذكر المقترحات شيئًا بشأن مستقبل الأسد.
وفي حين نفت مصادر في «هيئة التنسيق الوطني» السورية نفيًا قاطعًا أن تكون موغيريني قد قدّمت طرحًا مماثلاً لوفد الهيئة الذي التقاها أخيرًا، أوضحت المصادر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن المسؤولة بالاتحاد الأوروبي التقت 3 وفود من المعارضة هي إلى جانب وفد الهيئة، وفد من «الائتلاف الوطني»، ووفد الهيئة العليا للمفاوضات في اجتماع موحد، مؤكدة أنّه لم يُطرح خلاله تقديم أي أموال للتوصل لحل سياسي، بل جرى الحديث عن وجوب التأهب لعملية إعادة إعمار سوريا. وأضافت مصادر الهيئة: «تاريخنا يشهد بأننا لا نُشترى ولا نُباع ولا نقبض ثمنًا لقراراتنا ومواقفنا. لا نعلم إذا تم طرح شيء مماثل من تحت الطاولة على الوفدين الآخرين..».
من جهته، أشار هادي البحرة، الأمين السابق لـ«الائتلاف الوطني» المعارض، إلى أن الورقة التي قدمتها موغيريني «لا تتضمن رؤية للحل بل مجموعة من الآراء التي تم تجميعها، تقوم على إقامة نظام برلماني في سوريا مع تحديد صلاحياته»، نافيًا نفيًا قاطعا أن تكون تطرقت لأي عروض مالية. وقال البحرة لـ«الشرق الأوسط» في حوار معه: «نحن كنا ولا نزال نتمسك ببيان جنيف لحل الأزمة، الذي يقول بعملية انتقالية لا يكون الأسد ولا الدائرة الضيقة حوله ولا الأطراف التي ارتكبت جرائم في سوريا جزءًا منها». واستبعد أصلا أن تكون الأرضية الحالية مهيأة لانطلاق مفاوضات جديدة «خاصة وأن كل الأطراف وخصوصًا موسكو والنظام يستفيدان من الفراغ الحاصل على صعيد السياسة الأميركية ومن مرحلة انتقال السلطة في واشنطن لتغيير الواقع الميداني في سوريا، وفرض شروطهما في مرحلة لاحقة».
على صعيد متصل، لفت يوم أمس تقاطع موقف وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان مع المواقف التي أطلقها أول من أمس كل من وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو ووزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير لجهة وجوب رحيل الأسد لحل الأزمة السورية. وفي هذا السياق، قال ليبرمان أثناء مشاركته في «منتدى سابان» المنعقد في العاصمة الأميركية واشنطن، إن تسوية الأزمة في سوريا تتطلب ترك الأسد منصبه وانسحاب الفصائل الإيرانية من الأراضي السورية، معتبرًا أن الأسد لم يعد شخصية مقبولة على الصعيد الدولي. ثم قال: «يجب علينا وضع الأسد والإيرانيين في مكانهم». وإذ حث ليبرمان الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب على عدم النأي بالنفس عما يجري في الشرق الأوسط، تحدث عن وجود «حوار شفاف وتنسيق» بين موسكو وتل أبيب في الكثير من المسائل، لا سيما حول سوريا، «وذلك أمر مفيد للغاية»، على حد قول الوزير الإسرائيلي.
وحول التطورات الأخيرة رأى المحلل الاستراتيجي اللبناني الدكتور خطّار بو دياب في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «التصريحات الأوروبية وحتى التركية عن مسألة رحيل الأسد، لا تبدو فاعلة، لأن هذه الدول غير قادرة على التأثير في تغيير مجرى الأحداث في سوريا»، معتبرًا أن اللافت في المواقف كلام أفيغدور ليبرمان، لكونه مقربًا جدًا من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ومعروف بعلاقاته الوثيقة مع الروس، عدا عن أنه أول موقف إسرائيلي بهذا الوضوح». وأوضح أن «مثل هذا التصريح يترجم خططًا روسية غير سريعة، لكنها على المدى المتوسط».
وشدد بو دياب، وهو أستاذ العلوم السياسية في جامعة باريس، على أن مصير الأسد «يتوقف كثيرًا على نوع التسوية التي قد يتوصل إليها فلاديمير بوتين مع دونالد ترامب... وأعتقد أن الأسد استنزف، ولولا الميليشيات الطائفية والقوة الروسية لما بقي في السلطة منذ عام 2013». وتابع: «من الواضح أن الأسد سيستخدم لوقت إضافي من قبل الروس، لكنهم يعرفون أنه لم يعد حصانًا رابحًا يراهنون عليه لحكم سوريا».
من ناحية ثانية، لم يجد بو دياب في كلام وزير خارجية تركيا ووزير خارجية ألمانيا، وقبلهما الموقف الفرنسي عن ضرورة رحيل الأسد، سوى «محاولة تجميل قباحة العجز والتخلي الدولي عن سوريا». وأشار إلى أنه «منذ إعلان (الرئيس الأميركي) باراك أوباما في أغسطس (آب) من عام 2011 عن أن أيام الأسد باتت معدودة، تبين أنه كان يبيع للشعب السوري أوهامًا، لأن كلامه لم يترجم إلى أفعال عن دعم الجيش الحرّ». ورأى الأكاديمي اللبناني أن «هناك دولا كثيرة في العالم قدمت دعمًا للنظام، إلى أن ظهر في عام 2014 تنظيم داعش، وبدأ العالم يركز على أولوية محاربة الإرهاب»، مشيرًا إلى أن «مصير منظومة الأسد تحدد في مؤتمر جنيف 1، لكن الدور الروسي عطل هذا القرار، وترافق ذلك مع السعي لحسم عسكري على الأرض، وتأكيده بأنه لا مناص من التعاون مع الأسد على الحل السياسي في سوريا».



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.