«العدناني» رجل «داعش» الثاني اختبأ في سوريا لشهور قبل ان تصطاده «سي آي إيه»

كان أكثر اهتمامًا بأمنه وسلامته الشخصية.. وعمليات متواصلة لتعقب البغدادي

البغدادي زعيم «داعش».. (واشنطن بوست) - أبو محمد العدناني الرجل الثاني في تنظيم داعش الإرهابي
البغدادي زعيم «داعش».. (واشنطن بوست) - أبو محمد العدناني الرجل الثاني في تنظيم داعش الإرهابي
TT

«العدناني» رجل «داعش» الثاني اختبأ في سوريا لشهور قبل ان تصطاده «سي آي إيه»

البغدادي زعيم «داعش».. (واشنطن بوست) - أبو محمد العدناني الرجل الثاني في تنظيم داعش الإرهابي
البغدادي زعيم «داعش».. (واشنطن بوست) - أبو محمد العدناني الرجل الثاني في تنظيم داعش الإرهابي

ظل أبو محمد العدناني، كبير المتحدثين باسم تنظيم داعش الإرهابي هادئا، على غير عادته، خلال موسم الصيف الماضي، بالنسبة للرجل الذي اشتهر بالخطب الطويلة والمواعظ النارية.
وبدا السوري، الذي حث الآلاف من الشبان المسلمين على ارتداء الأحزمة الانتحارية الناسفة، أكثر اهتماما بأمنه وسلامته الشخصية، على حد وصف المسؤولين الأميركيين. فلقد كان أكثر ابتعادا عن استخدام الهواتف الجوالة، وعازفا عن حضور اجتماعات التنظيم الكبيرة، ومتجنبا الظهور والخروج من المنزل في وضح النهار أغلب الأوقات. وشرع في الإقامة والنوم في المساكن المزدحمة بالمواطنين في بلدة «الباب» الشمالية السورية، مراهنا على وجود الأطفال الصغار لحمايته من هجمات الطائرات من دون طيار (درون) التي تجوب سماء المنطقة بحثا عن الأهداف المحتملة. ولكن في أواخر أغسطس (آب) الماضي، وبعد سلسلة الهزائم العسكرية الكبيرة التي مُني بها التنظيم الإرهابي، اضطر العدناني غير مختار إلى مغادرة مخبئه لفترة وجيزة، حيث كانت القوات الأميركية وعيون «سي آي إيه» في انتظاره. من خلال عملية مشتركة للمراقبة، والرصد، أشرفت عليها وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الدفاع الأميركية، تم رصد وتتبع القيادي البارز البالغ من العمر 39 عاما أثناء مغادرته لملاذه المختار في بلدة «الباب» واستقلاله إحدى السيارات بصحبة أحد الرجال المرافقين له. وكانا يتجهان إلى الشمال سالكين الطريق السريع الذي يخترق المناطق الريفية هناك على بعد بضعة أميال قليلة من البلدة عندما أصاب صاروخ «هيلفاير» السيارة، أسفر عن مصرع الرجلين في الحال.
وجاءت الهجمة الصاروخية التي وقعت في 30 أغسطس الماضي تتويجا لجهود المهمة التي استغرقت عدة أشهر وكانت تستهدف أحد أبرز قيادات تنظيم داعش الإرهابي، وربما أخطرهم، حسب وصف المسؤولين الأميركيين للعملية. ولم تصرح إدارة الرئيس باراك أوباما بالكثير حول تلك الهجمة بأكثر من دحض المزاعم الروسية التي أشاعت أن إحدى طائراتها المقاتلة قد ألقت بالقذيفة التي أودت بحياة العدناني ورفيقه ذلك اليوم. ولكن، وحيث إن التفاصيل العملياتية الرئيسية الخاصة بمهمة اغتيال العدناني لا تزال قيد السرية والكتمان، تحدث المسؤولون الأميركيون بصراحة أكبر حول ما وصفوها بأنها «الحملة الناجحة للغاية» لرصد وتعقب وقتل كبار القادة في التنظيم الإرهابي الدولي، ومن بينهم أبو محمد العدناني، الرجل الثاني في التنظيم، وأكبر الأهداف التي تمت تصفيتها حتى الآن. ولقد تمكنت الغارات الجوية الأميركية خلال الأشهر الأربعة الماضية من حصد أرواح 6 شخصيات كبيرة، على أدنى تقدير، من كبار رجالات التنظيم الإرهابي، إلى جانب العشرات من النواب وقادة الصف الثاني، إضافة إلى محو أفرع بأكملها من التخطيط التنظيمي لقيادات الجماعة.
وأدت تصفية تلك القيادات، على حد وصف المسؤولين الأميركيين، إلى ازدياد حالة العزلة التي يعاني منها أبو بكر البغدادي زعيم التنظيم الإرهابي، وحرمانه من أقرب وأقدر مساعديه، وتقليص قدراته على التواصل مع أتباعه المحاصرين. ولم يطل البغدادي برأسه مخاطبا أتباعه أو يثبت له ظهور علني منذ أكثر من عامين كاملين باستثناء شريط صوتي وحيد؛ مما يفيد بأن زعيم التنظيم الكبير يبذل قصارى جهده للاختباء والاختفاء عن الأنظار، على حد قول بريت ماكغورك، المبعوث الخاص لإدارة الرئيس أوباما للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب الذي يسعى إلى تدمير «خلافة» البغدادي المزعومة والموهومة.
وأردف السيد ماكغورك يقول خلال اجتماع لشركاء التحالف عُقد في برلين خلال الشهر الحالي: «إنه يحاول الاختباء بعيدا، بعدما نجحنا في القضاء على كل نوابه ومساعديه تقريبا. إننا نضع أيدينا على مواطن القوة والضعف من شبكتهم الإرهابية. وإذا ما نظرت إلى كل نوابه ومساعديه وما تبقى منهم للاعتماد عليه، تجد أنهم كلهم قد رحلوا».
ولا تعني تصفية كبار قادة التنظيم قرب انهيار «داعش» وزواله. حيث يحذر المسؤولون الأميركيون إلى جانب خبراء مكافحة الإرهاب من أن هيكل التنظيم اللامركزي وشبكته المنتشرة ومترامية الأطراف التي تضم كثيرا من الفروع والأذرع الإقليمية، قد تضمن للتنظيم قدرا ما من المرونة والاستمرار حتى مع فقدان البغدادي نفسه من على رأس التنظيم. ولكنهم، رغم ذلك، يقولون إن عمليات التصفية الأخيرة تشير إلى التطور، وربما التعقيد، المتزايد الذي تشهده حملة الاستهداف والتعقب والاغتيال التي تشرف عليها كل من وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الدفاع الأميركية، عبر العامين المنقضيين بغرض إزاحة كبار قادة التنظيم ورجالاته المؤثرين، الذين يبذلون الجهود المضنية للاختفاء والاختباء، عن مشهد الأحداث الحالية.
ويقول المسؤولون الأميركيون إن هناك مساعدات مقدمة للحملة الحالية من قبل التكنولوجيات الجديدة إلى جانب الحلفاء الجدد، بمن في ذلك الفارون والمنشقون عن التنظيم، الذين يسلطون كثيرا من الأضواء المهمة على كيفية انتقال وتواصل العناصر الإرهابية في التنظيم. وفي الأثناء ذاتها، تمارس الخسائر الإقليمية والهزائم العسكرية مزيدا من الضغوط الهائلة على ما تبقى من قيادات التنظيم لأجل الخوض في المخاطر الشديدة، والسفر بالسيارات، والتواصل بواسطة الهواتف الجوالة والكومبيوترات بدلا من المراسلين، على حد وصف المسؤولين والمحللين.
ويقول أحد المسؤولين الأميركيين المخضرمين في مجال مكافحة الإرهاب الذي عمل بشكل وثيق مع القوات الأميركية وغيرها من القوات العسكرية في الشرق الأوسط، والذي، على غرار الآخرين ممن شملتهم هذه المقابلة الشخصية، فضلوا عدم ذكر هويتهم لأجل مناقشة العمليات العسكرية الحساسة: «يضطر الإرهابيون إلى التواصل بالوسائل الإلكترونية بسبب أنهم فقدوا السيطرة على الطرق. وفي الأثناء ذاتها، فإن قدراتنا على اختراق اتصالاتهم هي في أفضل أوضاعها نظرا لأن موقف التنظيم يزداد سوءا بمرور الوقت، وأنهم لم يعودوا يلقون بالا للتحقق من هويات المجندين الجدد لديهم. لدينا الآن صورة أفضل بكثير عن التنظيم من الداخل مما كان عليه الأمر في مواجهتنا مع تنظيم (القاعدة في العراق)».
* بوق «الخلافة»
كان أول من قضى نحبه هو أبو عمر الشيشاني، المتشدد الجورجي ذو اللحية الحمراء، الذي عُرف عنه اشتراكه في الحرب بين روسيا وجورجيا في عام 2008، وكان قد تلقى التدريب الراقي على أيدي القوات الخاصة الأميركية عندما كان لا يزال من عناصر الجيش الجورجي من قبل. ولقد ارتقى سلالم التنظيم الإرهابي سريعا ليشغل منصب «وزير حرب (داعش)»، ونقلت التقارير الإخبارية أنباء مقتله لما لا يقل عن 6 مرات في مختلف المناسبات منذ عام 2014، ليعاود الظهور من جديد، ومن دون إصابات أو أذى على ما يبدو، من أجل قيادة الحملات العسكرية في العراق وسوريا. ولقد نفد نصيب الشيشاني من الحظ والتوفيق في 10 يوليو (تموز) الماضي عندما أصاب صاروخ أميركي تجمعا لقادة التنظيم الإرهابي في مدينة الموصل العراقية. وكانت تلك الهجمة باكورة سلسلة من العمليات الناجحة من استهداف كبار قادة الأجنحة العسكرية والدعائية وفرق العمليات الخارجية، على حد وصف المسؤولين الأميركيين.
وفي 6 سبتمبر (أيلول) الماضي، تمكنت غارة جوية لقوات التحالف من اغتيال «وائل عادل حسن سلمان الفياض»، وزير الإعلام في التنظيم الإرهابي، على مقربة من مدينة الرقة السورية. وفي 30 سبتمبر أيضا، تمكنت القوات الأميركية من اغتيال «أبو جنات» نائب القائد العسكري في التنظيم، وكبير الضباط المسؤولين عن دفاعات مدينة الموصل، إلى جانب 31 من كبار مسؤولي التنظيم في المدينة، الذين لقوا مصرعهم في وقت مبكر من الهجوم على المدينة، بمساعدة من القوات الأميركية، لاستعادة السيطرة عليها.
وفي 21 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، استهدفت غارة جوية أميركية «عبد الباسط العراقي»، وهو المواطن العراقي المعروف بأنه مسؤول عن شبكة العمليات الخارجية في منطقة الشرق الأوسط بالتنظيم، والمسؤول أيضا عن تنفيذ كثير من الهجمات ضد الأهداف الغربية.
ولكن جاء مقتل العدناني بمثابة كبرى الضربات المفردة التي تلقاها التنظيم حتى الآن، كما يقول المحللون؛ حيث عدّ خبراء مكافحة الإرهاب أن المتشدد ذا الأصول السورية أكثر من مجرد متحدث باسم التنظيم؛ حيث كان العدناني عضوا، ولفترة طويلة، في الدائرة المغلقة والمقربة داخل التنظيم، ولقد كان من الدعاة الموهوبين، ومن المفكرين الاستراتيجيين الذين لعبوا دورا مهما ومحوريا في كثير من النجاحات الكبيرة التي حققها التنظيم فيما مضى؛ من سيطرتهم على كثير من منافذ التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت، إلى أكثر الهجمات الإرهابية ترويعا ودموية في الخارج، بما في ذلك هجمات باريس وبروكسل.
وظلت أهميته داخل أروقة التنظيم تزداد وتتفشى. وفي العام الماضي، وبعد أن بدأ التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في استعادة السيطرة على كثير من المدن في العراق وسوريا، كان العدناني هو من حل محل «بوق التنظيم» المسؤول، حيث كان يواظب على نشر الرسائل والخطب الحماسية بغية رفع الروح المعنوية لأعضاء التنظيم، في الوقت الذي كان يستصرخ المسلمين المتعاطفين معهم من كل أرجاء العالم لتنفيذ الهجمات الإرهابية باستخدام كل الوسائل المتاحة لديهم.
إلى ذلك، يقول ويل ماكانتس، الخبير في شؤون التطرف المسلح لدى «معهد بروكينغز»، ومؤلف كتاب في عام 2015 بعنوان «نبوءات داعش»: «لقد كان العدناني هو صوت الخلافة الصادح، في الوقت الذي لا يسمع فيه أحد صوت الخليفة المزعوم. ولقد كان أحد الذين دعوا إلى شن الحرب المفتوحة على الغرب».
هذا؛ وقد رفضت كل من وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الدفاع الأميركية التعليق على الأدوار المحددة التي قاموا بها في عملية اغتيال العدناني. ولكن هناك مسؤولين آخرين مطلعين إلى الجهود الجارية قالوا إن عملية العثور على الرجل الثاني في تنظيم داعش صارت من الأولويات التي تقارب أهمية العثور على البغدادي ذاته وقتله. ولكن على غرار خليفته، فإن العدناني، وهو أحد الناجين من الحروب السابقة بين القوات الأميركية والمسلحين السنة في العراق، أثبت قدرات ومهارات خاصة في البقاء بعيدا عن مسار الصواريخ الأميركية الموجهة.
يقول الخبير الأميركي في مكافحة الإرهاب والمشارك في تنسيق الجهود العسكرية الأميركية - الشرق أوسطية: «كانت حمايته الشخصية جيدة بصورة خاصة. ولكنها صارت أفضل وأفضل مع مرور الوقت».
ولكن نوعية الاستخبارات الآتية من المنطقة كانت آخذة في التحسن هي الأخرى. ولقد وصف أحد المسؤولين الأميركيين من المطلعين على سير الحملة وجود عملية تعلم من مرحلتين: في الشهور الأولى، ركزت حملة القصف على الأهداف الأكثر وضوحا، مثل مستودعات الأسلحة والمنشآت النفطية. ولكن بحلول منتصف العام الماضي، كان المحللون يعكفون على فرز سيول من البيانات الخاصة بتحركات القادة والأفراد في التنظيم.
وكانت المعلومات مستمدة من شبكة متنامية من العناصر البشرية إلى جانب الابتكارات التكنولوجية المعاونة، بما في ذلك طائرات الاستطلاع من دون طيار، وطائرات المراقبة المجهزة بنظام المراقبة والاستطلاع متوسط الارتفاع المحسن والمطور لدى وزارة الدفاع الأميركية، والمصمم بالأساس لتحديد وتعقب الأهداف البشرية على الأرض.
يقول المسؤول الأميركي المطلع على شؤون الحملة الجوية: «خلال العام الأول، كانت أغلب الغارات الجوية تستهدف المباني والمنشآت. ولكن خلال العام الماضي، أصبحت الغارات أكثر تركيزا وتحديدا عن ذي قبل، مما عاد بمزيد من النجاحات».
* الترقب والانتظار
وحتى الآن، ظلت المعلومات الخاصة بأماكن وجود اثنين من كبار القادة – البغدادي والعدناني – مبعثرة ومتفرقة. وبعد الجائزة التي وضعتها إدارة الرئيس أوباما، بقيمة 5 ملايين دولار، على رأس أبو محمد العدناني، أصبح أكثر حذرا على نحو متزايد، كما يقول المسؤولون الأميركيون، حيث لم يتجنب استخدام الهواتف الجوالة فحسب، بل المكوث في المباني التي تحمل أطباق استقبال الأقمار الصناعية كذلك. وكان يستخدم المراسلين الخاصين به في نقل الرسائل المهمة ليبقى بعيدا قدر الإمكان عن التجمعات الكبيرة.
وفي نهاية المطاف، تحول دوره إلى تنسيق الدفاع عن مجموعة من البلدات والقرى القريبة من الحدود التركية. وكانت إحدى هذه البلدات هي «منبج»، البلدة المركزية ونقطة العبور المهمة لأفراد التنظيم الإرهابي حال انتقالهم من وإلى تركيا. ومن البلدات المهمة الأخرى كانت بلدة «دابق»، وهي البلدة الصغيرة المذكور اسمها في أدبيات النصوص الدينية بأنها محل المعركة المستقبلية في نهاية الزمان بين جموع قوى الخير والشر.
تخير العدناني أن يكون مقر قيادته في بلدة «الباب» الصغيرة، التي تبعد مسافة 30 ميلا تقريبا إلى الشمال الشرقي من حلب. ولقد اختبأ هناك وسط المواطنين السوريين العاديين على مشهد من الجميع، حيث كان يعقد الاجتماعات في المبنى السكني المزدحم نفسه الذي كان يعيش فيه. وكما كانت عادته، كان يستخدم المقربين منه في البعث بالرسائل، حتى، وعلى نحو مفاجئ، صار من المحال تقريبا مواصلة القيام بذلك.
في يوم 13 أغسطس الماضي، تمكنت قوات المعارضة السورية المدعومة من الولايات المتحدة من السيطرة على بلدة «منبج»، وكانت الأولى في سلسلة الهزائم القاسية التي مُني بها التنظيم الإرهابي على طول الحدود التركية. واحتشد الآلاف من القوات لشن الهجمات على بلدة «جرابلس» الحدودية الرئيسية، إلى جانب بلدة «دابق»، التي تبعد 20 ميلا فقط من قاعدة العدناني.
ومع إغلاق كثير من الطرق من جانب القوات المعادية، أصبح التواصل مع المقاتلين في الصفوف الأمامية غاية في الصعوبة. واضطر العدناني إلى مغادرة مخبئه لعقد الاجتماعات، وعندما شرع في ذلك يوم 30 أغسطس، تمكنت فرق المراقبة التابعة للاستخبارات الأميركية، أخيرا، من استهدافه بكل وضوح بعد انتظار وترقب استمر أسابيع طويلة.
تظهر السجلات التي تمت بواسطة رادار تتبع الطائرات التجارية وجود طائرة صغيرة تحلق على ارتفاعات متعددة أعلى أحد الطرق الريفية إلى الشمال الغربي من بلدة «الباب». ولم يصدر عن الطائرة أي علامة للنداء، مما يعد مؤشرا عاما على أنها طائرة عسكرية في مهمة سرية. وكان نمط الطيران يشبه أنماط الطيران التي سُجلت في الماضي لطائرات تابعة لوزارة الدفاع الأميركية ومجهزة بتكنولوجيا حديثة من التي تستخدم في مراقبة الأهداف على الأرض.
وكان الطريق الريفي هو نفسه الذي كان يسافر العدناني عبره عندما أصاب صاروخ «هيلفاير» سيارته، مما أسفر عن مصرعه هو ورفيقه.
ولقد أعلن تنظيم داعش عن مقتل العدناني في اليوم نفسه، عبر نشرة إخبارية تنعى مقتل القائد الذي «قتل أثناء تفقد عمليات القتال لصد الحملات العسكرية ضد حلب». ولكن في واشنطن، ظل خبر مصرعه حبيس الأدراج لمدة أسبوعين، حيث كان المسؤولون الأميركيون في انتظار الأدلة على مقتل العدناني وأن الجثة التي انتشلت من حطام السيارة هي بالفعل جثته.
وجاء التأكيد أخيرا في 12 سبتمبر الماضي، عبر بيان صادر عن وزارة الدفاع الأميركية يؤكد أن «غارة دقيقة للولايات المتحدة كانت قد استهدفت وقضت على رئيس جناح الدعاية في التنظيم الإرهابي، ومسؤول التجنيد الأول، ومهندس العمليات الإرهابية الخارجية». واستمر الجانب الروسي على مزاعمه، في استفزاز واضح للمحللين الأميركيين الذين يعرفون صعوبة ومشقة عمليات البحث. وفي الأثناء ذاتها، لا يزال التأثير النهائي لمقتل العدناني قيد التقييم.
يقول الخبراء المخضرمون في مكافحة الإرهاب إن الشبكة الإرهابية الواسعة، والمنتشرة، مثل تنظيم داعش تميل إلى سرعة استعادة التوازن بعد فقدان زعيم كبير، حتى وإن كان زعيما مؤثرا للغاية كمثل العدناني. يقول بروس هوفمان، مدير مركز الدراسات الأمنية التابع لجامعة جورج تاون، ومؤلف مجموعة من الكتب حول شؤون الإرهاب: «إن قطع الرؤوس من أذرع الاستراتيجية الكبيرة، ولكن لا يمكنك هزيمة تنظيم إرهابي بمجرد قطع رؤوس زعمائه فحسب»، مشيرا إلى أن القوة العسكرية لتنظيم داعش مستمدة من «الضباط السابقين المجهولين في جيش صدام حسين الراحل»، الذين يشكلون في مجموعهم النواة الاحترافية الأكثر خطورة ضمن هيكل التنظيم، وفقدان زعيم الجناح الدعائي في التنظيم بالنسبة لهم ليس أكثر من مجرد «خروج مؤقت عن المسار».
ومع ذلك، ومع كثير من الصواريخ التي تنتظر أهدافها، فإن تنظيم داعش، ومن دون شك، بات يفقد قدرته على القيادة والتأثير على قواته المحاصرة، كما يقول خبراء آخرون معنيون بشؤون الإرهاب. يقول بروس رايدل، الخبير الأسبق لمدة 30 عاما في شؤون الإرهاب لدى وكالة الاستخبارات المركزية ولدى «معهد بروكينغز»: «التدمير المستمر لقيادة (داعش)، إلى جانب فقدان الأراضي، يسببان تآكلاً مهمًا في جاذبية التنظيم وقوته. إن (داعش) يواجه أزمة ومعضلة حقيقية وخطيرة».

* خدمة «واشنطن بوست» خاص بـ«الشرق الأوسط»



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.