تحدي ترامب.. توحيد الأميركيين

أنصاره يحتفون بـ«استعادة البلاد».. ومهاجرون: نشعر برعب شديد ونفكر في الرحيل

تحدي ترامب.. توحيد الأميركيين
TT

تحدي ترامب.. توحيد الأميركيين

تحدي ترامب.. توحيد الأميركيين

أدلى الأميركيون بأصواتهم في انتخابات الرئاسة يوم الثلاثاء باعتبارهم شعبا واحدا، واستيقظوا الأربعاء دولة من أمتين؛ إحداهما مبتهجة ومفعمة بالأمل، والثانية يتملكها التشاؤم والرعب الشديد. كان هذا من أهم نتائج فوز الجمهوري دونالد ترامب على منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون، بعد حملة شرسة وغير مسبوقة، احتدم فيها التنافس إزاء قضايا سياسية واقتصادية كثيرة، وأثيرت خلالها فضائح أخلاقية ومالية وفتحت تحقيقات من قبل المباحث، مما زاد الجو المشحون أصلا مزيدا من التوتر والترقب.
والآن بعد إعلان الفائز بالسباق الرئاسي، وجد ترامب نفسه أمام شعب مقسم، مما دفعه للتخفيف من تصريحاته المثيرة للجدل. وتعهد، خلال خطاب النصر، بالسعي لتوحيد الأميركيين، هو تحد ربما لم يتوقعه ترامب نفسه خلال حملته. ومن خلال مقابلات أجرتها الصحافة مع مواطنين من شرائح وخلفيات مختلفة، اتضح أن عددا ممن اختاروا ترامب ازدادوا ابتهاجا وتشبثا بخيارهم، بينما أطاح الصعود غير المتوقع، للمرشح الجمهوري، بمفهوم الولايات المتحدة لديهم وأجبرهم على النظر في أمرهم وفيما إذا كانوا يعيشون في البلاد التي لم تعد مثلما كانوا يعتقدون.
في ميدلتاون بولاية أوهايو، استيقظت زوجة قس الكنيسة ذات الـ26 عاما وهي مبتهجة ومفعمة بالآمال في إمكانية أن يحقق ترامب التحول الاقتصادي المنشود ويعمل على معارضة وتجريم الإجهاض. وفي دالاس، تلقى محامي الهجرة، البالغ من العمر 51 عاما، اتصالات هاتفية مذعورة من العملاء الذين يخشون من الترحيل القسري من البلاد، معتقدين أن طلبات الحصول على حق اللجوء السياسي قد تعطلت وباتوا يفقدون الأمل في إمكانية لم شمل الأزواج والأطفال.
وفي منزلها في منطقة راذرفورد الريفية من ولاية نورث كارولينا، كانت تلك المرأة البالغة من العمر 55 عاما تقضي صباحها في ألم وندم شديدين على قرارها الذي اتخذته في آخر لحظة عندما أدلت بصوتها الانتخابي لصالح المرشح ترامب.
وتقول سيندي أدير، وهي مهندسة للديكور: «إنني في حالة عصبية شديدة. إننا منقسمون بشدة، وهناك الكثير من الكراهية في كل مكان». وكانت في كل صباح تعيد النظر في قرارها برفض المؤسساتية، وكانت تشعر بالقلق حول ما يقولونه عنها. «أعني أنني أميل للإدماج. إنني لا أوافق أن نذهب ونقول لجماعة معينة من الناس، مثل المسلمين، إنكم غير مسموح لكم بالبقاء هنا».
وقد تردد هذا السؤال كثيرًا في الكثير من المقابلات الشخصية التي عقدت مع الناخبين في طول البلاد وعرضها: ما الذي يعنيه بالضبط فوز دونالد ترامب بالنسبة للولايات المتحدة كأمة؟ تقول زينب الحسني، 30 عاما، من هامترامك في ولاية ميتشيغان، وهي ضاحية في مدينة ديترويت التي تضم مجلس المدينة الوحيد ذا الأغلبية المسلمة: «إنني أشعر بالرعب الشديد»، حيث كانت تنتظر تناول الإفطار في أحد المطاعم بالمدينة، وكانت تنظر بعينين قلقتين إلى طفلتها البالغة من العمر 15 شهرا فقط. وأضافت الحسني تقول وهي تضبط حجابها على رأسها: «إن بلادنا تريد طردنا إلى الخارج. إنهم يكرهون المسلمين. هذا ما قالوه بالأمس. إنهم يكرهوننا أكثر مما يحبون أميركا نفسها».
وأردفت الحسني تقول وهي تشير نحو طفلتها الرضيعة وتقاوم دموعها بشدة: «كيف يمكنني الرحيل، فلتشرحوا لها. الرجل الذي يقول مثل تلك الأشياء الحقيرة عن الجميع قد أصبح اليوم نموذجا يحتذى به؟ لماذا لم تعد مسألة كهذه مهمة عند الناس المحترمين؟».
وعلى مسافة بضعة أميال إلى الشمال، كان جيمس ماكدانيالز البالغ من العمر 27 عاما يطعم طفله البالغ من عمره 4 شهور فقط في مقهى ستاربكس الشهير، حيث قال: «إنني متحمس للغاية!»، وهو يرتدي سترته على كتفيه ومكتوب عليها «أرسلوا هيلاري إلى السجن». وأضاف ماكدانيالز يقول وهو يحتسي قهوته المفضلة في ماونت كليمينت بولاية ميتشيغان – وهي من مناطق الطبقة البيضاء العاملة في الولاية: «لم أعد أهتم بما يقولونه عن الرجل. إنه الإعلام الذي يحاول تشويه صورته لدينا. إننا لا نكره المسلمين، ولكن لا يمكنهم تطبيق قانونهم وشريعتهم في بلادنا. إن كانوا يحبون هذه البلاد بحق، فعليهم مساعدتنا في التخلص من الإرهابيين الإسلاميين الموجودين في مساجدهم هنا». ويتابع ماكدانيالز، الذي فقد وظيفته في عام 2015 عندما أغلق متجر بيع قطع غيار السيارات الذي كان يعمل به أبوابه: «لقد كان الوضع حرجًا للغاية هنا ولسنوات كثيرة ولم يكن أحد يعبأ بنا»، وقال: إنه تمكن في نهاية الأمر من العثور على وظيفة نادل في أحد المطاعم. وقال مضيفا: «لقد استعاد الشعب الأميركي بلاده بالأمس أخيرًا». وقال الرئيس المنتخب ترامب صباح الأربعاء إن الأمة تدين لهيلاري كلينتون بدين عظيم للخدمات الجليلة التي أدتها للبلاد، وأضاف قائلا: «إنني أعني ذلك بكل إخلاص وأمانة».
ولم يصدق ماكدانيالز من ذلك شيئا، حيث كان يعول على أن يعمل ترامب في الواقع على سجن كلينتون كما وعد بذلك في حملته الانتخابية، ووصفها ماكدانيالز بأنها «امرأة محتالة وكاذبة».
وتقدم الرئيس باراك أوباما إلى حديقة الورود في البيت الأبيض بعد ظهيرة يوم الأربعاء، وتحدث عن الانتقال السلمي للسلطة، مقرًا بخلافاته مع ترامب، ومضيفا أن الجميع معترف بنجاحه.
في لوس أنجليس، كانت باتي غيجانز، 72 عاما، تحاول استدراك الأمر، حيث قالت: «لا أزال مصدومة حتى أكون مصدقة لما يحدث». وكانت غيجانز تعمل منذ ثلاثة عقود في منظمة غير هادفة للربح معنية بمساعدة النساء اللاتي تعرضن للاعتداءات الجنسية. وقالت مضيفة: «تعرضنا للكثير من النقد اللاذع طيلة العام الماضي: لقد وصفت النساء بالكاذبات. وانتقص من قدرهن لأنهن فقط نساء. وكان الخطاب العام نحونا عنيفا ورخيصا للغاية، وكان إقصائيا بدرجة كبيرة».
وكما شاهدت نتائج الانتخابات مساء الثلاثاء، قالت: إنها كانت مضطرة إلى إجبار نفسها على التوقف عن متابعة الأخبار حيث إن التصويت لصالح ترامب كان بمثابة استفتاء على العنف الجنسي نحو النساء. وقالت: «لو سمحت لنفسي بالتفكير في ذلك لكنت أقدمت على الانتحار على الفور».
بدلاً من ذلك، قالت غيجانز، عندما بدأت في رؤية الانتخابات كما لو كانت تحذيرًا مدويًا الذي تجاهله الكثيرون أو رفضوا الاستماع بشكل غير منصف لشكاوى رفاقهم من المواطنين الأميركيين الساخطين على الأوضاع، أولئك الذين اتضح أنهم اندفعوا ذرافات ووحدانًا في مسيرات تأييد ترامب. وتقول غيجانز: «في مجال عملي، نتعمد الاستماع إلى الآخرين، ولدينا مستشارون وخط هاتفي ساخن. نستخدم قلوبنا وعقولنا لمحاولة فهم الآخرين، وهذا ما يتعين علينا القيام به إذا أردنا المضي قدما».
ولكن كيف يمكنك الاستماع من دون نسيان ما قاله ترامب لتوه؟ كما يقول فيكتور إيبارا. فمن اليوم الأول لترشح ترامب – عندما وصف الشعب المكسيكي بأنهم مغتصبون وتجار مخدرات ومجرمون – كان إيبارا من أشد المنتقدين.
وإيبارا من المهاجرين غير الموثقين، كان غادر بلدته راينوسا في المكسيك قبل 20 عامًا للفرار بحياته من العنف المتفشي في بلاده محاولا العثور على الراحة والسلام. وقد ظن أنه عثر عليه في هيوستن، حيث يكتسب رزقه من تنظيف السجاد لتربية ولده المولود في الولايات المتحدة الأميركية. ويعمل إيبارا الآن كناشط في مجال حقوق المهاجرين اللاتينيين، ويقول إن هاتفه لم يتوقف عن الرنين منذ مساء الثلاثاء الماضي. «إنهم يبكون، إنهم يعانون، إنهم خائفون. بعضهم من الصبيان بأعمار تناهز 14 و15 عاما، ومنهم الأطفال لآباء لا يحملون وثائق الهجرة القانونية، إنهم يبكون كثيرا ويقولون: إنهم خائفون للغاية من ترامب، ويتساءلون: ما الذي سوف نفعله الآن؟».
وقالت ميتزي ميلر إنها كانت تكافح من أجل محاولة رأب الصدع مع أولئك الذين، من خلال أصواتهم، صادقوا على سخريات ترامب من الكثير من الناس. وتضيف أن ابنها كايسي يعاني من مرض الشلل الدماغي، والاضطرابات العقلية، وأمراض الكلى. وعندما شاهدت هي وابنها، البالغ من العمر 19 عاما، ترامب، يسخر من أحد المراسلين من ذوي الإعاقة، قالت: إنها شعرت بإعياء شديد وأجهشت بالبكاء. وتابعت ميلر: «إن كل ما تذكره ولدي هو كل أنواع السخرية والآلام التي مرت به في حياته. ألا تسمعوا، إننا مدمرون، فقط مدمرون، ولا يفهم أحد ما الذي سوف يحدث في بلادنا ولأطفالنا». في وقت مبكر من صباح الأربعاء، كانت ناجا نيلسون (18 عاما) تتجول في شوارع واشنطن، مركز الزلزال الذي كشف عن كافة أشكال الحقد والانقسامات الحزبية التي مزقت البلاد إربا، وقالت: إنها شاهدت تداعي كل المثل منهارة أمام عينيها.
وبعد الإثارة الأولى للتصويت لأول مرة في حياتها، تتساءل الطالبة في عامها الأول بجامعة جورج واشنطن إن كان لصوتها الانتخابي أهمية تذكر. كما تساءلت ما إذا كانت كافة الاحتجاجات والمشاجرات التي وقعت في السنوات الأخيرة لصالح الدفاع عن حقوق المرأة والأقليات لها، أيضا، أهمية تُذكر. وتقول ناجا نيلسون: «لقد بدأت أشكك في كل شيء»، وأضافت أنها تحمل ترامب مسؤولية تطبيع الكراهية، وكره النساء، والإسلاموفوبيا، وكراهية الأجانب. وحتى أنصار ترامب واجهوا مشكلة في التخلي عن معتقداتهم كذلك. ومع انتظار سي جيه لويس (74 عاما) في غرفة معيشتها للاستماع إلى خطاب التنازل من هيلاري كلينتون، تحدثت كيف أنها كانت تشعر بالخزي من قبل غيرها من السكان في بلدتها لأنها فقط من مؤيدي دونالد ترامب.
وتقول لويس الديمقراطية المؤيدة لترامب: «كنت خائفة من وضع علامة ترامب في فناء منزلي أو على خلفية سيارتي. لم أكن أريد أي شيء أن يحدث لمنزلي أو سيارتي. والأمر هو أنني لن أتحدث عنهم بالطريقة التي تحدثت بها هيلاري عنا، لقد وصفتنا بأننا يُرثى لنا». وتضيف لويس أن أكبر آمالها، بعد أن انتهت الحملة الانتخابية، هي أن يتوقف الناس في النهاية عن كراهية بعضهم البعض. وحتى الآن، ومع مشاهدتها للتلفزيون في انتظار ما ستقوم به كلينتون، لم تتوقف لويس عن تعداد إخفاقات كلينتون في الحكم على الأمور وفي شخصيتها الذاتية.
وأدلى ترامب بعد فوزه بتصريحات طمأنة تجاه خصومه، إذا قال ضاحكا أمام حشد من أنصاره في نيويورك: «بالنسبة لأولئك الذين اختاروا عدم مساندتي في الماضي، وهم عدد قليل من الناس، فإنني أحاول التواصل معكم من أجل الاستفادة من توجيهاتكم ومساعدتكم بحيث يمكننا العمل سويا من أجل وحدة بلادنا العظيمة». وأعرب الكثير من الناخبين المؤيدين لترامب عن التفاؤل المطلق حيال رغبته وقدرته على القيام بذلك.
وما يفتقر إليه ترامب في الخبرة السياسية، يحاول تعويضه في مجال المال والأعمال والتجارة، كما يقول دياموند مايك آلن، 55 عاما، وهو المصارع المحترف الذي تحول إلى مجال الكوميديا والترفيه ومن أنصار ترامب منذ اليوم الأول.
ويقول آلن من مدينة دولستون بولاية بنسلفانيا، في المقاطعة التي أيدت هيلاري كلينتون: «إن رجل الأعمال الناجح دائما ما يقرب منه الشخصيات المناسبة. فعندما يبدأ في بناء أحد المباني الكبيرة، فإنه لا يصب الخرسانة بنفسه أبدا». ويقول مايكل بارنت، وهو من المواطنين الأميركيين الأفارقة المؤيدين لدونالد ترامب ورئيس مقاطعة بالم بيتش في ولاية فلوريدا، ومن أعضاء الحزب الجمهوري هناك: «لا أعتقد أنه بمقدوره القضاء على العنصرية، لأنني لا أعتقد أنه بإمكانه تغيير الطبيعة البشرية. ولكنني أعتقد أن دونالد ترامب، ومن واقع خبراتي السابقة، يعرف كيف يعمل مع كافة الناس من كافة الأعراق».
ولكن بالنظر إلى حالة الانقسام الكبيرة والمؤلمة التي تجتاح البلاد اليوم، حتى بعض من الناخبين المؤيدين لترامب قد أعربوا عن شكوكهم ومخاوفهم.
وتقول جوليا سميث، التي صوتت لصالح ترامب من إحدى الضواحي في مدينة شيكاغو: «إنه مدفع هائج، ولا أدري ما الذي سوف يفعله». وسميث، التيس تعمل في مجال تحليل تكنولوجيا المعلومات، قد وجدت بعض العزاء في فكرة مفادها أن شخصا واحدا وانتخابات وحيدة ليس بإمكانهما تحديد مسار ومصير البلاد بأسرها، بصرف النظر عن الصدمات والتحولات الناجمة عنها. وتضيف سميث: «سوف يتطلب الأمر من الناس الذين يحبون بعضهم البعض، ويحبون مجتمعاتنا، ويحبون جيراننا، عما إذا كانوا من أبناء هذا الوطن أم لا، وهل عندهم المقدرة على التضحية من أجل أن نكون الدولة التي تتمتع بالنزاهة والمصداقية مرة أخرى. إنه كشعلة مضيئة في مكان مظلم».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.