ترامب رئيسًا.. بشرى غير سارة لبشار الأسد

من سيحكم دمشق لن يعود إلى موسكو التي ليس بإمكانها توفير موارد لبلد طبيعي

متظاهرون يطالبون بمعاقبة الأسد وبوتين بسبب القصف الوحشي في سوريا منتصف أكتوبر الماضي أمام قصر بوريفاج في لوزان حيث عقد آخر اجتماع حول سوريا (إ.ب.أ)
متظاهرون يطالبون بمعاقبة الأسد وبوتين بسبب القصف الوحشي في سوريا منتصف أكتوبر الماضي أمام قصر بوريفاج في لوزان حيث عقد آخر اجتماع حول سوريا (إ.ب.أ)
TT

ترامب رئيسًا.. بشرى غير سارة لبشار الأسد

متظاهرون يطالبون بمعاقبة الأسد وبوتين بسبب القصف الوحشي في سوريا منتصف أكتوبر الماضي أمام قصر بوريفاج في لوزان حيث عقد آخر اجتماع حول سوريا (إ.ب.أ)
متظاهرون يطالبون بمعاقبة الأسد وبوتين بسبب القصف الوحشي في سوريا منتصف أكتوبر الماضي أمام قصر بوريفاج في لوزان حيث عقد آخر اجتماع حول سوريا (إ.ب.أ)

عندما يتولى مقاليد الرئاسة في غضون بضعة أسابيع من الآن، ستكون المأساة المستمرة في سوريا واحدة من أوائل ملفات السياسة الخارجية على مكتب الرئيس المنتخب دونالد ترامب. وتعج الساحة السياسية الآن بالفعل بتكهنات حول ما يمكن أن يقدم عليه بخصوص الملف السوري.
يعتقد بعض الخبراء أنه نظرًا لأن حديثا دار بالفعل بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين أثناء الحملة الانتخابية، فإنه ربما يعيد صياغة السياسة الأميركية تجاه سوريا بحيث تصبح أكثر قربًا من تلك التي تنتهجها موسكو. ومع ذلك، يتوقع آخرون أن ترامب، الذي يبدو عاقدًا العزم على التركيز على القضايا الداخلية، سيعمد إلى الابتعاد عن عش الدبابير السوري بأسرع ما يمكنه.
ويبقى آخرون ربما يتمتعون بقدر كبير من التفكير الحالم يعتقدون أنه نظرًا لتعهده بـ«تدمير» تنظيم داعش في الرقة شمال سوريا، فإن ترامب سيجد نفسه مضطرًا للتخلي عن سياسة الرئيس باراك أوباما القائمة على الوهم، بأخرى جادة حيال ما ينبغي النظر إليه باعتبارها أخطر أزمة دولية في الوقت الراهن.
في الواقع، يعود الفضل وراء ظهور مثل هذه التوقعات والتكهنات هنا وهناك إلى حقيقة أن الرئيس المنتخب لم يطلق أي تصريحات واضحة بخصوص سوريا أو أي قضية أخرى تتعلق بالسياسة الخارجية. وبالتالي، يصبح أقصى ما يمكن للمرء فعله محاولة تفسير التصريحات الشحيحة التي أدلى بها وخلق إطار عام لسياساته المحتملة بإمعان النظر في الشخصيات التي اختارها في فريق الأمن الوطني حتى الآن.
وعليه نجد أن النظرية القائلة بأن ترامب سيعيد صياغة السياسة الأميركية تجاه سوريا لتصبح أقرب لسياسة بوتين، تعتمد في حقيقة الأمر على تفسير مبالغ فيه للملحوظة العفوية التي أدلى بها ترامب عندما قال إنه «سيتماشى مع فلاديمير بوتين بصورة جيدة»، بيد أن «التماشي بصورة جيدة» لا يعني تسليم قيادة دفة السياسة الأميركية بخصوص قضية حساسة إلى الرئيس الروسي. الأهم من ذلك أن ثمة دلائل قوية تكشف أن موسكو ذاتها تفتقر إلى استراتيجية واضحة بخصوص سوريا. علاوة على ذلك، ورغم النبرة الودودة التي تحدث بها بوتين عن فوز ترامب، فإن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بدا أكثر حذرًا. ومن المحتمل أن يكتشف ترامب بمرور الوقت أن روسيا ذاتها لا تدري ما ينبغي لها فعله تجاه سوريا، بخلاف قتل الأبرياء عبر غارات جوية لا تميز بين مدنيين ومسلحين، تمامًا مثلما كانت الحال مع إدارة أوباما على مدار السنوات الخمس الماضية.
وينبئ الهجوم المرير الذي شنه لافروف، السبت، ضد أوباما، لنصحه ترامب بتوخي الحذر حيال التقارب مع روسيا، عن قلق موسكو من أن الإدارة الأميركية الجديدة ربما لا تنساق بسهولة وراء الركب الروسي.
اللافت أن هالة الغموض المحيطة بموقف ترامب المحتمل تجاه سوريا تزداد عندما يتعلق الأمر بمصير رئيس النظام السوري بشار الأسد. وقد انعكس ذلك بوضوح خلال مقابلة مع وزير خارجية النظام السوري وليد المعلم نشرتها وكالة أنباء «إرنا» الإيرانية الرسمية، الأحد. وخلال المقابلة، قال الوزير: «من المبكر للغاية الحديث عما ستفعله الإدارة الأميركية الجديدة. ونحن على اتصال يومي بالجانب الروسي بهذا الشأن، مثلما الحال مع قضايا أخرى».
ويساور القلق إيران أيضًا على ما يبدو، حيال النهج الذي سيتخذه ترامب تجاه سوريا، خاصة إذا ما أثيرت القضية السورية في إطار تفاهم أوسع بين موسكو وواشنطن.
وفي مقال افتتاحي نشرته الأسبوع الماضي، حذرت صحيفة «كيهان» اليومية التي تعرف بأنها تعكس آراء «المرشد الأعلى» علي خامنئي، من اتفاق محتمل بين روسيا والولايات المتحدة ربما يقوض «المصالح الحيوية للممانعة». ويذكر أن «الممانعة» اللفظ الذي تستخدمه طهران للإشارة إلى نفسها وحلفائها بما فيهم الأسد والأذرع المختلفة لما يسمى «حزب الله» والكثير من الجماعات المسلحة بالعراق واليمن.
من جانبه، جعل خامنئي من مصير الأسد اختبارًا لإثبات ادعائه بأنه قائد الأمة الإسلامية. وقال علي أكبر ولايتي، أحد كبار مستشاري خامنئي فيما يخص السياسة الخارجية: «المرشد الأعلى لن يسمح بسقوط الرئيس الأسد». ومع هذا، تبقى مسألة تسليم الأسد حكم البلاد إلى سلطة مؤقتة تشكل الأطياف المتنوعة داخل سوريا، نقطة البداية لجميع الخطط المطروحة لإنهاء الصراع الدائر بالبلاد تقريبًا.
وسبق وأن أكد وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون والمتحدثة الرسمية باسم السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي فيدريكا موغيريني، بأن أوروبا لن تقبل حلاً يبقي على الأسد في السلطة. بطبيعة الحال، ربما يأمل بوتين لو أن باستطاعته القضاء على المعارضة الرافضة للأسد قبل تولي ترامب رسميًا مقاليد الرئاسة. إلا أنه حتى لو حدث ذلك، فإن قرار تحديد من سيحكم دمشق لن يعود إلى موسكو، ذلك أن استعادة ولو المظهر الخارجي لبلد طبيعي يتطلب موارد ليس بإمكان موسكو ولا أي قوة أخرى توفيرها بمفردها. ولا يمكن سوى لائتلاف يضم الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا، الحيلولة دون تحول سوريا إلى مستنقع تترعرع فيه جراثيم الإرهاب لتهدد العالم بأسره.
بالنسبة لترامب، فإنه بالنظر إلى نمط الشخصيات التي اختارها في فريق الأمن الوطني المعاون له حتى الآن، يمكن القول بأنه من المحتمل أن يتبع سياسة أكثر نشاطًا تجاه محاربة الإرهاب. جدير بالذكر أن مستشاره للأمن الوطني، لفتنانت جنرال مايكل فلين، كان قد استقال من منصبه كمدير لوكالة استخبارات الدفاع عام 2014 لإيمانه بأن أوباما لم يكن جادًا في محاربته الإرهاب، خصوصا في سوريا.
وقد تجلى مؤشر يوحي بأن فلين سيكون واحدًا من أقرب مساعدي ترامب على شتى أصعدة السياسة الخارجية عندما نال الجنرال دعوة لحضور اجتماع الرئيس المنتخب مع رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي في نيويورك، الأسبوع الماضي. كما أن الرجل الذي وقع عليه اختيار ترامب كمدير جديد لوكالة الاستخبارات المركزية، مايك بومبيو، فيمثل نبأ سيئًا آخر بالنسبة للأسد، ذلك أنه دعا مرارًا إلى أن هزيمة «داعش» تستلزم سياسة جديدة تجاه سوريا.
كما أن اعتماد الأسد المفرط على الدعم الإيراني يقلص فرص تحوله إلى الجانب الأميركي على أمل إطالة فترة بقائه في الحكم. وبالمثل نجد أن السيناتور جيف سيشنز، الرجل الذي اختاره ترامب كنائب عام جديد، لطالما انتهج موقفًا متشددًا حيال الملالي الإيرانيين و«الدور المدمر» الذي يقول إنهم يضطلعون به داخل الشرق الأوسط.
ولدى إجراء مسح لجميع الأسماء المرشحة لمنصب وزير الخارجية، نجد أنها تشترك فيما بينها في رفض السماح للأسد بالبقاء في منصبه. ورغم أن ميت رومني ورودي غيلياني وجون بولتون ربما يتبع كل منهم موقفًا أقل حدة حيال عقد صفقة مع روسيا، فإنهم من غير المحتمل أن يوافقوا على المشاركة في تحمل العبء الذي بات يشكله نظام الأسد بالنسبة للجميع، بما في ذلك من يرعونه في طهران وموسكو.
حقيقة الأمر في كل الأحوال تبقى مسألة وصول ترامب إلى الرئاسة نبأ غير سار بالنسبة للأسد ومن يدعمونه في طهران، وذلك ببساطة لأن وجود الأسد خبر سيئ بالنسبة لسوريا في حد ذاتها.



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.