كلاب يأكل بعضها بعضًا

كايج وكوك ودافو من فيلم {كلاب يأكل بعضها بعضا}
كايج وكوك ودافو من فيلم {كلاب يأكل بعضها بعضا}
TT

كلاب يأكل بعضها بعضًا

كايج وكوك ودافو من فيلم {كلاب يأكل بعضها بعضا}
كايج وكوك ودافو من فيلم {كلاب يأكل بعضها بعضا}

Dog Eat Dog
إخراج: بول شرادر
تشويق بوليسي | الولايات المتحدة ـ 2016
تقييم الناقد: ****

لم يبتعد الكاتب والمخرج بول شرادر عن رصد مساوئ البشر منذ أن كتب لمارتن سكورسيزي فيلم «سائق التاكسي» (1976). كان ذلك ثاني عمل لشرادر ككاتب بعد فيلم نيّر آخر قام بتحقيقه سيدني بولاك بعنوان «ذا ياكوزا» (1974). عندما تحوّل شرادر إلى الإخراج سنة 1978 بقي مشدودًا، وبعد عدة سيناريوهات ناجحة أخرى، إلى ذلك الوجه الداكن من البشر.
«كلب يأكل كلبًا» لا يختلف بل يزيد. يتناول حكاية تتعامل مع ثلاثة رجال خارجين عن القانون وضعها إدوارد بَنكر قبل نحو عشرة أعوام. بَنكر كان سجينًا وتحوّل إلى كاتب وحقق نجاحًا لا بأس به. لذلك الحكاية تستفيد من نظرة قريبة على عالم هؤلاء المجرمين الخارجين من السجن والراغبين في الهروب من حياة الفقر صوب الرخاء. طريقتهم الوحيدة تنفيذ جريمة جديدة.
في مطلع الفيلم نرى ماد دوغ (ويليام دافو) يأخذ جرعة كوكايين وفوقها ما يزيده هلوسة. تدخل عليه صديقته البدينة (والمخرج يجلب عددًا من أصحاب الكروش رجالاً ونساء في أدوار ثانوية بينها الدور الذي يقوم هو بتمثيله تحت اسم غرينكو) والخلاف بينهما يتطور سريعًا. ماد دوغ، الذي لا يستطيع فقد عقله لأنه فقده منذ زمن، يغمد في جسد صديقته السكين عدة مرات بطريقة متوحشة ثم يركض وراء ابنتها المراهقة (آيلة إلى البدانة بدورها) ويقتحم غرفتها ويطلق النار على رأسها.
هذه البداية، على عنفها، تضع الفيلم على سكة الحديد. اللاحق لن يقل عنفًا. في الواقع، كلما ظهر دافو تتوقع منه عملاً مرعبًا كالذي ارتكبه. هو واحد من السجينين الآخرين هما نيكولاس كايج وكريستوفر ماثيو كوك، والثلاثة يخططون لعملية كبرى.
على أن هذا العنف ليس مجانيًا بل يستخدمه الكاتب للكشف عن عمق شخصيته كما يستخدم مشكلاتهم العاطفية والنفسية للكشف عن مساوئ أخرى. هؤلاء هم مِن قاع الجريمة ولو أن بعضهم (تحديدًا الشخصية التي يؤديها كايج) أفضل من بعضهم الآخر.
المهمة الأخيرة التي سيقومون بها هي خطف فتاة صغيرة لمساعدة العصابة التي استأجرتهم على ابتزاز والدها. القبض عند التسليم. لكن التسليم لا يتم لأن ماد دوغ أقدم على قتل الرجل الذي كان سيدفع للثلاثة الأجر المتفق عليه. ديزل (كوك) سيقتل ماد دوغ ليس طمعًا في شيء ولا نتيجة خلاف بل لأن ذاك، وتحت تأثير الهلوسة، لم يتوقف عن الشكوى والهذيان. أما تروي فيدرك أن الحياة المترفة التي كان يصبو إليها باتت سرابًا. الآن هو طريد القانون من جديد.
هناك قدر كبير من السخرية السوداء في هذا الفيلم. مرح ملطخ بالترفيه. لكن ما يجيز الإعجاب به هو إخراج شرادر له. ما يوفره على الشاشة هو مزيج من الحكاية البوليسية معالجة بأسلوب كاريكاتيري ومتميّزة بسبر غور الشخصيات وإدارة الممثلين بما يخدم غاية المخرج في تصوير واقع يشبه جدران الجريمة الملطخة بالدم.



«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
TT

«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)

بعد أكثر من 4 عقود على عرضه الأول، يصل فيلم «ذا شاينينغ» (The Shining) إلى دور السينما السعودية في إطار عرض محدودة، يبدأ يوم الخميس المقبل؛ ما يمنح الجمهور المحلي فرصة التفاعل مع أحد أكثر أفلام الرعب النفسي تأثيراً، بتقنية «آيماكس (IMAX)»، وذلك ضمن تجربة مشاهدة كاملة على الشاشة الكبيرة، حيث تتجلى قوته البصرية والفكرية كما صُممت في الأصل.

وربما حتى الذين لم يشاهدوا الفيلم، مرُّوا بلقطات أيقونية منه، حيث يترسخ حضور «ذا شاينينغ» من خلال مشاهد عدة، يتقدمها المشهد الشهير الذي يُعد من أكثر اللقطات تداولاً في تاريخ السينما، ويظهر فيه الممثل جاك نيكلسون وهو يكسر باب الحمام بفأسه، قبل أن يُدخل رأسه من الفتحة الخشبية مبتسماً بجنون. وتحوَّلت هذه اللقطة إلى رمز بصري يُستعاد باستمرار في وسائل التواصل الاجتماعي، مع حضور الفيلم الدائم في قوائم أفضل الأفلام، وفي الكتابات النقدية؛ ما يعكس قدرته على التجدّد والتفاعل مع تحولات الذائقة السينمائية.

كذلك أصبح الرقم 237 خالداً في ذاكرة عشاق السينما، وهو رقم أهم غرفة في الفيلم، وواحدة من أكثر عناصره رسوخاً في الأذهان، لارتباط هذا الرقم بمشهد بالغ الكثافة النفسية، واستمر تداول الرقم في النقاشات والتحليلات السينمائية، ليصبح علامة على قدرة الفيلم على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رموز ذات دلالات مفتوحة.

ويمثل عرض «ذا شاينينغ» في السعودية جزءاً من حركة أوسع لإعادة قراءة السينما الكلاسيكية بعيداً عن الحنين العاطفي، وبمنظور نقدي معاصر يضع الفيلم في سياقه التاريخي والجمالي، حيث يفتح حضور هذا العمل المجال أمام جيل جديد لاكتشافه، وأمام جمهور أقدم لإعادة تأمله ضمن شروط مشاهدة مختلفة، تُبرز تفاصيله الدقيقة وإيقاعه المتأمل.

الممثلة شيلي دوفال في مشهد من الفيلم (المصدر: IMDb)

ستانلي كوبريك.. سينما التفاصيل

الفيلم الذي أُنتج عام 1980، من إخراج المخرج الأميركي ستانلي كوبريك، أحد أبرز صُناع السينما في القرن العشرين، وصاحب مسيرة اتسمت بالتنوع والصرامة الفنية؛ إذ عُرف كوبريك الذي توفي عام 1999 باهتمامه الشديد بكل تفصيلة في العمل السينمائي، من حركة الكاميرا إلى تصميم الديكور، ومن الإيقاع السردي إلى اختيار الموسيقى، وفي «ذا شاينينغ»، بلغ هذا الهوس بالكمال ذروته، حيث تحولت كل لقطة إلى جزء من بناء نفسي متكامل.

واستند كوبريك في عمله إلى رواية الكاتب «ستيفن كينغ» التي تحمل العنوان نفسه، لكنه قدّم معالجة سينمائية مستقلة ركزت على الأبعاد الذهنية للشخصيات أكثر من التزامها بحبكة رعب تقليدية، وهذه المقاربة جعلت الفيلم عملاً قابلاً لإعادة القراءة عبر أزمنة مختلفة.

قصة العزلة والانهيار النفسي

تدور أحداث الفيلم حول الكاتب جاك تورانس، الذي ينتقل مع زوجته ويندي وابنهما داني إلى فندق معزول في جبال كولورادو، لتولي مهمة الإشراف عليه خلال فترة الإغلاق الشتوي، والعزلة الطويلة، والطقس القاسي، والتاريخ الغامض للفندق، بيئة نفسية ضاغطة تتكثف فيها الهواجس والمخاوف، ليتحوّل الكاتب فيها إلى شخص مختلف عن صورة الزوج والأب الذي اعتادت عليه أسرته.

في حين يمتلك الطفل داني قدرات نفسية تتيح له رؤية أحداث من الماضي واستشراف ما سيقع، لتتحول إقامته في الفندق إلى تجربة قاسية تضع الأسرة أمام اختبارات متتالية، وهذه القصة، رغم بساطتها، تُستخدم مدخلاً لتفكيك مفاهيم الجنون، والذاكرة، والعنف الكامن في العلاقات الإنسانية.

يتناول الفيلم الانهيار النفسي الذي يعيشه كاتب يُدعى جاك تورانس، في مكان معزول (المصدر: IMDb)

أداء صنع أيقونة سينمائية

وجسّد دور البطولة الممثل جاك نيكلسون، في أداء أصبح علامة فارقة في مسيرته الفنية، مقدّماً شخصية الكاتب جاك تورانس بتدرج نفسي حاد، ينتقل من الاتزان الظاهري إلى الانفجار الداخلي، وأسهم هذا الأداء في ترسيخ الشخصية كإحدى أكثر الشخصيات حضوراً في تاريخ السينما.

كما شاركت شيلي دوفال، في دور زوجته ويندي، في أداء ركّز على الهشاشة والقلق والخوف، وقدّم الطفل داني لويد شخصية ابنهما داني بأداء هادئ وغامض، جعل منه عنصراً محورياً في بناء التوتر النفسي للفيلم، حيث منح تكامل هذه الأداءات العمل عمقاً إنسانياً تجاوز حدود الرعب التقليدي.

أصداء العرض الأول

عند عرضه الأول مطلع الثمانينات، أثار «ذا شايننغ» نقاشاً واسعاً بين النقاد والجمهور، ولفت الانتباه بأسلوبه المختلف وإيقاعه المتأني. ومع مرور السنوات، تزايد حضوره في الدراسات النقدية والجامعية، وظهرت قراءات متعددة تناولته من زوايا نفسية واجتماعية وثقافية وتاريخية. وهذا التحول في الاستقبال النقدي أسهم في ترسيخ مكانته كعمل سينمائي متجدد، يُعاد اكتشافه مع كل جيل، ويُقرأ وفق سياقات فكرية مختلفة، ما جعله أحد أكثر الأفلام تحليلاً في تاريخ السينما الحديثة.

الأم وطفلها يحاولون النجاة من الأمور الغريبة التي تحدث في فندق أوفرلوك داخل الفيلم (المصدر: IMDb)

الفندق... قلب القصة

ويحتل «فندق أوفرلوك» في «ذا شاينينغ» موقعاً مركزياً في السرد، حيث تعامل معه كوبريك بوصفه كياناً حياً، لا مجرد فضاء للأحداث، بما يشمله من الممرات الطويلة، والهندسة المتناظرة، وحركة الكاميرا الانسيابية، حيث بدت كلها عناصر صُممت بعناية لتعزيز الإحساس بالضياع والاختناق النفسي.

ولعبت الموسيقى التصويرية دوراً محورياً في بناء التوتر، عبر نغمات تجريبية حادة تتناغم مع التحولات النفسية للشخصيات، وهذا التوظيف الصوتي والبصري جعل من الفيلم تجربة حسية كاملة، تتضاعف قوتها عند مشاهدته على الشاشة الكبيرة.

الأفلام الكلاسيكية

يأتي عرض «ذا شاينينغ» في دور السينما السعودية ضمن توجُّه متصاعد لبرمجة الأفلام الكلاسيكية وأعمال الرعب النفسي ذات القيمة الفنية العالية، إلى جانب الإنتاجات الجديدة. ويعكس هذا التوجه تطور ذائقة الجمهور المحلي، واتساع مساحة الخيارات السينمائية، حيث باتت الصالات تستضيف عروضاً خاصة لأعمال مفصلية في تاريخ السينما العالمية، وحضور فيلم من وزن «ذا شايننغ» على الشاشة الكبيرة في السعودية يضع الجمهور أمام تجربة سينمائية جديرة بالتوقف والتذكّر.


5 أفلام جديدة في «صندانس» عن رحلات ومجتمعات

لقطة من «جورفين» (مهرجان صندانس)
لقطة من «جورفين» (مهرجان صندانس)
TT

5 أفلام جديدة في «صندانس» عن رحلات ومجتمعات

لقطة من «جورفين» (مهرجان صندانس)
لقطة من «جورفين» (مهرجان صندانس)

بعد 44 سنة من إقامته في مدينة بارك سيتي بولاية يوتاه، ينتقل مهرجان صندانس، بدءاً من العام المقبل، إلى بلدة صغيرة روعي فيها أن تشكّل مجتمعاً مشابهاً لذلك الذي احتضن المهرجان طوال تلك المدّة. الموقع الجديد هو بلدة باولدر في ولاية كولورادو، وهي بدورها بلدة جبلية تقع في محيط طبيعي جميل.

الجميع حزين هنا. منصّات كثيرة كتبت عن الأسف الذي تشعر به هذه البلدة الواقعة عند سفوح الجبال الثلجية شمالي يوتاه. تنقلك حافلة سياحية من عاصمة الولاية سولت ليك سيتي، لتصل إلى بلدة بارك سيتي الوديعة بعد نحو ساعة ونصف. المكان هذا العام مزدحم كعادته، ليس بالفنانين والسينمائيين الذين يؤمّونه، بل بمئات الأفلام التي تُعرض في أرجائه وأقسامه. فيما يلي 5 أفلام انتخبها هذا الناقد قبيل إسدال الستارة في 1 فبراير (شباط) المقبل.

«ماء ساخن»

تقوم الممثلة البلجيكية لبنى أزابال (من أب مغربي وأم إسبانية) ببطولة هذا الفيلم الأول للمخرج رمزي باشور، وهو وجه جديد بين مخرجي الأفلام المستقلة، وُلد في بيروت ويعيش في نيويورك، وهذا عمله فيلمه الأول مخرجاً.

لبنى ازابال في «ماء ساخن» (مهرجان صندانس)

«ماء ساخن» فيلم طريق (Road Movie)، لأم وابنها الشاب ينطلقان من ولاية إنديانا في شرق الولايات المتحدة إلى كاليفورنيا. أزابال هنا امرأة لبنانية الأصل تقوم بهذه الرحلة الطويلة عبر الولايات. الفيلم يتيح متابعة الشخصيتين والطبيعة من حولهما ذات المناظر المتعددة، لكنه ليس فيلماً روحانياً، بل يتراوح بين الدراما والكوميديا، كمن لا يزال يبحث عن هويته بينهما.

يعالج باشور فيلمه برقة وسلاسة، حتى عندما تحتاج بعض المواقف إلى حدّة أكبر، لكنه يبني شخصية الأم بعناية، ويحمّلها مشكلات الأمومة والعمل والرغبة في الابتعاد عن الواقع، ولو إلى حين.

«باشوكو أميركي: أسطورة لويز ڤالديز»

في وقت يواجه فيه المهاجرون اللاتينيون قرارات الإدارة الأميركية، والأحداث الأخيرة التي نجم عنها مقتل شخصين من المعارضين لسياسة الهجرة، يأتي فيلم «باشوكو أميركي: أسطورة لويز ڤالديز» لديڤيد ألڤاردو ليسلّط الضوء على بعض إسهامات المكسيكيين في الحياة الفنية الأميركية.

وُلد لويز في الولايات المتحدة. عمل فلاحاً في صباه (يصف تلك الفترة بأنها «عبودية فعلية»)، ثم أصبح كاتباً مسرحياً في شبابه، حيث أنشأ «مسرح العمّال»، قبل أن يستكمل مسيرته في مجالات الرواية والمسرح والسينما على مدى عقود. يواكب الفيلم رحلة شاقّة ومثمرة في آن.

في حديث ڤالديز (ابن 85 عاماً اليوم)، يذكر فيلماً أخرجه عام 1981 عن مسرحية له بعنوان «Zoot Suit». حقق الفيلم نجاحاً فاق ما نالته المسرحية، ما شجّعه على إنجاز فيلم ناجح آخر هو «La Bamba» سنة 1987.

منهج المخرج ألڤاردو كلاسيكي في معالجته، لكن ذلك لا يحجب نجاح الفيلم في الاحتفاء بشخصية كان ينبغي ألا تغيب عن الاهتمام الإعلامي حتى الآن.

«معلَّق بسلك»

فيلم تسجيلي يتناول موضوعاً مختلفاً تماماً: 8 أشخاص عالقون بين السماء والأرض بعدما انقطعت بعض كابلات عربة كانت تنقلهم فوق جبال منطقة باكستانية. الحادثة، التي وقعت فعلياً قبل عامين، دفعت المخرج محمد علي نقفي إلى إنجاز هذا الفيلم، مستخدماً مواد أرشيفية وتصويراً حيّاً ومقابلات.

النتيجة مروّعة في بدايتها، حال يدرك المشاهد ما حدث وقبل أن يعرف لماذا حدث. بعد ذلك، يتحول الفيلم إلى سباق ضد الوقت لعملية الإنقاذ. يتأرجح العمل بين رغبة المخرج في تقديم الحدث كتحقيق في واقعة، وبين محاولة توظيفه كفيلم إثارة. هو من تلك الأفلام التي تعنى بدراما فعلية وتشدّ أنفاس المشاهدين لبعض الوقت، ثم فضولهم فيما تبقّى من العرض.

«منزل الصديق هنا»

في هذا الفيلم، محاولة لتقديم وضع فني ينمو في العاصمة الإيرانية رغم العقبات والظروف. فنانون يعملون من دون موافقة السلطة: يجتمعون، ويتحدّثون، ويتبادلون الآراء، وفي البال تحقيق ذواتهم بوصفهم فنانين.

ربما هذا موجود، وربما صُوّر الفيلم سراً (بل لا بد أن تصويره تم سرّاً، لأنه مختلف ومعارض). يؤكد مُخرِجا الفيلم، حسين كشاڤارز ومريم عطائي، ذلك في سياق حملة إعلامية واضحة، بعدما جرى هُرِّب الفيلم خارج البلاد (وبات تهريب الأفلام أسهل مما كان عليه سابقاً).

من الفيلم الإيراني «منزل الصديق هنا» (مهرجان صندانس)

الحكاية نفسها تحيط بموجة جديدة من الشخصيات الرافضة، والمُشاهد مدعو لربط ما يراه بما حدث بعد انتهاء الفيلم من مظاهرات، ولو أن الفيلم لا يحتوي على تنبؤات، وهو الذي صُوّر بين حرب الاثني عشر يوماً وقبل الاحتجاجات الأخيرة.

العنوان مستوحى من فيلم الراحل عباس كيارستمي «أين منزل صديقي؟»، لكن شتّان بين العملين، وبين إبداع باقٍ وفيلم يعيش لحظاته المحدودة.

«جوزفين»

تختار المخرجة بث دِ أرايو، في ثاني أفلامها بعد «نعومة وهدوء» (2022)، موضوعاً مرتبطاً بواقعة شاهدتها في طفولتها: عملية اغتصاب جعلتها تعي خطراً لم تدرك معناه آنذاك، لكنه تحوَّل لاحقاً إلى سؤال حول سلوك لم تفهمه حينها، وربما إلى عقدة دفينة.

هذا ما يقدّمه الفيلم منذ مطلعه. فتاة في الثامنة من عمرها (تؤديها ماسون ريڤ) تشهد جريمة اغتصاب مروعة في حديقة عامة. يهبّ والدها (تشانينغ تاتوم) لمطاردة الفاعل، طالباً منها البقاء قرب الضحية التي كانت قد بدأت تستعيد وعيها. يقع كل ذلك خلال ربع الساعة الأولى من الفيلم، قبل أن تتابع المخرجة حياة بطلتها، التي نقلتها الحادثة من البراءة إلى الإحساس بأن العالم من حولها لم يعد آمناً.

من تلك الواقعة، يتطوَّر الفيلم إلى دراما شبه نفسية حول كيفية تعامل الأب (تشانينغ تاتوم) والأم (جيما تشان) مع تأهيل ابنتهما، التي يتعيّن عليها لاحقاً الشهادة في المحكمة عمّا حدث.


شاشة الناقد: مئوية يوسف شاهين... معهد العالم العربي يعرض أبرز أفلامه

خالد النبوي في «المهاجر» (أفلام مصر العالمية)
خالد النبوي في «المهاجر» (أفلام مصر العالمية)
TT

شاشة الناقد: مئوية يوسف شاهين... معهد العالم العربي يعرض أبرز أفلامه

خالد النبوي في «المهاجر» (أفلام مصر العالمية)
خالد النبوي في «المهاجر» (أفلام مصر العالمية)

المهاجر ★★1/2

إخراج:‫ يوسف شاهين ‬(1994)

مصر | حكاية يوسف... لكن أيهما؟

يؤخذ على يوسف شاهين أنه، منذ فيلم «باب الحديد» (1950)، يتحدث عن نفسه في معظم أفلامه. إن لم يكن عن طريق إسناد البطولة لمن يماثله، فعن اختيار موضوعات يسبر غورها التاريخي من دون استبعاد الإيحاء بأنه يماثل شخصياتها.

«المهاجر» (بطولة خالد النبوي) من هذا النوع. في العمق، هو حكاية النبي يوسف كما وردت في الكتب السماوية، لكنه في الواقع عن يوسف الآخر... يوسف شاهين ورؤيته لكل من التاريخ والدين والحاضر.

هذا واضح فيما يصفه شاهين بصراع المواقف بين أفكار تدعو للتطوّر وأخرى تحث على العودة إلى الماضي وحده.

على قيمة هذا الجانب من الفيلم، لا يترك «المهاجر» الأثر نفسه الذي شهدته أفلامه الأخرى، مثل («العصفور» أو «الاختيار» أو «المصير»)، بل ينبري أكثر خطابة مما اعتاد المخرج عليه.

العصفور ★★★‬ إخراج: يوسف شاهين (1974)

مصر | نبوءات المخرج بعد أوانها

أثار الفيلم ضجة كبرى، محورها رؤيتان متناقضتان: الأولى ـ جماهيرية أساساً ـ تقول إن الفيلم هجوم على الرئيس جمال عبد الناصر، والثانية تنفي أن الفيلم كان هجوماً عليه في تلك الفترة العصيبة التي دارت أحداث الفيلم خلالها، وهي فترة الهزيمة العسكرية عام 1967. في مقابلاته عن هذا الفيلم، كرر شاهين أنه تنبأ بحرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، لكن كيف يمكن أن تكون هذه نبوءة إذا صُوِّر الفيلم وعُرض بعد عام من معركة التحرير؟

«العصفور»: نبوءة شاهين حول ما حدث (أفلام مصر العالمية)

هو بالتأكيد فيلم مهم لتأريخ الفترة التي تأرجح فيها الشعب والدولة بين طعم الهزيمة وطعم النصر. شخصياته تمعن في تحليل الموقف، وإذا لم تفعل، فهي ترمز إليه.

لم يرغب شاهين في النيل من عبد الناصر، ولا التصفيق للسادات، لأن اهتمامه الأول كان توضيح أن الهزيمة وقعت نتيجة عوامل أخرى غير عسكرية، عوامل سياسية ومجتمعية وجد فيها المصري نفسه مطالباً بالتأمل فيما وقع والبناء عليه.

المصير ★★★ إخراج:‫ يوسف شاهين ‬(1997)

مصر | تاريخ الصراع بين العلم والدين يُعيد نفسه

ما نشاهده في هذا الفيلم عن حياة وأزمنة ابن رشد لم يقع في معظمه. نعم هناك ابن رشد (كما يؤديه نور الشريف)، وهناك قرطبة والفترة الأندلسية، لكن كما كتب الزميل إبراهيم العريس في كتابه «القاموس النقدي للأفلام»، يخالف «المصير» حياة ابن رشد بمعظم تفاصيلها.

بعض العذر هنا أن شاهين أراد تقريب المسافة الزمنية بين فترتين حاسمتين: التاريخية وتلك التي شهدتها مصر في التسعينات، من صراع بين الدين والعلم وترعرع وسط حالات من الركود الفكري وعدم اليقين.

لكن هذا بدوره يؤكد أن الفيلم أبعد ما يكون عن كونه سيرة حياة كما أشيع حينها.

ويظهر ذلك بوضوح، ربما أكثر مما يجب، في أسلوب شاهين الذي يركز على تحقيق أفكاره ورؤاه أكثر من حرصه على تأريخ الأحداث أو واقعيتها.

الأرض ★★★‬ إخراج: يوسف شاهين (1970)

مصر | يد المليجي تمسك بتراب الأرض

هو حكاية وقضية أكثر مما هو فيلم في حالة بهاء وإبداع. الفن والمعالجة البصرية والسردية مستسلمان للنص وشروطه، وتتبعه لتأمين الرسالة الوطنية والسياسية. هناك الكثير من الخطابات والشكاوى التي تهدف إلى التعبير عن الرغبة في الثورة الصعبة ضد سلطة، من دون أن يمنح الفيلم الفلاحين أي أدوات فاعلة. هل الفيلم عن ظلم الإقطاع قبل الثورة غير المنصف، أم عن تصوير انقسام الفلاحين غير المجدي؟ إذا كان عن المسألتين معاً، فإن القضية تصبح متناقضة أكثر من كونها متلاحمة، وكان الأولى اختيار خط أول يتبناه ثم آخر يتبعه، عوض تشتيت الرسالة المتوخاة.

نجوى إبراهيم وعزّت العلايلي في «الأرض» (أفلام مصر العالمية)

لكن شاهين، كعادته، يعرف كيف يلتقط أنفاس شخصياته وما تعنيه. المشهد الذي يقبض فيه محمود المليجي على تراب أرضه وهو يُسحل بعيداً يبقى من أفضل مشاهد الفيلم وأعمقها.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز