مارتن كوبلر لـ «الشرق الأوسط»: الحوار المخرج الوحيد للأزمة السياسية في ليبيا

المبعوث الأممي إلى ليبيا شدد على ضرورة اعتماد حكومة الوفاق الوطني من قبل مجلس النواب

مارتن كوبلر (غيتي)
مارتن كوبلر (غيتي)
TT

مارتن كوبلر لـ «الشرق الأوسط»: الحوار المخرج الوحيد للأزمة السياسية في ليبيا

مارتن كوبلر (غيتي)
مارتن كوبلر (غيتي)

في أوقات الاستراحة القصيرة التي يقتنصها مارتن كوبلر، المبعوث الأممي الخاص إلى ليبيا، تجده يحاور مواطنين عاديين، قبل أن يعود مرة أخرى للمباني الرسمية وقاعات الاجتماعات لاستئناف مفاوضات صعبة بين الأفرقاء الليبيين، والدخول في حوارات مع أطراف محلية وإقليمية ودولية، لإنقاذ هذا البلد الغني بالنفط والغارق في الفوضى منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حتى الآن.
ورغم حالة الجمود التي أصابت المجلس الرئاسي المنبثق عن اتفاق جرى توقيعه بين أطراف ليبية، برعاية كوبلر، في مثل هذا الشهر من العام الماضي، فإن المبعوث الأممي يقول في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» إنه لم يصب بالملل، ولا يزال متفائلا ويثق في إمكانية عودة الاستقرار والوحدة والسلام إلى ليبيا. وللمرة الثانية خلال أقل من شهر، وصل كوبلر الأربعاء الماضي إلى القاهرة ليبدأ على الفور في إجراء لقاءات متنوعة مع جهات مختلفة حول الوضع الليبي. ويأتي ذلك بعد يومين من زيارته لمدينة طبرق الليبية التي يقع فيها مقر مجلس النواب (البرلمان) الذي يرأسه عقيلة صالح.
وفيما يلي نص الحوار:
* ما هو الهدف من زيارتكم إلى القاهرة؟
تهدف هذه الزيارات إلى إقناع البرلمان بتعديل الإعلان الدستوري، الذي يجري العمل به كدستور منذ سقوط نظام القذافي، بحيث يتضمن الاتفاق السياسي الذي جرى التوصل إليه في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2015 في مدينة الصخيرات المغربية.
وأنا أوافق على ما يُجمع عليه الليبيون، حتى لو كان العودة للمسودة السابقة من الاتفاق السياسي أو غيرها. لكن تضمين الاتفاق في الإعلان الدستوري، هو مطلب لأعضاء الحوار السياسي، وإذا ما جرى اتخاذ هذه الخطوة المهمة فسيكون من حق كل من مجلس النواب ومجلس الدولة تعديل أي شيء داخل هذا الاتفاق فيما بعد.
وأنا أرى أن اعتماد أي حكومة على الميليشيات أمر مثير للقلق، ولا مستقبل للميليشيات في الدولة الليبية، لكن هذا الأمر لا يمكن تغييره سريعا بين ليلة وضحاها.
* نحييكم على الجهود التي تقومون بها في ليبيا. لكن البعض يتساءل أنه بعد نحو سنة من اتفاق الصخيرات، يبدو أنه لا يوجد تقدم، ما سبب ذلك؟
- لا أشاركك القول في أنه لا يوجد تقدم على الإطلاق. كانت هناك ثلاثة تطورات أساسية. الأول هو أني أعتقد أن هناك إجماعا دوليا ووطنيا داخل ليبيا على أنه لا يوجد اتفاق آخر سوى اتفاق الصخيرات. وأنا أحاول أن أعمل مع الاتحاد الأوروبي ومع الجامعة العربية ومع مجلس الأمن أيضا، ومع الاتحاد الأفريقي. وهناك إجماع الآن على أن الصخيرات هي الإطار العام. في الداخل الليبي ربما لا يوجد كثيرون يؤيدون هذا الاتفاق، لكن هناك إجماعا على أنه لا يوجد بديل أو خيار آخر. البديل سيكون الفوضى. والتطور الثاني هو وجود المجلس الرئاسي داخل طرابلس، وهو يحاول أن يعمل جاهدا. أما التطور الثالث فهو محاربة الإرهاب، إذ لا يوجد الآن تنظيم داعش. والقوات الليبية حاربت، وكان هناك عدد كبير من القتلى داخل سرت وفي الشرق. وخلال العامين الماضيين استطعنا أن نثبِّت هذه التطورات. أعتقد جادا أنه يجب أن تكون الحرب موجهة ضد الإرهاب بدلا من أن تحارب الأطراف بعضها بعضا.
هذه هي التطورات الإيجابية. لكني غير راض عن الوضع الآن. هناك حكومة الوفاق الوطني التي لم يتم اعتمادها بعد من قبل مجلس النواب، ولذلك يجب أن يحدث هذا الاعتماد. أعترف أن الوضع الإنساني سيئ للغاية، ومشكلة المهاجرين والهجرة لا تزال موجودة، كما لا يوجد جيش موحد. هناك حكومة تسيير أعمال فقط. لكني أريد أن أستغل الشهر المقبل حتى تكون هناك تطورات. الليبيون يحتاجون إلى مستشفيات تعمل، وإلى مدارس يذهبون إليها، كي تتواصل الحياة.
* لكن هناك من قد يقول إن المجلس الرئاسي لم يتمكن من التوصل إلى توافق مع البرلمان طيلة سنة حتى الآن، فما الحل؟ وهل يوجد أمل جديد من أجل إحداث هذا التوافق؟
- شعاري دائما هو أن يتحدث الناس، بعضهم مع البعض الآخر، فمن خلال الحوار يمكن أن نخلق ثقة، ولذلك أعمل دائما على أن أجمع رئيس البرلمان في طبرق ورئيس المجلس الرئاسي فايز السراج. أنت محق في أنها مسألة ثقة. فبعد 42 عاما من الحكم الديكتاتوري للقذافي لا توجد مؤسسات قوية. وهذا لا يمكن أن يحدث بين ليلة وضحاها. لكني متفائل بالاجتماعات المنتظمة لأعضاء الحوار السياسي، حيث يأتون من الغرب ومن الشرق ومن الجنوب. وهناك ليبراليون وإخوان مسلمون يجلس كل منهم مع الآخر، حول طاولة واحدة، علما بأنه قبل نحو سنة لم يكن بمقدور هؤلاء أن يجلسوا سويا حتى لتناول وجبة الغداء. اليوم هم يجلسون ويتناقشون كما حدث مثلا قبل أيام في مالطا. هم لا يتفقون مائة في المائة، وحتى ربما توجد حالة من انعدام الثقة. لكن لا أحد يغادر الغرفة. وهناك أيضا عزم على أن يصلوا إلى حل.
* في المجلس الرئاسي هناك اعتماد على الميليشيات، وحتى قوات «البنيان المرصوص» (تحارب «داعش» في سرت) هي عبارة عن مجموعات من الميليشيات. فكيف لمجلس رئاسي وحكومة وفاق أن تعتمد على الميليشيات؟
- هذا سؤال جيد للغاية، وهو أيضا أمر يثير القلق، وأنا أوافقك الرأي في أنه لا يمكن لحكومة أن تعتمد على ميليشيات. ولكن هذا الأمر لا يمكن تغييره أيضا في يوم وليلة. لا نستطيع الاستيقاظ غدا ونجد أن الميليشيات لم تعد موجودة. ولذلك نحن نعمل في طرابلس مع المجلس الرئاسي لتأسيس الحرس الرئاسي. نحن الآن في طور بناء وحدة، هي الحرس الرئاسي تحت رئاسة المجلس الرئاسي، وهي من ستحمي المجلس الرئاسي والسفارات، وهي لن تكون منافسا للجيش. هي وحدة تقتصر وظيفتها على حماية المجلس الرئاسي والسفارات والمنشآت الحيوية؛ لأنه حتى السفارات لا يمكن أن تكون خاضعة لسلطة الميليشيات. لذا أنا واثق من أن الحرس الرئاسي سيتطور قريبا ليحل مكان الميليشيات. وحتى في اتفاق الصخيرات هناك وضوح تام بشأن هذه الأمور. وفي نهاية المطاف يجب أن تنتهي هذه الميليشيات وأن تصبح خارج الصورة، وأن تسلم سلاحها ويتم إدماجها في المؤسسات الأمنية، أو في المؤسسات المدنية. وكثير من عناصر الميليشيات يريدون ذلك لكي يعودوا إلى أعمالهم. لكن لا يوجد بديل الآن. فلمن سوف يسلمون أسلحتهم؟ وأين سيذهب هؤلاء الناس؟ كل هذه الأسئلة ينبغي أن يناقشها الليبيون بأنفسهم ويقررون بخصوصها، وهي عملية طويلة. وبالعودة إلى سؤالك، فإن الحرس الرئاسي سيحل محل هذه الميليشيات وسيقوم بحماية المجلس.
* سؤال آخر يتعلق بالميليشيات مرة أخرى في طرابلس بالذات. كثير من قادة هذه الميليشيات من الجماعة الليبية المقاتلة التابعة لتنظيم القاعدة، ومعظم هذه القيادات كانت تعمل في أفغانستان ضمن ما كان يعرف بـ«المجاهدين». فهل مثل هذه القيادات ستكون موجودة في الحرس الرئاسي؟ وهل سيكون لها أي دور مستقبلا؟
- على جميع الميليشيات أن تُحَل، وهذا أمر يتفق عليه الجميع. الميليشيات لا يمكن أن توفر الأمن. وهناك كثير من الميليشيات المختلفة، ومعظم المجموعات في طرابلس هي مجرد عصابات إجرامية وليست ميليشيات. مجموعات تقوم بالاختطاف وليس توفير الأمن، ولذلك فإن ما نحتاجه هو تأمين جيش منظم وشرطة نظامية حتى يتم توفير الأمن. وعندما أتحدث إلى المواطنين العاديين في الشارع الليبي يرددون شيئا واحدا عندما أسألهم عما يتوقعونه من الأمم المتحدة: «فقط نريد الأمن». إنه مطلبهم الأساسي لأنه بناء على الأمن تستطيع أن تبني دولة. في السابق كان هناك مليون مصري يعملون في ليبيا، ولن يتمكن هؤلاء العاملون من العودة إلى ليبيا إذا انعدم هناك الأمن، وخصوصا في الغرب. لذا لا بد أن تكون الدولة موحدة وبجيش ليبي واحد وموحد في جميع البلاد.
> من بين المشكلات التي برزت خلال العام الأخير، مشكلة تفرض طرح السؤال التالي: هل المشير خليفة حفتر (قائد الجيش الوطني) هو من يجب أن يركب سيارة السراج؟ أم أن السراج هو من ينبغي عليه أن يركب سيارة حفتر؟ من يقود؟
- المسألة هي مسألة بناء جيش ليبي واحد. كما هو الوضع الحالي بموجب الاتفاق، فالمجلس الرئاسي هو القائد الأعلى للجيش. وهو المراقب المدني على الجيش، والجيش يتبع المجلس الأعلى للقيادة.
هناك نقاشات جارية الآن على نقطتين. وقد تحدثت في طبرق مع محمد شعيب النائب الأول لرئيس البرلمان، وقبل أسبوعين ناقشت في أبوظبي عقيلة صالح رئيس البرلمان الليبي، وكان النقاش حول إن كان الاتفاق سيبقى على ما هو عليه الآن، أم سيتم إدخال بعض التعديلات عليه. وإحدى هذه الأسئلة هي القائد الأعلى للجيش. بالنسبة للأمم المتحدة نحن ليس لدينا رأي. على الليبيين أن يقرروا، وعملنا ومهمتنا تنظيم العملية إذا ما أرادوا ذلك، وأن يجلسوا على الطاولة ليناقشوا كيف تُحَل المشكلة. والسؤال الثاني المطروح هو دور الجنرال حفتر والمادة الثامنة من الاتفاق (الخاصة بالقائد الأعلى للجيش)، وهذا أمر يعود إليهم أيضا. لكن يجب عليهم أن يلتقوا أولا. الحل لن يهبط من السماء، الحل ينبغي أن يكون من خلال الحوار. وهذه مهمة الأمم المتحدة وبقية الدول.
* هناك اعتقاد أن مدة المجلس الرئاسي سوف تنتهي خلال الشهر الجاري بعد مرور سنة على بداية عمله، فكيف سيتم التعامل مع هذا الأمر؟
- حساب السنة يبدأ بعد أن يعتمد مجلس النواب الاتفاق وليس قبل ذلك. وقد سبق لمجلس النواب أن رفض الحكومة مرتين. وبمجرد أن يعتمد مجلس النواب الاتفاق، يبدأ سريانه ويبدأ حساب السنة. وبعد ذلك يمكن تمديد عمل المجلس الرئاسي لعام آخر. ويجب على مجلس النواب الآن اعتماد حكومة الوفاق.
* هناك من يقول إن عددا من أعضاء المجلس الرئاسي وعددا من الوزراء المقترحين على صلة بجماعات متطرفة وجماعات إرهابية. ألا ترى أن هذا الأمر يمكن أن يؤخر مسألة التوافق بين القيادات الليبية إذا كان صحيحا؟
- من وجهة نظر الأمم المتحدة، فإن المتطرفين والإرهابيين هم (تنظيم) القاعدة، و«داعش» وأنصار الشريعة، وأي شخص تابع لهذه التنظيمات لا يوجد له أي دور أو مكان في المؤسسات. وهناك لائحة بأسماء هذه المنظمات. ولكن من وجهة نظرنا فهذا لا يشمل «الإسلام السياسي». ولكن البعض يرى أن «الإسلام السياسي» هو أيضا تنظيمات إرهابية. وأنا ألتقي بأعضاء «الإخوان المسلمين» داخل الحوار السياسي الليبي، فهم جزء من الحياة السياسية، وهم ليسوا على قائمة الجماعات الإرهابية المصنفة لدى الأمم المتحدة، لذا ألتقي بهم. الشيء المهم هو المصالحة الوطنية. هناك انقسامات كثيرة داخل المجتمع الليبي، لذلك من المهم جدا أن يجتمع الجميع. وهذا لا يمكن أن يحدث إلا من خلال الحوار. وإذا لم تتحدث القيادات بعضها مع البعض الآخر، فكيف سيقوم الناس العاديون بذلك.
أنا ألتقي كثيرا من الشباب الليبي؛ لأنني أعتقد أن استهداف الشباب والتحدث معهم أمر أساسي وضروري. كما أتحدث مع كبار السن أيضا، لكن الشباب يجب أن يقود، ذلك أن 70 في المائة من سكان ليبيا أقل من 39 عاما، و50 في المائة من السكان تتراوح أعمارهم بين 15 إلى 39 عاما. فأين هم في هذه العملية السياسية؟ فهم ليسوا في البرلمان ولا في المجلس الرئاسي ولا في مجلس الدولة، وغير ممثلين أبدا. ونفس الأمر بالنسبة للنساء. أعتقد أن المرأة والشباب ينبغي أن يكون لهم دور في الأمن والسلام. الشبان ليسوا فقط مستقبل البلاد، ولكنهم حاضر البلاد أيضا. الدفع بالشباب مسألة سياسية، يجب أن يشاركوا في الحياة السياسية في ليبيا. ويمكن للكبار أن يتعلموا بعض الأمور من الشباب أنفسهم.
* أمضيتَ حتى الآن نحو سنة في مهمتك مبعوثا للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا. هل شعرت بأي ضغوط من بعض الدول في المنطقة أو من دول العالم الأخرى للقيام بأمر بعينه؟
- الضغط الأساسي يأتي من الليبيين. فهم لديهم بعض التوقعات من الأمم المتحدة، لكن الأمم المتحدة لا يمكن أن تنفذها كلها، وليس بمقدورها توفير الأمن. لكن يمكنها تنظيم الكيفية التي توفر بها ليبيا الأمن لنفسها. أنا أشعر بالأسف حيال هذا الأمر، حيث إنني أريد أن أوفي بهذا الالتزام على وجه الخصوص. ربما تكون هناك ضغوط تأتي من دول أعضاء في الأمم المتحدة، أو من بعض الدول الإقليمية وغيرهم، لكنني لا أضع مثل هذه الضغوط في الحسبان. ففي بعض الأحيان مثلا أستيقظ في منتصف الليل وأنا أشعر بقلق، ليس بسبب التفكير في الضغوط الخارجية أو حتى الضغوط التي تأتي من بعض قيادات الداخل الليبي، ولكن من التفكير في الناس في ليبيا، وأتساءل: كيف سيكون حالهم في الصباح وهم يحملون كل هذه التوقعات من الأمم المتحدة؟ هم يستحقون حياة أفضل. وهذا هو الضغط الحقيقي الذي أشعر به.
* هل تختص مهمتكم بوصفكم بعثة أممية، فقط في محاولة إيجاد توافق سياسي بين الليبيين، أم تتعلق أيضا بتقديم مساعدات لضحايا الخلافات في هذا البلد؟
- هذه البعثة مُوافق عليها من مجلس الأمن. وفي قرار مجلس الأمن هناك مهام محددة لتقوم بها البعثة. ومهمتها الآن تطبيق الاتفاق السياسي؛ لأن الأمن هو أساس الازدهار، وأيضا تقديم المساعدة الإنسانية والدفع بالاقتصاد. ولكن المساعدة الإنسانية هي الأساسية، ومراقبة وضع حقوق الإنسان في البلاد، وعليه هناك كثير من المهام، أهمها تطبيق الاتفاق السياسي الليبي، وتقديم المساعدات الإنسانية لرفع لمعاناة عن الشعب الليبي.
* كانت هناك ملاحظات منذ بداية اتفاق الصخيرات، ومنها أنه لا يوجد ممثلون عن نظام القذافي، ولا توجد قبائل من تلك الرافضة لثورة 17 فبراير (شباط) 2011، وهناك أطراف شعرت منذ البداية أنها غير ممثلة ويبدو أنها غير ممثلة حتى اليوم، ما تعليقك؟
- لا أتفق معك في هذا الرأي. فهناك بعض الوزراء الآن في حكومة الوفاق كانوا يعملون تحت النظام السابق، ووزير الخارجية الحالي السيد سيالة كان يعمل في السابق ضمن نظام القذافي. وأنا ألتقي أيضا ببعض القيادات العسكرية في غرب البلاد، كانوا تحت نظام القذافي. وإذا كان هناك أشخاص ارتكبوا جرائم، أو أيديهم ملطخة بالدماء فلا يمكن أن يكون لديهم دور. ومثل هؤلاء يجب معاقبتهم في لاهاي (المحكمة الدولية). نحن على اتصال بالمحكمة الجنائية الدولية والمدعية العامة فيها. ولكن الغالبية يجب أن يتم إدماجهم. وشعاري هو التحدث على وجه الخصوص مع من يعارضون حوار الصخيرات، ولذلك أنفق سبعين في المائة من وقت عملي مع من يعارضون الصخيرات. فأمر مَن يوافقون على الاتفاقية مفروغ منه. لكننا نحتاج الآخرين، منهم القبائل وأيضا هناك من كانوا يعملون تحت النظام السابق، ومن المهم جدا إدماج الجميع، وأن يكون أيضا هناك حوار بين الأطراف التي لا يتفق بعضها مع البعض الآخر.
* هذه هي الزيارة الثانية لكم التي تقومون بها للقاهرة في أقل من شهر. لماذا القاهرة تحديدا؟ وما الجديد؟
- أنا آتي للقاهرة مرة على الأقل كل شهر. ولكني أزور دولا أخرى كالجزائر والنيجر وتشاد. دول الجوار الليبي مهمة جدا. ومن المهم أن أتحدث إلى المصريين هنا، ومن المهم أيضا التحدث إلى الآخرين. هناك كثير من أعيان القبائل الليبية يعيشون في مصر، وهناك كثير من الليبيين ألتقي بهم هنا في القاهرة، وسألتقي برئيس أركان القوات المسلحة المصرية. وقبل أسبوعين التقيت بوزير الخارجية المصري السيد سامح شكري، لكنه ليس موجودا هذه المرة في مصر. لدى مصر الآن اهتمام كبير جدا بما يحدث داخل ليبيا، وطول الحدود المصرية مع ليبيا يبلغ نحو 1200 كيلومتر، لذا من المهم جدا أن أستمع إلى مشورة القيادات المصرية؛ لأنني أحتاج لمعرفة كيف يفكرون. كما أنني أحب القاهرة كثيرا، فقد وُلد ابني هنا في القاهرة عندما كنت سفيرا لبلادي بها طوال سنوات.
* وهل أكلت «الكشري» في القاهرة أيضا؟
- بالطبع، وأنا أحب الكشري جدا. ولا زلت أحرص على تناوله كلما جئت للقاهرة. وأنا أحب النوع الذي يباع في الطريق. حين كنت سفيرا هنا تجولت كثيرا في القاهرة وفي مصر عموما. كنت أتجول بسيارتي، وحين أجد بائع كشري في الشارع أتوقف وآكل وجبة.
* لكنك كنت تركز على عقد الاجتماعات بين الأطراف الليبية في تونس أو في المغرب أو في جنيف، ولم تبدأ زيارة القاهرة إلا في الفترة الأخيرة، لماذا؟
- لا، هذا ليس صحيحا، فقد زرت القاهرة كثيرا، وكل شهر تقريبا أكون في القاهرة منذ بداية تسلمي لمهامي، وربما هذه هي زيارتي الثانية عشرة لمصر منذ ذلك الوقت.
* يرى البعض أنه إذا وافق الليبيون على العودة إلى المسودة الرابعة من اتفاق الصخيرات (التي تخفض عدد نواب رئيس المجلس الرئاسي) فإنك يمكن أن تساعد في هذا الاتجاه. فهل هذا مطروح على الطاولة؟
- هذا الأمر مطروح للنقاش الآن، ولكنه لا يعود إليّ، بل إلى الليبيين. ومسألة كيف ستكون هيكلية الجيش الليبي وشكل المجلس الرئاسي هي قرارات تعود إلى الليبيين أنفسهم. الخطة واضحة تماما بعد اجتماع أعضاء الحوار السياسي قبل أسبوعين. أعضاء الحوار السياسي طلبوا من مجلس النواب تعديل الإعلان الدستوري. وهذا يعني أن اتفاق الصخيرات جزء من الدستور الليبي، وبهذا يصبح مجلس النواب هو من يملك هذا الاتفاق، وهناك آلية للتعديل داخل الاتفاق، لكن كل هذا بعد تضمين الاتفاق في الإعلان الدستوري أولا، وبعد ذلك يمكن لمجلس النواب ومجلس الدولة تعديل أي شيء داخل هذا الاتفاق. كثيرون ينتقدون الاتفاق، ولكن كل الأسئلة التي طرحتها لديها أجوبة داخله. وحتى آلية التغيير موجودة داخل هذا الاتفاق. لكن هذا يعتمد على تعديل الإعلان الدستوري من داخل مجلس النواب. لقد أرسلت خطابا للسيد عقيلة صالح، بطلب من أعضاء الحوار السياسي، لإدخال الاتفاق في الإعلان الدستوري. وكنت في طبرق لأتحدث معهم في هذا الأمر. وإذا كانوا لا يريدون تعديل الإعلان الدستوري فليخبرونا لماذا.
* بعد كل هذه الجولات من محاولات التوفيق بين الليبيين طوال أكثر من سنة. هل بدأت تشعر بالملل؟
- على العكس تماما. في بعض الأحيان تكون النقاشات تدور ربما في نفس الحلقة، ولكن في أحيان أخرى تمنحني تلك النقاشات نفسها الأمل في أنه يمكن أن نخرج من هذا النمط. هناك نقاشات قد تدور في نفس المحطة، لكن في النهاية الكل يرى أنه لا بد من أن يكون هناك تقدم. تقاسم السلطة بين جميع العناصر وأيضا مبدأ الشمولية، أي أن يكون الجميع على الطاولة، من الغرب والشرق والجنوب، ومن الشباب والنساء والأحزاب السياسية والبلديات. الآن الصراع كله حول كيفية تقسيم الثروة. ولعل الجميع يجب أن تكون لديه حصة من تلك الثروة. ولكن هذا سيأخذ وقتا.
* ماذا تقول لليبيين؟
- بعد سنة من النقاشات يجب أن نصل إلى حل ونتيجة. ورسالتي إلى مجلس النواب: تعديل الإعلان الدستوري والجلوس مع مجلس الدولة للوصول إلى اتفاقات وحلول في القضايا العالقة. ولكن رسالتي الأساسية إلى الشعب الليبي: أنا لا أملّ ولا أكلّ من العمل من أجلكم، النساء والأطفال والرجال، كل شخص لا بد أن يجد فرصة للتعليم، وكل مريض لا بد أن يجد مستشفى لعلاجه. ولا وجود لأم تضطر لأن تصحو في الليل على صوت إطلاق النار في الشارع وبكاء أطفالها من الخوف. والأمم المتحدة دائما بجانب الضعفاء في كل مكان. وعليه أقول: ادعموا المجلس الرئاسي والاتفاق السياسي وادعموا العملية السياسية.



أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.


تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
TT

تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)

لا يزال اليمن يحتل موقعاً متقدماً ضمن قائمة الدول الأكثر تضرراً من أزمة الجوع الحاد عالمياً، في ظل مؤشرات دولية متزايدة التحذير من تفاقم الأوضاع الإنسانية واتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي، مع استمرار الصراع، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتراجع التمويل الدولي المخصص للبرامج الإغاثية؛ الأمر الذي يضع ملايين السكان أمام تحديات معيشية غير مسبوقة.

وأظهرت تقارير دولية حديثة أن اليمن يُصنَّف ضمن البلدان التي تشهد مستويات مرتفعة للغاية من انعدام الأمن الغذائي، لا سيما ضمن مستوى «الطوارئ»، وهو ثاني أخطر تصنيف قبل المجاعة وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، في وقت تسجل فيه بعض المناطق حالات دخلت مرحلة «الكارثة»، وهي أخطر مستويات الجوع التي تهدد حياة السكان بصورة مباشرة.

وتعكس هذه المؤشرات عمق الأزمة الغذائية التي تضرب البلاد منذ سنوات، في ظل تشابك عوامل داخلية وخارجية أسهمت في إنهاك قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، ودفعت شرائح واسعة من السكان إلى الاعتماد شبه الكامل على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.

وتضع البيانات الدولية اليمن في مقدمة الدول الأكثر تأثراً بالأزمات الغذائية على مستوى العالم، حيث يواجه ملايين اليمنيين أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة، مع اتساع الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة والقدرة المحدودة على الاستجابة لها.

سوق شعبية في صنعاء حيث العاصمة اليمنية الخاضعة للحوثيين (الشرق الأوسط)

ويرى مراقبون أن استمرار الانقلاب الحوثي وما خلّفه من دمار واسع للبنية الاقتصادية والإنتاجية، أسهما بصورة مباشرة في تقويض الأمن الغذائي، خصوصاً مع تراجع النشاط الزراعي، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل، إلى جانب الزيادات المستمرة في أسعار السلع الأساسية.

كما أدى تراجع مصادر دخل الأسر، وانكماش فرص العمل، وتدهور القدرة الشرائية بفعل الأزمات الاقتصادية المتراكمة، إلى دفع ملايين اليمنيين نحو مستويات أكثر هشاشة، خصوصاً في المناطق الريفية والأشد تأثراً بالنزاع، حيث تتراجع فرص الوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية بشكل متزايد.

ويؤكد مختصون في الشأن الإنساني أن الأزمة لم تعد مقتصرة على نقص الغذاء فقط، بل أصبحت أزمة مركبة ترتبط بسوء التغذية، وضعف الخدمات الصحية، وتراجع شبكات الحماية الاجتماعية؛ ما يضاعف من خطورة الوضع على الفئات الأكثر ضعفاً، وفي مقدمتها الأطفال والنساء.

تراجع التمويل

في موازاة ارتفاع الاحتياجات، تواجه المنظمات الإنسانية تحدياً كبيراً يتمثل في تقلص التمويل الدولي المخصص لبرامج الإغاثة؛ وهو ما انعكس مباشرة على حجم ونطاق التدخلات الإنسانية المنفذة على الأرض.

ويؤكد مراقبون أن انخفاض التمويل دفع كثيراً من الجهات الإغاثية إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية والتغذوية، وإعادة ترتيب أولوياتها بما يركز على الحالات الأكثر إلحاحاً؛ ما ترك أعداداً كبيرة من الأسر خارج نطاق الدعم المنتظم، رغم تزايد حاجتها إلى المساعدة.

جبايات الحوثيين تسببت بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية (الشرق الأوسط)

كما أسهم تراجع التمويل في الحد من قدرة المنظمات على تنفيذ برامج مستدامة تعزز الأمن الغذائي، مثل دعم سبل العيش، وتوسيع مشاريع المياه، وتحسين الخدمات الصحية، وهي تدخلات كان من شأنها الحد من تفاقم الأزمة وتخفيف الاعتماد على المساعدات الطارئة.

ويرى خبراء أن استمرار فجوة التمويل، بالتوازي مع تعقيد البيئة الإنسانية، قد يدفع بمزيد من المناطق إلى أوضاع أكثر خطورة، خاصة مع استمرار التحديات المرتبطة بوصول المساعدات وارتفاع تكلفة العمليات الإنسانية في بلد يعاني هشاشة واسعة في بنيته الخدمية والاقتصادية.

مرحلة حرجة

في تحذير جديد، وصف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الوضع الإنساني في اليمن بأنه وصل إلى «نقطة تحول حرجة»، مشيراً إلى أن ملايين السكان يواجهون خطر الانزلاق نحو مستويات أشد من الجوع الحاد إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لاحتواء الأزمة.

وحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن نحو 22.3 مليون يمني باتوا في حاجة إلى مساعدات إنسانية وحماية، في حين لا يزال أكثر من 18 مليون شخص معرضين لمستويات حادة من الجوع، في مؤشر يعكس اتساع رقعة الأزمة بصورة غير مسبوقة.

تراجع حصص العائلات اليمنية من المعونات الإنسانية (أ.ف.ب)

وتتزامن هذه المؤشرات مع تحديات صحية متفاقمة، في ظل تعثر النظام الصحي واستمرار عمل نسبة محدودة من المرافق الطبية بشكل جزئي؛ ما يضع ملايين السكان أمام مخاطر مزدوجة تجمع بين نقص الغذاء وضعف القدرة على الحصول على الرعاية الصحية الأساسية.

وتحذّر المؤسسات الدولية من أن استمرار هذا الوضع دون استجابة واسعة النطاق سيقود إلى تداعيات إنسانية خطيرة، تشمل ارتفاع معدلات سوء التغذية، وزيادة معدلات الوفيات المرتبطة بالجوع والأمراض، واتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية في مختلف أنحاء البلاد.

وفي ظل هذه الصورة القاتمة، تتزايد الدعوات إلى تكثيف الاستجابة الإنسانية الدولية، ودعم برامج الأمن الغذائي والتغذية، وتعزيز سبل العيش والخدمات الأساسية، بصفتها خطوات ملحة للحد من تفاقم الأزمة ومنع انزلاق مزيد من اليمنيين إلى حافة المجاعة.